fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - موقع آسو

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

مرضیة إبراهیمي: وجه لا يُمحى

في أيلول/ سبتمبر عام 2014، دخلت مرضية إبراهيمي (تعمل قابلة في مستشفى) الحديقة بحجابها المعتاد، وإذا بشخص لم تكشَف هويته حتى اليوم، فتح زجاج السيارة ورشّ حمض السولفوريك (acide sulfurique) على وجهها.

كانت مرضية إبراهيمي حينها في الخامسة والعشرين من عمرها، وبناء على التقارير الرسمية، فإنّ ثلاث نساء أخريات تعرضن في اليوم ذاته لهجوم “الأسيد”.

قال مواطنون من أصفهان إنّه وقبل سلسلة اعتداءات الأسيد ورشّه على وجوه النساء، تم البعث برسائل إلى هواتفهم الجوّالة (من مجهولين) قبل نحو أسبوعين وتتضمن: “الوجه الذي لا يلتزم الحجاب جيّداً، سيتعرض للرش بالأسيد”. قبل ذلك أيضاً تم رشّ وجوه بعض النساء، لكن بمواد هي خليط ما بين سوائل التنظيف والقليل من مادة من قبيل الوايتكس، لكنّها تركت آثاراً سطحية على وجوههنّ.

تقول مرضية: “عندما تعرّضتُ لاعتداء رشّ الأسيد، كان ذلك ليلاً، وكان من المفترض أن أذهب مع زوجي إلى المطعم، لأنّ مكان عملي لم يكن في أصفهان، وفي الأسبوع آتي مرة واحدة إلى أصفهان وأرى زوجي. عندما حدث ذلك، اضطربت وقلت لنفسي، لقد امحيت، وقُضي علي، لقد انتهيت؛ ولا أحد سيقبلني كامرأة، ولا أحد سيثق بجمالي وأمومتي. أحسستُ بأنّني صرت ضحيّة، وأكثر ما أوجعني، أنّني أحسستُ بالوحدة، كما لو كنت لا أشبه الناس الآخرين من حولي، حتى أنّ من الممكن أن يتركني زوجي ويطلّقني”.

نكار مسعودي، وهو مصوّر وناشط، كان يتابع أخبار ضحايا اعتداءات الأسيد في أصفهان، قرّر أن يلتقي بهنّ. يقول مسعودي: “اعتقدتُ أنّ من الممكن أن يكون هناك المزيد من ضحايا الحوادث، لأنّه وفي هكذا حالات لا يتم إعطاء إحصاءات دقيقة، ويعتبر الحديث عن هجمات الأسيد بمثابة نقاط سود في حياة هؤلاء الضحايا. من بين الأشخاص الأربعة الذين تعرضوا في الوقت ذاته لهجمات الأسيد، أبدى شخصان فقط استعدادهما للحديث: سهيلة جوركش، التي فقدت بصرها وتتلقى العلاج في أميركا الآن، ومرضية إبراهيمي. حاولتُ كثيراً الوصول إلى مرضية إبراهيمي، وفي يوم من الأيام وجدتُ مقابلة لشقيقها مع صحيفة محليّة في أصفهان، فذهبت لتوي إلى هناك، وبعد مرات عدة من السفر إلى أصفهان حصلت على رقمها.

كانت مرضية تتهرّب من دور الضحية. حيث تقول: “لقد مضى وقت طويل حتى استطعت العودة إلى المجتمع، طالت عزلتي لستّة أو سبعة أشهر، وهذه المدة بالنسبة إلي طويلة كثيراً لأنني كنت نشيطة دوماً. لم أكن أريد أن أكون ضحية، لم أكن أريد أن أكون شخصاً تشوّه وجهه بسبب فقدانه عيناً واحدة، وقضي عليه. كلّ يوم كنت أرى الناس وكنت أحزن للقائهم ونظراتهم وأسئلتهم الشخصية. تمت دعوتي ذات مرة إلى عرس أحد المقرّبين، وعندما يسأل أحدهم (هل ستأتي مرضية؟) أسأل نفسي (لمَ عليّ ألا أذهب؟) وعندما ذهبتُ إلى العرس لم يكن الشعر يغطي نصف رأسي، وكانت عيني مشوّهة، لكنني استطعت أن أذهب. كان الضيوف يبكون عندما يرونني، ليس لتشوّه نصف وجهي، لكن لشدّة إعجابهم بقدرتي وقراري في العودة إلى المجتمع. أثناء العرس قلت في نفسي: مرضية، لم يقضَ عليك، هذا هو الشيء الذي تريدينه. وكرّرت هذه الجملة مراراً وتكراراً”.

عقوبة الهجوم بالأسيد في إيران هي ما بين سنتين حتى عشر سنوات

نكار ومرضية قرّرا العمل معاً لإقرار قانون للحدّ من بيع الأسيد ومنعه، فإيران من بين الدول التي تحدث فيها هجمات متكرّرة بالأسيد، وعدا إيران هناك عدد من الدول الأخرى التي تعاني من قلّة التنمية والفقر الثقافي والتمييز بين الجنسين والعنف ضدّ المرأة، وفي قائمة الدول التي تواجه كارثة هجمات الأسيد: أفغانستان، بنغلادش، كامبوديا، فيتنام وأثيوبيا.

