مسلمو الإويغور في مصر: رحلة أولها ترحيب وآخرها ترحيل

خالد المصري – صحافي مصري
يناير 23, 2020
نكشف في هذا التحقيق تفاصيل عن الحملة التي استهدفت المسلمين الإويغور الذين كانوا يدرسون في الأزهر، وترحيلهم قسراً على نحو يخالف القوانين والمعاهدات الدولية.

نكشف في هذا التحقيق تفاصيل عن الحملة التي استهدفت المسلمين الإويغور الذين كانوا يدرسون في الأزهر، وترحيلهم قسراً على نحو يخالف القوانين والمعاهدات الدولية، وكيف اعتقل البعض منهم وسلب حقهم في التسجيل في المفوضية السامية كلاجئين. 

قلق وترقب وخوف دائم يعيش فيه الطلاب المسلمين الإويغور الدارسين في الأزهر بمصر. هذه الأجواء ليست وليدة اللحظة، لكنها نتاج تراكم انتهاكات عدة بحقهم على يد الحكومتين المصرية والصينية منذ 2017، عندما شنت الحكومة المصرية حملة قبض عشوائية على الطلاب الإويغور الدارسين في الأزهر دون سند قانوني، وسمحت لضباط أمن صينيين أن يحققوا معهم داخل مصر، قبل أن ترحل مجموعة منهم لاحقا إلى الصين، بناء على طلب من الأمن الصيني.

يتجنب الطلاب الآن الإفصاح عن هويتهم الحقيقية للسكان المحليين، ويتجنبون التجمعات واللقاءات التي تلفت الأنظار إليهم، ويتحاشون كثير من الممارسات الطبيعية المكفولة لغيرهم، خوفا من توابع لفت نظر أتباع الأمن: المصري أو الصيني، فيما يمكن أن نطلق عليه “قيود ذاتية” قبل أن تفرض عليهم رغما عنهم، يقول أحدهم ويدعى “سليمان”: “لا اختلط بالآخرين، فقط أدرس وأعمل وأعول أسرتي التي تقيم معي في القاهرة، ولا شأن لي بالآخرين أو أي شيء محيط، وعندما يطلبني الأمن أتوجه إليه للإجابة عن أسئلته”، لافتا إلى أن الأمن المصري يطالبه بالحضور على فترات لسؤاله حول بعض الأشياء أو الأشخاص، وعن هوية الجهة الأمنية التي تتواصل معهم، أخبرنا أنه ضابط في قسم الشرطة حيث يسكن.

علاوة على القيود الذاتية التي يعيشها الطلاب الآن، هناك قيود أخرى -أمنية ورسمية- فرضت عليهم، إذ يشترط الأزهر على الطلاب الوافدين من جميع الجنسيات أن يتقدموا بما يفيد موافقة سفارة بلدهم على الدراسة في الأزهر الشريف قبل السماح لهم بالدراسة فيه، غير أنه منح للأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية سلطة التجاوز عن تلك الموافقة للدول التي ترفض إعطاء رعاياها ذلك الخطاب، وتكون سلطة القبول مخولة لهذا الشخص دون غيره –غير أن الأمن له نفوذ واسع في هذا الأمر-، ويتدخل أحيانا، وفقا لإفادة أحد الأويغور الذين تحدثوا لـ”درج”. 

ماذا حدث في 2017؟

“كنا ندرس في مصر من دون أي تضييق أو مشكلات، وكانت الحكومة المصرية تقدم لنا تسهيلات وكذلك الأزهر، وفي تموز/ يوليو 2017 حدث أسوأ كوابيسنا، وشكل نقطة فارقة في تاريخنا ومستقبلنا وهويتنا وعقيدتنا، إذ شنت الشرطة المصرية حملة اعتقالات واسعة ضد المسلمين الإيغور الذين يدرسون في الأزهر، وسمحت لضباط صينيين بالتحقيق معهم في القاهرة، ثم رحّلت بعضهم قسراً إلى الصين حيث قتل البعض في المعتقلات…” بتلك الكلمات يتذكر عبدالآخر (اسم مستعار) تجربته المريرة في مصر حيث كان ضمن 3000 إيغوري يدرسون ويعيشون في مصر قبل أن تشن السلطات المصرية حملة ضدهم لترحيلهم قسراً.

