fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

“مراهقو” ورشة البحرين

بخمسين مليار دولار يريد جاريد كوشنير أن يحل أزمة الشرق الأوسط، وأن يستأنف زمناً جديداً فيه. يريد أن يقيم دولة فلسطينية وأن يدفع تعويضات للدول التي تستضيف اللاجئين الفلسطينيين، وأن يُنشىء مشاريع اقتصادية يستبدل فيها سكان الشرق الأوسط الحروب بالازدهار الاقتصادي. 

“كم يبدو الثمن زهيداً”. هذه العبارة يمكن لاقتصاديين وسياسيين لطالما احتقروا أصحاب العبارة الأصليين، أن يجيبوا فيها على هذا العرض السخيف. وكوشنير الذي لن يدفع من خزانته فلساً في هذه المناقصة المختلة وغير العادلة، بلغ من المراهقة والجهل عبر إيمانه فيها مستوىً فاق جهله بمعظم الملفات التي أوكلها إليه عمه. وهو اذ يتوجه اليوم إلى المنامة لإطلاق ورشة مشروعه محاطاً بحلفاء عرب، يجهل حقيقة أن أهل البيت الذين يقاطعون ورشته، انما فعلوا ذلك لأن مشاركتهم فيها انتحار، وأن “صفقة القرن” وهمٌ لا يؤمن به سوى أقرانه من المراهقين الجدد، وأن عدوه الأول في الإقليم قاسم سليماني يقهقه فرحاً بانتصار جديد.

خمسون مليار دولار ثمن دولة فلسطينية مخترقة بمساحات استيطانية هائلة من دون القدس. وثمن توطين نحو خمسة ملايين فلسطيني في الأردن، وثمن توطين ٤٠٠ ألف فلسطيني في لبنان، ومثلهم في سوريا. ومن هذا المبلغ سيعوض على  الأردن بدل السيادة على المسجد الأقصى، وعلى سوريا ثمن الجولان. ومنهم أيضاً سيمول مشروع الجسر الهائل الذي سيربط الضفة الغربية بغزة، وستدفع تعويضات اللاجئين إلى القطاع. المبلغ يفوق بقليل نصف ديون لبنان، وأقل من 10 في المئة من كلفة إعادة إعمار سوريا، ولا يساوي شيئاً للأردن اذا ما قرر الأخير توطين خمسة ملايين لاجئ. أما فلسطين فلن ينالها من حصتها شيئ إذا ما طمح رجل مثل محمد الدحلان في أن يكون النافذة الفلسطينية للقبول بالصفقة.

على الإدارة الأميركية أن تُحضر المحاسب الذي أعد هذه الموازنة وأن تحاكمه. أما دول الخليج، والتي يعول عليها صهر الرئيس في تمويل هذه الصفقة، فسريعاً ما ستكتشف أنها باعت كل شيء لقاء ضربة عسكرية لطهران، والنتيجة مزيد من الإفلاس، وإتاحة فرصة هائلة لطهران في أن تتصدر المنطقة. فاختلال العدالة الذي تنطوي عليه الصفقة الفاشلة، سيكون فرصة لدولة الولي الفقيه لتصوير المواجهة التي تخوضها بصفتها مواجهة لصفقة القرن.

أي عقل وراء هذا الهراء. في اللحظة التي تشتعل فيها المواجهة مع طهران في الخليج واليمن ولبنان وسوريا، يقرر أصحاب هذا العقل تقديم هدية ثمينة لعدوهم. فطهران اليوم تخوض معركة الحق الفلسطيني، وهو حق يخاطب وجدان المجتمعات العربية برمتها. وفي الوقت الذي تقارب فيه دول الخليج حافة الإفلاس، تقرر الإدارة الأميركية أن تدفعها إلى بؤرة إنفاق تبدد عبرها مزيداً من الثروات، وتؤسس لاختلال من الصعب رأبه. الحرب في اليمن باب إنفاق لن يقفل قريباً، والحاجة إلى شبكات دفاع جديدة داخل دول الخليج حاجة تعززها الهجمات الإيرانية المستجدة، واليوم على الخليج أن يمول مشروع كوشنير- نتانياهو في المشرق.  

 

أي عقل وراء هذا الهراء. في اللحظة التي تشتعل فيها المواجهة مع طهران في الخليج واليمن ولبنان وسوريا، يقرر أصحاب هذا العقل تقديم هدية ثمينة لـ”عدوهم”. فطهران اليوم تخوض معركة الحق الفلسطيني، وهو حق يخاطب وجدان المجتمعات العربية برمتها. وفي الوقت الذي تقارب فيه دول الخليج حافة الإفلاس، تقرر الإدارة الأميركية أن تدفعها إلى بؤرة إنفاق تبدد عبرها مزيداً من الثروات، وتؤسس لاختلال من الصعب رأبه.

 

الصفقة فرصة هائلة لطهران لتستعيد موقعاً خسرته في وجدان الجماعات السنية العربية، بعد الانقسام المذهبي الذي تعاظم في السنوات الأخيرة. فطهران ستكون رأس حربة مواجهة الـ”ديل”، والأخيرة ستكون سبيل نجاتها في حال باشر أصحاب الصفقة خطوات عملية لتنفيذها. 

“الصفقة” كاشفة لمدى جهل زعامات الخليج الجدد بمعطيات الواقع الذي يتحركون فيه. المغامرة كبيرة، ولن يسلم أحد من نتائجها. لقد غامر هؤلاء بمستقبل الأردن، وبالعلاقة مع الفلسطينيين، وبعلاقتهم مع سنّة لبنان وسنّة العراق، وانسحبوا من سوريا، كل هذا لقاء ضربة لن تتم لطهران. وهم اليوم إذ يغدقون وعوداً لانتزاع قبول فلسطيني لن يتحقق  بالصفقة، عجزوا بما لهم من نفوذ عن دفع الأردن للمشاركة في ورشة المنامة بأكثر من مساعدٍ لوزير المالية، وعجزوا أيضاً عن دفع رئيس الحكومة اللبنانية على المشاركة. وهذا كله مقرونٌ بحقيقة أن الوعود بالإنفاق ستبقى حبراً على ورق، طالما أن خزائنهم مشرعة لحروب اليمن وما يوازيها من احتمالات حروب مع طهران.

الثمن زهيد فعلاً، ناهيك عن أنه وهمي وغير واقعي. نجوم ورشة البحرين مراهقون ويتحركون في واقع لا يعرفون منه شيئاً. مستشاروهم غير مقتنعين، ويخافون من أن يعبروا لهم عن مخاوفهم. المشهد بالغ الوضوح لمن يريد أن يرى. “صفقة القرن” بالإضافة إلى اختلال العدالة الهائل الذي تنطوي عليه، غير واقعية وغير قابلة للحياة. حتى الخائفون منها، لا يشعرون بأن مواجهتها ستكون مهمة صعبة، ذاك أن عدم قابليتها للتنفيذ جلية وواضحة. 

يبقى أن توقيتها في لحظة المواجهة مع طهران ستوفر للأخيرة فرصة كبيرة لتعديل ميزان المواجهة، لا سيما في ظل إدارة أميركية لا تقيم وزناً لحسابات حلفائها، ويبدو أنها لن تسعفهم في مواجهة انتقال طهران إلى موقع المبادرة في الهجوم.

“صفقة القرن” المولودة ميتة

 

إقرأ أيضاً