بيع الأسيد وشراؤه، ليسا محدودين وممنوعين في إيران، وفي محلّ بائع الأسيد ناصر خسرو، إنّ سعر الليتر الواحد من الأسيد السولفوريك بنسبة 98 في المئة يباع بخمسة آلاف تومان، وشراء الأسيد متوفّر أيضاً على الانترنت، وبإمكان المشتري تسلّم الأسيد في منزله أيضاً. في البلدان التي صادقت على قانون الحدّ من الأسيد ومنع بيعه، انخفضت هجمات الأسيد بشكل كبير.

من ناحية أخرى، فإنّ عقوبة الهجوم بالأسيد في إيران هي ما بين سنتين حتى عشر سنوات، قد تتضمّن وتشمل تخفيضاً، وهناك القصاص، وطبعاً فإنّ قانون القصاص في هجوم الأسيد كأحد العقوبات برأي نكار مسعودي يولّد العنف، حيث يتحوّل الضحية من مُعتدَى عليه بالأسيد إلى معتدي.

“كل من يراني يقول لي: مرضية لا تزالين جميلة، لا تزالين. هذا مرتبط بالسنة الأولى من الحادثة. فكرت: لماذا يظنون أنني لا أنظر إلى نفسي وأراها في المرآة؟ أحسست أنّهم يرأفون بي، لكن رويداً رويداً تعلّمت أنّ علي أن أغيّر نظرتي إلى نفسي، نعم نصف وجهي مشوّه، لكنني قلت في لنفسي، مرضية أنتِ نفسكِ جميلة. الآن أفكّر أنّ جاذبية وجهي بعد الأسيد توازي ما قبلها بآلاف المرات.

نكار ومرضية راجعا نسرين ستوده لإعداد (مسودة قانون بشأن الحدّ ومنع بيع الأسيد)، لكن المسودة التي أعدّاها لم يقرّها فراكسيون النساء (كتلة النساء) في مجلس الشورى الإسلامي، وكان جواب كتلة النساء هو أنّ فريقاً من قانونيي المجلس سيكتب المسودة. يقول نكار: “كانت مرضية طيلة هذه المدة تتنقل بين أصفهان وطهران، ومع المشكلات التي اعترضتها خلال عملية العلاج، أصرّت على أنها يجب أن تفعل شيئاً لأجل النساء الأخريات اللاتي سيصبحن ضحايا عاجلاً أم آجلاً. وتخلّفت وتأخرت وبشكل متكرر عن مواعيد الطبيب والمستشفى مرات كثيرة، من أجل متابعة المسودة وتقديمها لكتلة النساء في المجلس”.

في هذه الفترة كان نكار يقوم بتصوير حياة مرضية، عُرضت صوره في النهاية بمعرض في حزيران/ يونيو 2018 في (بيت الفنانين) بطهران، وقد لاقى المعرض الكثير من الاهتمام، واستطاع نكار مسعودي بالتعاون مع مرضية إبراهيمي، من لفت الانتباه مرة أخرى إلى ضحايا هجمات الأسيد والتذكير بهنّ، وقال مسعودي: كان مهماً كثيراً حضور مرضية معرض صورها. لم يكن المعرض لعرض الصور فقط، بل كان فنّ أداء Performance Art ، بحضور مرضية، التي كانت تندمج في المجتمع بطريقة ما، وقدّمت مرضية في هذه الصور تعريفاً أصيلاً للجمال؛ جمال لم يكن متعارفاً عليه، يقول الناس لمرضية إنها ما زلت جميلة، في حين قامت مرضية وبنوع من المواجهة بتقديم مفهومها الذاتي للجمال”.

تقول مرضية: “كل من يراني يقول لي: مرضية لا تزالين جميلة، لا تزالين. هذا مرتبط بالسنة الأولى من الحادثة. فكرت: لماذا يظنون أنني لا أنظر إلى نفسي وأراها في المرآة؟ أحسست أنّهم يرأفون بي، لكن رويداً رويداً تعلّمت أنّ علي أن أغيّر نظرتي إلى نفسي، نعم نصف وجهي مشوّه، لكنني قلت في لنفسي، مرضية أنتِ نفسكِ جميلة. الآن أفكّر أنّ جاذبية وجهي بعد الأسيد توازي ما قبلها بآلاف المرات. تبدّلت نظرة الناس، فأحيانا أقرأ التعليقات في وسائل التواصل وإذ بأحدهم يكتب: كم وجهكِ مقزز، لكن هذه هي النظرة سطحية. أنا الآن أمتلك نصف وجه، أراقب نصف وجهي المخدوش والمشوّه، وأستمتع بنصف وجهي السليم، أنا أستطيع تغيير نظرة الناس. هم قبلوا بأنّ أي شخص قد يتأثر بالحادثة ويشعر بالمعاناة، لكن هذا النقص لا ينبغي أن يقضي عليه في المجتمع والحياة”.

مرضية الآن عادت إلى العمل، لم تتحطّم. الآن يعمل نكار مسعودي على فيلم عن حياتها: امرأة كانت ضحية عنف واضح ومباشر، لكنّها رفضت أن تظلّ ضحية، وعملت كناشطة للمصادقة على (قانون منع بيع الأسيد)، وهي امرأة قدّمت تعريفاً للجمال ليس من السهل على المجتمع الإيراني فهمه.

 

*غزل صدر: فنانة ومصوّرة فوتوغرافية، مقيمة في النمسا، ومجازة من جامعة طهران للفنون.

هذا الموضوع مترجم عن موقع آسو وترجمه عن الفارسية عباس علي موسى

 

إقرأ أيضاً