والإيغور هم أقلية مسلمة تعيش في إقليم شنغيانغ شمال غربي الصين، ويطلق عليها تركستان الشرقية.

بدأ الأمر في أيلول/ سبتمبر 2016 عندما وافقت الجهات الأمنية المصرية على طلب 600 طالب من المسلمين الإيغور على الدراسة في الأزهر، وهو أمر أثار حفيظة سفارة الصين في القاهرة، بخاصة في ظل تنامي أعداد الدارسين في الأزهر عاماً تلو الآخر، إذ ارتفعت أعدادهم بين عامي 2010 و2017 إلى 3000 طالب. 

الإيغور هم أقلية مسلمة تعيش في إقليم شنغيانغ شمال غربي الصين، ويطلق عليها تركستان الشرقية.

“تزايد أعداد الطلاب دفع بالسفارة الصينية إلى التنسيق مع حكومة بلادها من أجل التحرك لوقف هذا التنامي، خوفاً من تشيكله تهديداً محتملاً مستقبلاً، وبناء عليه خاطبت الحكومة الصينية الرئاسة في مصر، ووزارة الخارجية وقالت إن الأزهر يقبل دراسة رعايانا لديه من دون موافقتنا، وفقاً ما أفادنا بعض شيوخ الأزهر”، يوضح محمود محمد وكيل “جمعية علماء تركستان الشرقية”، (وهو أحد الإيغوريين الذين كانوا يعيشون في مصر إبان حملة الأمن على الطلاب) أسباب تحرك حكومتي الصين ومصر ضد الإيغور.

اعتقالات واحتجاز واختفاء قسري

تشير تقارير حقوقية الى انتهاكات عدة مارستها السلطات المصرية بحق المسلمين الإيغور، إذ شنت حملة قبض عشوائي عليهم من دون تهم، واقتحمت منازلهم ومقار عملهم وفتشتها من دون إذن قضائي، وألقت القبض على عدد كبير منهم من دون إذن قضائي أو قرار باعتقالهم من وزير الداخلية. كما احتجزت عدداً منهم من دون سند قانوني، ومنعتهم من الاتصال بذويهم. 

“يصنف هذا الانتهاك احتجازاً بمعزل عن العالم الخارجي، ويخالف المادة 54 من الدستور المصري، التي أوجبت عدم تقييد حرية أي شخص، في ما عدا حالات التلبس، إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه تحقيق، وتمكين المحتجزين من الاتصال بذويهم ومحاميهم وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تقييد حريته”، وفقاً لمروان (اسم مستعار لحقوقي مصري عمل على هذا الملف إبان 2017).

يؤكد مروان، رصد حالة اختفاء قسري لطالب يدعى مختار رؤوي، موضحاً أن قوات الأمن احتجزته في ميناء نويبع أثناء سفره إلى الأردن مع طالبين آخرين من الإيغور، وبعد فترة أُفرج عن الطالبين الآخرين “ولم يتمكن أي شخص من التوصل إلى مكانه حتى الآن”.

شن الأمن حملة اعتقالات عشوائية للقبض على الطلاب الإيغور من الشوارع والمنازل والمساكن، كانوا يسألون السماسرة وملاك العقارات عن أماكن الطلاب الإيغور ثم يقتحمونها للقبض عليهم. وكانت الشرطة تبعثر محتويات تلك الشقق من أجل البحث والتفتيش على متعلقاتهم الشخصية من هواتف محمولة وأجهزة كمبيوتر محمولة وكتب وغيرها، لكشف أفكارهم وعقيدتهم، وفقاً لعبد الآخر، (طالب إيغوري كان يدرس في مصر ونجح في الفرار إلى الخارج). وكانت بدأت الحملة باقتحام مطعم “أسلم” في مدينة نصر (إحدى المناطق الراقية في العاصمة القاهرة)، وهو مطعم يقدم الطعام الصيني، مالكه ومعظم العاملين فيه من الإيغور. ألقت قوات الأمن القبض على ما لا يقل عن 30 شخصاً، وقادتهم جميعاً إلى قسم شرطة أول مدينة نصر، ووصل العدد إلى 80 شخصاً ضبطوا من الطرق والمطاعم والمحال والمنازل.

