fbpx

هنا القصة الثالثة

بشار حيدر - أستاذ فلسفة في الجامعة الأميركية في بيروت

بشار حيدر - أستاذ فلسفة في الجامعة الأميركية في بيروت

مقالات الكاتب

مسألة خاشقجي: محاولة في تفسير ما حصل

الأدلة شبه القاطعة تشير  إلى أن الصحافي السعودي المعارض جمال خاشقجي دخل القنصلية السعودية في اسطنبول ولَم يخرج منها. الاحتمالات قليلة: إما أن يكون قد احتجز  أو قتل. إن صح هذا الاستنتاج، وهو ما يرجح حتى الآن، تكون السلطات السعودية قد أقدمت على عمل إجرامي الهدف منه قمع صوت سعودي معارض.

لا يشكل قمع الأصوات المعارضة أمراً غريبا على سلوك دول كالسعودية لم تُعرف بقبول واحترام التعددية السياسية، لكنه أيضا ليس استثناءً سعودياً. فقمع ايران، غريمة السعودية الاولى، للأصوات المعارضة يتفوق عليها باشواط. ناهيك طبعا عن تلك الأنظمة التي لا تتردد في اعتقال وتعذيب الآلاف من المعارضين السياسيين.

لكن الغريب في قضية خاشقجي أن السلطات السعودية أقدمت على فعلتها هذه دون أن تفكر مسبقاً بما ستقدّمه كتفسيرٍ لعدم مغادرة خاشقجي القنصلية. هذا رغم معرفة تلك السلطات أن تلك القنصلية موجودة في دولة لا تعتبر صديقة أو حليفة للسعودية، بحيث لا تستطيع الاخيرة الاطمئنان الى تعاونها في اخفاء الامر.

ببساطة، فإن إغفال السعوديين لضرورة تقديم تفسير لعدم مغادرة خاشقجي للقنصلية أمر غريب يحتاج بذاته الى تفسير.

ربما يقترح أحدهم الغباء كتفسير. قد يكون للغباء وقصر النظر دور في المسألة. لكن درجة الغباء المطلوب توفرها لتفسير إغفال مسألة بديهية كهذه، يجب أن تكون على درجة عالية جداً يصعب تصديقها. أضف إلى ذلك أن أركان العهد السعودي الجديد بقيادة ولي العهد كانوا قد أثبتوا أنهم على قدرٍ لا بأس به من الدهاء. فلقد استطاع ولي العهد الشاب تأمين سيطرته على الأجهزة الأمنية والعسكرية واخضاع او تطويع كافة منافسيه داخل العائلة المالكة، بما فيهم الكبار والمخضرمون وعلى رأسهم ولي العهد المتنحي محمد بن نايف. لاشك ان امراً كهذا يتطلب قدراً لا بأس به من الذكاء والحنكة لا يتناسب مع افتراض الغباء الخارق المطلوب توفره لتفسير مسألة خاشقجي.

التفسير الآخر أن السلطات السعودية لا تعير أي اهتمام للموقف الدولي ورأيه العام. فهي مطمئنة الى تحالفاتها وتعلم، وهذا هو الأهم، أن العالم مضطرٌ لشراء نفطها، وغير مستعد للتضحية بمشترياتها. لذا لم تكلف السعودية نفسها عناء بديهيات التخطيط الجرمي.

هذا التفسير، وإن بدا على قدرٍ ما من الصحة، غير مقنع تماما. فلقد عمل العهد السعودي الجديد على تحسين وتجميل صورته في العالم وفِي الغرب على وجه التحديد. بدأ برفع الحظر عن قيادة النساء للسيارات وبافتتاح صالات السينما والمسرح وإقامة الحفلات الفنية الغربية الطابع. وترافق هذا مع حملة سعودية واسعة سُخرت فيها شركات العلاقات العامة وساهم فيها صحافيون مرموقون من أمثال توماس فريدمان. وتصدّر هذه الحملة عنوانان رئيسيان: الأول هو التصميم السعودي على تفعيل وتطوير الطاقات الاقتصادية غير  النفطية. والثاني هو رفض الإسلام السياسي والابتعاد عن الاسلام الاجتماعي المتزمت والعودة، بحسب مقولة العهد الجديد، الى ما قبل العام ١٩٧٩، أي ما قبل بداية شيوع الحركات الاسلامية المتطرفة اجتماعيا وسياسيا والمدفوعة بانتصار الثورة الاسلامية في ايران.

الحكم السعودي يرى أن كل ما يقلق ويهمّ الغرب في منطقتنا هو الإسلام السياسي والاجتماعي المتطرف والمتزمت وإفرازاته العنفية. لذا فإن كل ما يجب على السعودية فعله لكسب الاحترام والتعاطف الغربي هو  الابتعاد عن ذلك النمط من الإسلام ورفضه، ما عدا ذلك مباح.

