fbpx

هنا القصة الثالثة

إيمان عادل- صحافية مصرية

إيمان عادل- صحافية مصرية

مقالات الكاتب

مروة قناوي ومعركة الأمعاء الخاوية من أجل حق يوسف

قد يتحوّل الصخب البهيج إلى تراجيديا، والعرس السعيد إلى مأتم كئيب. هذه الثنائيات والمفارقات اختبرها يوسف العربي (13 سنة) عملياً، على رغم صغر سنه وقلبه الطفل، الذي كان عليه أن يخوض تجربة بغاية القسوة. أصيب يوسف العربي برصاصة في رأسه أثناء إطلاق أعيرة نارية في أحد الأعراس، ليبقى في العناية المشددة 12 يوماً، حتى فارق الحياة قبل عامين من الآن قائلاً: “أنا آسف يا ماما والله ما عملت حاجة غلط”.

الغلطة التي لم يرتكبها يوسف العربي وارتكبها آخرون، لم يُعاقبوا عليها حتى هذه اللحظة، فعلى رغم صدور حكم قضائي ضدهم بالسجن 7 سنوات، إنما بقي الحكم صورياً، ولم يتم تنفيذه حتى الآن، بحق اثنين من المتهمين الأساسيين المتورطين في قتل يوسف العربي.

عدم تحرّك النيابة والأجهزة الأمنية للقبض على المتهمين تراه مروة قناوي والدة يوسف العربي مقصوداً، مؤكدة لـ”درج”: “طبعاً لم يتم القبض عليهم بسبب نفوذهم، فأحدهم ضابط شرطة والآخر ابن عضو في البرلمان، والمتهم الثاني، كان والده على قيد الحياة بعد مقتل يوسف وكان يضع كل العراقيل أمام العدالة ليبرئ ابنه، ممّا جعلني أنظم وقفه احتجاجية أمام مجلس الشعب في تشرين الأول/ أكتوبر 2018 بعد وفاة يوسف بـ8 شهور لإحالة أوراق القضية للمحكمة. اليوم مات والد المتهم لكن الأخير ما زال محمياً بمنصب والده وأقاربه”.

ضاقت الدنيا بمروة قناوي، وبان لها أن المناشدات باتت لا تنفع، فقررت إعلان إضراب عن الطعام بداية نيسان/ أبريل، لعل هذه الطريقة تضغط على المعنيين فتأخذ العدالة مجراها، لكن الأجهزة الأمنية لم تتحرك حتى الآن ولم تتلق الأم المفجوعة أي رد من وزير الداخلية.

تقول مروة: “تقدمت نائب بطلب إحاطة للبرلمان بشأن قضية يوسف لكن لا أرى أي تحرك فعلي حقيقي ولا حتى تطمينات، حتى أجهزة الإعلام المحلية لم تهتم بمعركتي في الإضراب عن الطعام للقبض على قتلة ابني ولم يلتفت إلى قضيتي سوى الإعلام الدولي”.

أثناء تواصلنا مع مروة قناوي لكتابة هذا التقرير، قالت إن حالتها الصحية مستقرة، لكن بعد أيام قليلة، علمنا أن وضعها الصحي أصبح على المحك، وكتبت على صفحتها الشخصية في “فيسبوك”: “بدأت أنهك جداً وقوتي بتقل جدا، ولسه مفيش مسؤول في الدولة اهتم ولا حاول يتواصل بيا عارفة طبعاً إننا مجرد أرقام بالنسبة ليهم، لكني براهن على أشخاص عندها ضمير حقيقي تكون مهتمة أنها تحقق العدالة. مراهنة على أن الفساد مش واصل لكل الدواير وأن في أمل ولو بسيط ان لا يزال البعض عندهم ضمير وقد يكون مسؤول كبير أو صغير فهل من مجيب؟”.

يوسف العربي كان مراهقاً واعياً، رأيت له صوراً في اعتصامات وتظاهرات في ثورة يناير، كان يشارك أسرته في التغيير ويظهر في إحدى صوره يجلس بجوار صورة الشهيد مينا دانيال، يوسف العربي لم تصبه رصاصة وهو يشارك في التظاهرات التي كانت تشكل إدراكه وإدراك الآخرين بضرورة التحرك وإيقاظ الوعي الجمعي، بل أصابته رصاصة وهو يلعب في بيئته الآمنة بسبب انعدام الوعي. وتمضي والدته اليوم في طريق تصحيح الوعي الخاطئ الذي أودى بحياة ابنها.

تقول مروة: “الحكم القضائي بالسجن 7 سنوات على المتهمين لم يكن عادلاً، فالجناة متهمون بخمس سنوات بتهمة حيازة سلاح وعامين فقط بتهمة القتل، وكأن من قتلوا ابني دهسوه عن غير قصد بالسيارة”، وطالبت بتغليظ العقوبة على كل من يطلق الرصاص في الأفراح لإشهار العرس.

عادة إطلاق الرصاص في الأفراح كانت منتشرة بشكل كبير في الصعيد والمناطق النائية التي كان يظنها البعض بيئة خصبة لهذه العادة، نتيجة تدني معدلات التعليم أو قلة الوعي. واليوم تنتشر هذه الظاهرة أيضاً في القاهرة وأحيائها المرموقة، ففي منطقة أكتوبر الراقية، لقي يوسف العربي مصرعه، لتضاف قصته إلى قصص الموت المجاني الكثيرة، التي تؤكد أن هذا السلوك الشاذ لا يرتبط بالعادات، بقدر ما يرتبط بقلة الوعي بخطورة هذه العادة بشكل عام.

بدأت مروة حملة “لا لضرب النار في المناسبات”؛ في شباط/ فبراير الماضي، وطبعت كراسات تحمل صورة يوسف، تقول: “أقوم ببيعها وبثمنها أنظم ورشاً توعوية في المدارس والمحافظات، وقمت بجولة توعوية في محافظة الفيوم في مدرسة يوسف العربي التي تحمل اسمه”.

تطمح مروة قناوي أن ينجح إضرابها عن الطعام، ليس في القبض على قتلة ابنها حسب، بل أيضاً في نشر وعي بخطورة استمرار انتشار السلاح المتفلت وإطلاق النيران وفق المزاج، فهذا الأمر يودي بحياة ناس أبرياء. وتأمل بأن يتم تغليظ العقوبة على من يصر على التمسك بعادة إطلاق النار في المناسبات، مبدية إصراراً على الاستمرار في إضرابها عن الطعام، على رغم سوء وضعها الصحي حتى تتمكن من تحقيق أهدافها المشروعة.

 

تسييس الموت والإعدامات وشرعنتها في مصر

 

 

 

إقرأ أيضاً