“عندما شنت حملة الضبط كنت في الخارج مع عائلتي واتصل بي صديقي وأخبرني عن الحملة لذا أمضيت ليالي مع أطفالي الثلاثة وزوجتي، أتنقل في محافظة بعيدة من القاهرة، وسكنت في الأرياف عند أستاذي. وسمعنا أن في المطار قائمة بأسماء منوي القبض على حامليها، وفعلاً هذا ما حصل. أنا كنت خائفاً، الحمد لله لم أكن في القائمة وخرجت بالسلامة”، يكشف عبدالآخر كيف تمكن من الفرار من مصر.

تشير تقارير حقوقية إلى انتهاكات عدة مارستها السلطات المصرية بحق المسلمين الإيغور، إذ شنت حملة قبض عشوائي عليهم من دون تهم.

“في 6 تموز، قبض على 29 شخصاً في مطار برج العرب في محافظة الإسكندرية (يبعد 213 كيلومتراً من العاصمة القاهرة)، أفرج عن 5 منهم وسمح لهم بالسفر بينما استمر القبض على 24 شخصاً آخرين، تم ترحيلهم في 18 تموز إلى القاهرة لينضموا إلى الآخرين. وقبض على 7 آخرين في مطار الغردقة (يبعد 470 كيلومتراً من القاهرة)، وثلاثة آخرين (بينهم سيدتان) وهم في طريقهم إلى المطار ذاته، إلا أن السلطات المصرية أفرجت عنهم لاحقاً. أما في ميناء نوبيع (يبعد 380 كيلومتراً من القاهرة) فتم استيقاف ثلاثة أسر حاولت السفر بحراً، لاحقاً أفرج عن أسرتين وبقيت أسرة واحدة قيد الحجز”، وفق محمود.

الطلاب إرهابيون؟

يروي محمود محمد كواليس الأزمة، يقول: “بدأت حكومة الصين الحملة عام 2016، وأعلنت في اجتماعات الحي التي يحضرها المواطنون يوم الإثنين من كل أسبوع أن الطلاب الموجودين في مصر إرهابيون، وأن هناك منظمة إرهابية تنشط في مصر، وطالبوا أولياء الأمور بألا يرسلون أبناءهم إلى مصر للدراسة في الأزهر الشريف، وأن تخاطب الأسر أبناءها الموجودين هناك كي يعودوا. ثم وجهت خطابات ورسائل إلى الطلاب الموجودين في مصر ليعودوا فوراً إلى الإقليم، حتى لا تعتقل أسرهم، وبدأت تنفيذ تهديدها واعتقلت عدداً من الأسر، فسارع الطلاب إلى ترك الدراسة في الأزهر وغادروا إلى الصين. غادر قرابة 1000 طالب خوفاً من البطش بأسرهم وعائلاتهم”.

ويتابع: “بقي في مصر قرابة 2000 طالب، معتقدين أنهم ما داموا يدرسون في مصر تحت حماية الأزهر، فلن تستطيع السلطات الصينية أن تصل إليهم، وغاب عنهم إمكان أن تتواطأ الحكومة المصرية مع الصين لتسليمهم”.

محمد، الذي أصبح وكيل جمعية علماء مسلمي تركستان الشرقية لاحقاً، يعيش في مصر منذ 15 عاماً، لم يكن يدرك أن الشرطة المصرية سوف تلاحقه بعد هذه السنوات الطويلة، وتداهم منزله، منتصف ليل الخميس 29 حزيران/ يونيو 2017، فيما كان خارج المنزل، قبل أن تخبر زوجته أحد زملائه الذي سارع لإخباره بذلك، حتى يختفي.