على ضوء هذا الاهتمام الواضح للعهد السعودي الجديد بتحسين صورته في الغرب، لا تبدو فرضية عدم اكتراثه بما يقوله العالم مقنعة. لذلك ما تزال هناك حاجة لإيجاد تفسير مقنع لسوء التخطيط الفاضح في قضية اختفاء خاشقجي.

لربما ينبع القصور في التخطيط الجرمي “السليم”، إن جاز التعبير، من قصور في فهم العالم الغربي او ادراك موقع السعودية فيه. وهو قصور له ما يفسره في السلوك الغربي نفسه. فيبدو أن الحكم السعودي يرى أن كل ما يقلق ويهمّ الغرب في منطقتنا هو الإسلام السياسي والاجتماعي المتطرف والمتزمت وإفرازاته العنفية. لذا فإن كل ما يجب على السعودية فعله لكسب الاحترام والتعاطف الغربي هو  الابتعاد عن ذلك النمط من الإسلام ورفضه، ما عدا ذلك مباح.

تعزز هذه النظرة لدى القيادة السعودية حول أولويات الغرب المكانةُ المرموقة التي تتمتع بها الإمارات. فالغرب يتعامل مع الأخيرة على أنها تمثل النموذج الناجح في المنطقة. وتستند هذه النظرة أساسا الى تبني الإمارات قدراً لا بأس به نسبياً من التسامح في السلوكيات المتاحة في الحيّز العام و الابتعاد عن فرض قواعد اجتماعية إسلامية شديدة المحافظة، اضافةً بالطبع الى تبني الإمارات مؤسسات تعليمية وثقافية وترفيهية بحلّتها الغربية الكاملة. بطبيعة الحال لا تستند هذه النظرة الغربية الودودة حيال الإمارات إلى أي التزام من الاخيرة بقيم التعددية السياسية وحرية التعبير وحق الاختلاف السياسي. فإعجاب الغرب بالنموذج الإماراتي وانحيازه له على حساب قيم اخرى يظهران أيضا في تعاطي الرأي العام الغربي مع الحرب في اليمن. ففي حين أن  الإمارات شريك كامل للسعودية في هذه الحرب، إن لم تكن أكثر حضورا، تكاد تنفرد السعودية بالتعرض لكافة اللوم والنقد في ما يخص تلك الحرب.

فاذا كانت الإمارات، بخلاف حليفتها الحميمة السعودية، تحظى بهذه المكانة لدى الغرب حتى في ظل غياب أي مساحة فيها لقيم الحرية السياسية، فليس من المستغرب أن يستنتج السعوديون أن كل ما هو  مطلوب للحصول على رضا ومباركة الغرب والعالم هو الاقتراب أكثر من النموذج الإماراتي. فذلك الغرب المهجوس بالتطرف الإسلامي على حساب أي شيء آخر، وصولاً إلى استعداده للقبول بإعادة تأهيل مجرم كبشار الأسد على اعتبار أنه البديل الوحيد المتوفر للتطرف الاسلامي، اوحى للقيادة السعودية الجديدة، بأن رفض التطرّف الاسلامي والانفتاح الاجتماعي هما صك البراءة والوحيد الذي تحتاجه السعودية والذي بموجبه تستطيع أن تفعل ما تريد، بما فيه التنكيل الفاضح بمعارضيها.

نظرة السعودية الى أولويات الغرب، كما حاولت أن أبيّن، لها ما يبررها في سلوك دول الغرب ذاته. لكن العهد السعودي الجديد أغفل مسألة مهمة اصابت منه مقتلاً في قضية خاشقجي. فهناك تاريخ طويل ومتراكم للسردية السلبية والعدائية نحو السعودية في الغرب، والتي تتضمن بشكل أساسي الربط بينها وبين ظهور الأشكال المختلفة للإسلام المتطرف والمتزمت. وبغض النظر عن صحة هذا الربط أو  درجته، فإن تفكيكه يحتاج الى وقت وجهد أكثر من ذلك الذي أتيح حتى الآن. فما أنجزه الحكم السعودي من الانفتاح الديني والاجتماعي حديث العهد وأقل بكثير مما يكفي للحصول على صك البراءة والتسامح المطلوب.

ختاماً، وفِي ظل الحرب الإعلامية المستعرة بين السعودية وقطر، من الطبيعي أن تحسب مقالتي هذه على مريدي قطر في تلك الحرب. لذا، ودرءاً لذلك مصحوباً بالتصنيف والاتهام، يجدر القول فقط إن سياسات قطر وأهدافها أسوأ وأكثر عبثية من سياسات غريمتها. لكن المجال لا يتسع في هذه العجالة لتبيان هذا الموقف.  

إقرأ أيضاً:

من الذي يجب أن يعتذر من زياد عيتاني؟

الانتخابات اللبنانية.. لماذا القوات؟

إقرأ أيضاً