يقول محمد: “دخلت قوات من الشرطة إلى المنزل وسألت زوجتي وابني الأكبر عني، فقالا إنني سافرت إلى تركيا. فتش عناصر الشرطة البيت تفتيشاً روتينياً ورحلوا بعدما صعدوا إلى الطبقات العليا التي يسكن فيها إيغوريون آخرون وسألوهم عني”. ويكشف أن أحد أصدقائه الإيغوريين أخبره أن عناصر من الأمن الصيني تواصلوا معه خلال شهر رمضان عام 2016، عبر أحد التطبيقات الإلكترونية وأرسلوا له صورته وسألوه عنه، “وفي ذلك الوقت ساورني الشك في أنه يمكن القبض علي”.

أنباء اقتحام منزل محمد سارت بين مجتمع الإيغور في مصر كالنار في الهشيم، غير أن الاعتقاد العام كان أنه مستهدف بشكل فردي بخاصة بعد انتشار أنباء البحث التي أجراها الأمن الصيني قبل أشهر. واعتقد مجتمع الإيغور أنه لن يتم القبض على طلاب يدرسون في جامعة الأزهر ويقيمون في مصر بشكل قانوني، تحت حماية الأزهر الشريف، المؤسسة الدينية الأعرق في مصر والشرق الأوسط، وفقاً لحديث سليمان (اسم مستعار لطالب إيغوري عايش الحملة الأمنية وما زال في مصر حتى الآن)، غير أن تفكيرهم كان في غير محله.

يقول سليمان الذي يدرس في “معهد البحوث الإسلامية”: “لم يكن ظننا في محله، إذ كانت محاولات الشرطة القبض على محمد هي شرارة حملة أمنية موسعة انطلقت في مطلع شهر تموز 2017 مستهدفة عشرات المنتمين إلى طائفة الإيغور في مصر”.

شن الأمن حملة اعتقالات عشوائية للقبض على الطلاب الإيغور من الشوارع والمنازل والمساكن.

ويضيف: “اتصل بي صديقي، وقررنا الهروب من السكن والاختفاء بعيداً. سافرنا إلى محافظة الإسكندرية، للاختباء بعيداً من أعين الأمن حتى نرى ماذا سنفعل لاحقاً. علمنا أن هناك قوائم بالأسماء المطلوبة، لم نكن نعلم إذا كان اسمانا مطروحين أم لا، لكننا فضلنا الاختفاء تماماً. أمضينا 3 أشهر بعيداً من العاصمة حتى هدأت الأجواء وعلمنا بإخلاء سبيل بعض من قبض عليهم، وترحيل البعض الآخر إلى الصين، لكننا لم نذهب للدراسة هذا العام، كنا خائفين وقررنا أن نتوارى عن الأنظار”.

أعداد المحتجزين

كشفت المفوضية المصرية للحقوق والحريات، أن عدد الإيغوريين الذين ألقي القبض عليهم يتراوح بين 90 و120 شخصاً، إضافة إلى آخرين أوقفتهم الشرطة في مطارات: برج العرب والغردقة والقاهرة وميناء نويبع البحري أو في الطرق المؤدية إلى تلك الموانئ، غير أن وكيل جمعية علماء مسلمي تركستان الشرقية يؤكد أن عدد المقبوض عليهم وصل إلى 200 شخص، علاوة على ترحيل 25 شخصاً آخرين قسراً إلى الصين.

تحرك منظمات حقوقية دولية

في 7 تموز 2017 أصدرت منظمة “هيومان رايتس ووتش” بياناً طالبت فيه الحكومة المصرية بعدم ترحيل الإيغور إلى الصين، وأرسلت خطاباً إلى شيخ الأزهر للتدخل لحماية الطلاب المقبوض عليهم.

وأصدرت المفوضية المصرية للحقوق والحريات ومؤسسة حرية الفكر والتعبير، بياناً صحافياً، طالبتا فيه السلطات المصرية بوقف حملة الاعتقالات التعسفية بحق الطلاب الإيغور، وتوضيح موقفهم القانوني.

وفي 20 تموز 2017، أصدرت “منظمة العفو الدولية” و”مؤسسة حرية الفكر والتعبير” و”المفوضية المصرية للحقوق والحريات”، بياناً طالبت فيه الحكومة المصرية بالسماح للطلاب الإيغور المحتجزين بالتواصل مع محاميهم وأسرهم ووجود إشراف قضائي على احتجازهم.

ماذا حصل للمقبوض عليهم؟

بعد أيام من الاستجواب في قسم الشرطة في مدينة نصر، أرسل الإيغور إلى طرة أحد أشهر السجون المصرية، وقُسّموهم إلى ثلاث مجموعات وأُعطيت كل واحدة لوناً: الأحمر لمن سيتم ترحيله، والأخضر لمن سيُخلى سبيله، وأخيراً الأصفر لمن وجهت له مزيد من الأسئلة، وتم استجواب المجموعتين، أصحاب اللون الأحمر والأصفر على أيدي ضباط صينيين، وفقاً لمحمد.

المحققون الصينيون استجوبوا من 10 إلى 15 شخصاً فقط من المقبوض عليهم في مصر داخل أماكن احتجازهم، سألوهم عن رأيهم في الصين وفي الحزب الشيوعي الحاكم وإن كان هناك أعضاء في الحزب الإسلامي التركستاني أم لا، وفقا لمروان “الذي أشار إلى أن مصدراً أفاده بتعرض بعض المحتجزين للتعذيب أثناء هذه التحقيقات.

بقي الطلاب في السجون قرابة 4 أشهر، وتم ترحيل 25 شخصاً قسراً إلى الصين، جميعهم الآن معتقلون في السجون الصينية، اثنان من الطلاب استشهدوا داخل السجون وفقاً لما وصلنا من معلومات والبقية إن لم يستشهدوا في السجون فهم بالتأكيد ما زالوا يعانون فيها، وفقاً لوكيل “جمعية علماء مسلمي تركستان الشرقية”.

وخالفت مصر بتلك الممارسات القانون الدولي بترحيل أشخاص من المحتمل تعرضهم لانتهاكات حقوق الإنسان، بحسب المادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من دروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لعام 1984، والتي نصت على أنه “لا يجوز لأي دولة طرف أن تطرد أي شخص أو تعيده أو تسلمه إلى دولة أخرى، إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب”.

لماذا تقبض مصر على المسلمين الإيغور؟

الثلاثاء 20 أيلول/ سبتمبر 2016، استقبل وزير الخارجية المصري مجدي عبدالغفار، نائب وزير الأمن العام الصينى، مينيج كينج فينج، لتوقيع وثيقة تعاون فني بين الجانبين لتفعيل أطر التعاون الثنائي وتبادل الخبرات الأمنية والتدريبية، وعبر فينج عن رغبة بلاده في الاستفادة من الخبرات الأمنية المتميزة للشرطة المصرية، بخاصة في مجال مكافحة الإرهاب والتعامل مع التنظيمات المتطرفة وتتبع عناصرها، وتضمنت الوثيقة تفعيل أطر التعاون الثنائي في عدد من المجالات الأمنية المتخصصة، بينها تقديم الجانب الصيني الدعم اللوجيستي للشرطة المصرية في مجال الأجهزة وتقنيات تكنولوجيا مكافحة الجريمة والإرهاب.

وبعد أقل من عام وتحديداً الإثنين 19 حزيران 2017، استقبل وزير الداخلية المصري، تشن زيمين نائب وزير الأمن العام في الصين برفقته وفد رفيع المستوى من معاونيه لبحث موضوعات مشتركة بين البلدين في مجال مكافحة الإرهاب. وأعرب زيمين عن استعداد بلاده لتقديم التعاون لجهاز الأمن المصري، وأكد رغبتها في تفعيل قنوات تبادل المعلومات ذات الصلة بالتنظيمات المتطرفة وأنشطة الهجرة غير الشرعية، فضلاً عن الاستفادة من الخبرات الأمنية المتميزة لوزارة الداخلية المصرية، بخاصة في مجال مكافحة الإرهاب والتعامل مع الأيديولوجيات المتطرفة. ولفت عبدالغفار إلى عمق علاقات المودة والصداقة التي تربط بين القيادتين السياسيتين في البلدين، بما يمثل دافعاً رئيسياً لوزارة الداخلية المصرية على التوسع في تبادل الخبرات الأمنية مع أجهزة الأمن الصينية، وفقاً لبيانين منفصلين صادرين عن الوزارة المصرية.

وأرجع محمد الحملة الممنهجة التي شنتها مصر على مجتمع الإيغور إلى هاتين الاتفاقيتين، إذ تنظر مصر بأهمية بالغة إلى التقدم التكنولوجي الصيني في هذه المجالات الأمنية، بخاصة تقنيات وأجهزة التتبع ومراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من التقنيات التكنولوجية الأمنية التي تتطلع مصر للاستفادة من قدرات الجانب الصيني فيها، علاوة على علاقة الصداقة التي تربط بين الرئيسين المصري والصيني.

صداقة الرئيسين

أوضح محمد أن العلاقات الاقتصادية بين القاهرة والصين لعبت دوراً كبيراً في مساعدة مصر الصين في ضبط الطلاب الإيغور، إذ تعد الصين من أكبر المستثمرين الأجانب في مصر، وهي تضخ أموالاً في مشاريع البنية التحتية الضخمة مثل إنشاء عاصمة إدارية جديدة شرق القاهرة، وبلغ حجم التجارة بين البلدين مستوى قياسياً بقيمة 13.8 مليار دولار، العام الماضي.

سفارة الصين ترمم “معهد البعوث الإسلامية”

يؤكد عبدالآخر أن “سفارة الصين في القاهرة دفعت مقابل ما فعلته للأزهر، إذ رممت معهد البعوث الإسلامية في شارع أحمد سعيد في منطقة العباسية بالقاهرة، ومصر أخذت أيضاً بدل عمليات”. 

موقف الأزهر من الحملة

كان الأزهر الشريف نفى في البداية الأخبار المتداولة بخصوص القبض على طلاب إيغور من الدارسين فيه، في بيان عنه، آنذاك، قبل أن يعود مستشار شيخ الأزهر، محمد مهنى، ويعترف بأنه تم القبض على 43 شخصاً بينهم 3 فقط من الدارسين في الأزهر، وأنه يواصل جهوده من أجل الإفراج عن المقبوض عليهم.

أوضاع الإيغور في الصين

كشفت “منظمة العفو الدولية” أن الصين تقود حملة قمع موسعة بحق أقلية المسلمين الإيغور في إقليم شينغيانغ، وأنها تحتجز مليون شخص بشكل تعسفي، لافتة إلى أنها أماكن لغسيل المخ والتعذيب والعقاب، ويخضع الموجودون فيها لإدماج قسري وتلقين عقائد سياسية.

وقالت إنه يتم وضع الأصفاد في ذراع المحتجزين وسيقانهم، ويجبرون على الوقوف في وضع ثابت لأوقات طويلة تصل لـ12 ساعة ويجبرون على ترديد الأغاني السياسية، ودراسة خطابات الحزب الشيوعي الصيني، ولا يتمكنون من التحدث بعضهم مع بعض، ويجبرون على ترديد هتاف “يحيا شي جين بينغ”، قبل تناول وجبات الطعام، ومن يرفض ذلك يعاقب بالإساءة اللفظية والحرمان من الطعام، والحبس الانفرادي والضرب والتقييد بالأصفاد، والوقوف أو الجلوس في أوضاع مجهدة.

وأكدت حدوث حالات وفاة داخل مرافق الاحتجاز، وحالات انتحار من قبل أولئك غير القادرين على تحمل المعاملة السيئة.

ونوهت إلى أن إبداء أي مظاهر للانتماء الديني والثقافي، بما في ذلك إطلاق لحية أو ارتداء الحجاب أو النقاب أو الصلاة أو الصوم أو تجنب شرب الخمر أو امتلاك كتب أو مقالات عن الإسلام أو ثقافة الإيغور يمكن اعتبارها “متطرفة” بموجب القانون، وكذلك السفر إلى الخارج من أجل العمل أو التعليم، لا سيما إلى البلدان ذات الأغلبية المسلمة، أو الاتصال بأشخاص خارج الصين، وهم يخضعون لتفتيش هواتفهم المحمولة بشكل دائم بحثاً عن محتوى مريب.

الأمن الوطني يهدد محامي الطلاب

حاول “درج” التواصل مع عزت غنيم، محامي الطلاب الإيغور المقبوض عليهم في 2017، غير أنه تبيّن أن قوات الأمن المصرية ألقت القبض عليه بعد 7 أشهر من حملتها على الإيغور.

تعامل الأمن بشدة مع المحامين الذين تحركوا لدعم الطلاب الإيغور، وأرسل جهاز الأمن الوطني إلى بعض هؤلاء المحامين وطالبهم بالتوقف عن دعم الإيغور، قبل أن يحصلوا على توكيلات من أسر الطلاب، وبعدها تم التوصل إلى اتفاق معهم مفاده أن يتم خروج الإيغور الذين لم يتم القبض عليهم من مصر بتذكرة خروج إلى الصين، تتضمن دولة مضيفة، أي حجز تذكرة للصين تتضمن ترانزيت في دولة تركيا، ويمكثون هناك ولا يغادرون، وفقاً لتقرير صادر عن المفوضية المصرية للحقوق والحريات.

محاولة للحصول على حق اللجوء

أفاد مروان “بأن “عدداً من الإيغوريين الذين يملكون إقامات سارية قدموا طلبات لجوء للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لكن مواعيد المقابلات الشخصية معهم كانت محددة في وقت بعيد ولم تستطع المفوضية تقديم مواعيد المقابلات، ورغب آخرون في تقديم طلبات لجوء لكنهم لم يستطيعوا بسبب المخاطر الأمنية المحتملة لتقديم طلبات اللجوء في مقر المفوضية. لذا حاولت المفوضية السامية تشكيل لجنة لمقابلة طالبي اللجوء في أماكن آمنة نسبياً لكن هذه المحاولة لم تنجح.

الصين تمنع الإيغور من السفر

“الحكومة تمنع سفر بعض السكان من مناطق معينة إلى مصر فيما تسمح لسكان مناطق أخرى بالتوافد بكثرة”، يقول سليمان، ويتفق معه محمد الذي يؤكد أن الإيغور توقفوا عن المجيء إلى مصر من تركستان (شينغيانغ) للدراسة لأنهم يعيشون إما في سجن مغلق أو في سجن مفتوح، فهي منطقة مغلقة منذ 4 سنوات.

وكشف وكيل “جمعية علماء مسلمي تركستان” محمود محمد لجوء بعض هؤلاء الموجودين خارج الإقليم إلى حيلة التجنس، ليتمكنوا من المجيء إلى مصر بغرض الدراسة، من دون خوف على حياتهم والتحايل على تعنت قبول دراستهم في الأزهر، لأن الإيغور لا يمكنهم الاقتراب من مصر بجواز سفر صيني.

وقال سليمان، إن مصر تضم بين 200 و400 مسلم صيني، الآن، يدرسون في الأزهر وفي جامعتي القاهرة وعين شمس.

 لماذا تطارد الحكومة الصينية الإيغور في مصر؟

عن سبب مطاردة الصين الإيغور، قال وكيل جمعية مسلمي تركستان الشرقية، إن الصين دولة شيوعية وترى أن الدين أفيون الشعوب، وأنه يجب أن ينتهي في نهاية المطاف، وهي تدرس للطلاب الإلحاد طوال مراحل التعليم، ويعتقدون أنهم بمحاصرة الدين سيتمكنون خلال جيلين من القضاء عليه تماماً. وقال عبدالآخر إن الصين تحاول تغيير هوية الإيغور ولغتهم واعتقادهم منذ احتلال الإقليم قبل 70 عاماً، وقاموا بمحو التاريخ الحقيقي للإقليم وهوية الإيغور منذ الاستعمار، لافتاً إلى أن الهوية الإيغورية والدين الإسلامي، من صميم موروثاتهم.

كشفت “منظمة العفو الدولية” أن الصين تقود حملة قمع موسعة بحق أقلية المسلمين الإيغور في إقليم شينغيانغ، وأنها تحتجز مليون شخص بشكل تعسفي.

وكشف أن الصين منعت تدريس الإسلام داخل الإقليم وطلبت من الطلاب في شتى أنحاء العالم أن يعودوا إلى بلدهم ويبقوا هناك ولا يتعلموا الإسلام في أي مكان في الخارج، لكن هناك حكومات أتاحت الفرصة للطلاب ولم تستجب لمطالب الصين مثل تركيا والسعودية، لكن في مصر حدث تواطؤ حكومي.

يعيش عبدالآخر الآن في ألمانيا ويعمل في مطعم كي يوفر قوت يومه وقوت أسرته وأبنائه، وذلك في مسعى منه إلى الحصول على الجنسية الألمانية كي يتمكن من العودة مجدداً إلى مصر لدراسة العلوم الشرعية في الأزهر الشريف.

 بينما انتقل محمود للعيش في تركيا بعدما أمضى 15 عاماً في مصر، بين الدراسة والعمل والدراسات العليا، وخصص وقته هناك لدعم الطلاب الإيغور الذين فروا من مصر، وتوثيق المعاناة التي تعرضوا لها، وتسخير إمكاناته للدفاع عن قضيتهم.

مصر: كرنفال دامٍ يستهدف الناشط الحقوقي جمال عيد

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
المشهد يطرح مجموعة أسئلة حول موازنة وتمويل “حزب الله” نفسه من مناصرين ومقاتلين ومؤسسات، والرواتب التي يتقاضاها آلاف منهم بالدولار الأميركي، والـM16 الأميركي الذي كان من أسلحة المعارك التي خاضها الحزب، وغيرها…
محمد خلف – صحافي عراقي
السؤال الأهم الآن هو، هل بلغ التصعيد العسكري بين الجيشين التركي والسوري، والمواجهة بين موسكو وأنقرة الحد الذي يمكن القول معه إن الجسور التي أقامها بوتين وأردوغان تهدمت كلها دفعة واحدة؟
فاطمة بدري – صحافية تونسية
أدى فشل الثورات في سوريا وليبيا ومصر إلى إعادة النمط الفني إلى مداره الأول من تضييق وقمع، فيما استطاعت الموسيقى الملتزمة أن تنتعش في تونس.
علي سالم المعبقي – صحافي يمني
مشاريع ثقافية شكلت باباً للاستحواذ على ملايين الدولارات، وهذا التحقيق يكشف كيف…
خالد سليمان – صحافي وكاتب كردي عراقي
تغير المناخ هو مصدر خسارة جزر كيريباتي، إذ يهدد الصعود المتزايد لمياه المحيط بتقليص مساحتها، ناهيك بتدمير أراضيها الزراعية بسبب العواصف، الأمر الذي يتسبب بتهجير سكانها قبل أن تغمر المياه الجزر بالكامل.
مصطفى إبراهيم – صحافي فلسطيني
تعود القصة إلى عام 2017، عندما اتخذ الرئيس الفلسطيني محمود عباس جملة من الإجراءات هي بالأساس عقوبات ضد قطاع غزة بتقليص رواتب موظفي السلطة الفلسطينية بذريعة إجبار “حماس” على إنهاء الانقسام.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني