fbpx

هنا القصة الثالثة

لؤي شبانة

لؤي شبانة

مقالات الكاتب

مراجعة للمرأة والعدالة في القانون وكل يوم

لؤي شبانةيصادف العاشر من كانون الأول/ ديسمبر اليوم العالمي لحقوق الإنسان، حينها تصدر المنظمات العاملة في المجالين الحقوقي والتنموي بيانات وتنظم فعاليات لتأكيد أهمية المساواة والعدالة الاجتماعية، ومركزية الحقوق الأساسية في أي عملية تسعى إلى التقدم. وها نحن مرة أخرى على مشارف طي سنة كانت مملوءة بالأحداث في المنطقة العربية، ونحضر أنفسنا للاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان، فنخرج من الجعبة نداءات نرددها كل سنة حتى باتت كتلك الصرخات التي يطلقها أحدهم من على أعلى قمة في الجبل، وتتناقلها الرياح من واد إلى واد.

لننظر إلى المنطقة العربية، حيث يطلق اليوم صندوق الأمم المتحدة للسكان بالتعاون مع اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي دراسة عدالة النوع الاجتماعي والقانون، وهي دراسة مقارنة حول القوانين المُتاحة لإحراز المساواة بين الجنسين في 18 بلداً. تنظر الدراسة إلى مدى قدرة القوانين المنصوصة على فرض مساواة بين الرجال والنساء، وتنظر في دور التشريعات ذاتها في إعاقة تلك المساواة. تعتمد المقارنة على مراجعة التدابير الدستورية والقوانين الجنائية وقوانين الأحوال الشخصية وقانون منح الجنسية وقوانين العمل، وأيضاً التدابير المعنية بمناهضة العنف ضد المرأة.

وعلى رغم احتواء عدد لا بأس به من القوانين على تدابير قد تعزز من المساواة بين الرجل والمرأة، لا سيما ضمن قوانين العمل، إلا أن التمييز ما زال واضحاً في الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية على وجه التحديد، إذ لا تحتوي قوانين البلاد المشمولة بالدراسة، أي تدابير تنصف المرأة في مواضيع الزواج والطلاق والحضانة والإرث وما إلى ذلك من الأمور التي قد تؤثر بشكل كبير في قدرة النساء على اتخاذ قرارات في حياتهن الخاصة. العوائق طبعاً جلها ثقافي ديني اجتماعي، يصعب جداً اختراقها حتى في أكثر البلاد تقدمية في الحياة المدنية. وبالمناسبة، التقدمية بالمعنى السياسي في الأحوال الشخصية تعني الاستناد إلى الإطار الدولي لحقوق الإنسان بدل الاستناد إلى الأعراف الاجتماعية والثقافية وإلى الأطر الدينية، وهو موضوع شديد الحساسية خصوصاً في البلاد متعددة الديانات والعرقيات.

ما هو تأثير عدم المساواة في القانون كما أظهرته الدراسة المقارنة على الحياة اليومية للنساء والبنات؟ التأثير الأول والمباشر هو ترسيخ العادات الضارة بالنساء، وذلك بسبب ضعف الإطار القانوني بحقهن، فتفضل إحداهن الاستمرار في علاقة زوجية مؤذية حتى لا يسحب منها القانون حقها في تربية أولادها، أو قد تشجع أسرة ابنتها على الزواج من شخص اعتدى عليها درءاً لل”فضيحة”، وكطريقة لتبرئة المعتدي، خصوصاً إن مارس هذا الأخير ضغطاً على العائلة.

أفضت الدراسة إلى أن الجريمة تسقط عن المغتصب إن تزوج ضحيته في 3 بلدان عربية، وكأن الموضوع متعلق بتبرئة الجاني وليس بأثر الجريمة على المجني عليها. الأمثلة كثيرة ونتائج الدراسة المقارنة متوفرة للعموم، فلا داعي للخوض هنا في التفاصيل، نكتفي بذكر استمرار زواج طفلات دون سن الـ18 وتشويه أعضاء الإناث التناسلية، في ما يُعرف بالختان، وما يسمّى جرائم الشرف، في الكثير من بلدان المنطقة العربية، ما يؤثر سلباً في تعليمهن وصحتهن، من دون رادع قانوني.

لننظر إلى الإمكانات التي استثمرتها دول المنطقة في تحسين الاقتصاد والنهوض به بغية تهيئة ظروف أفضل للشعوب، حتى وإن طغت على الاستثمار الاقتصادي الاستثمارات المهولة في مجالي الدفاع والأمن في المنطقة العربية. إلا أن مستوى عدم الرضا عند شريحة كبيرة من الشعوب العربية، خصوصاً الفئات الشبابية منها، يظهر عند كل استطلاع للرأي، ويقدم مادة للنقاش حول ارتباط عدم الرضا بمخاطر الانفلات الأمني، وهو ما قد يبرر استثمار الدول في مجال الأمن.

لكن ماذا لو عكسنا النقاش، فبدأنا من سن وتفعيل قوانين ترتكز إلى مبادئ المساواة بين جميع المواطنين، الرجال والنساء، وتعتمد على الاستثمار في الموارد البشرية فترفع مستوى التعليم والخدمات الصحية، وتؤمن بيئة خالية من العنف ضد النساء خصوصاً، وماذا لو فرضت القوانين معايير صارمة تنطبق على الجميع، بشكل قلت فيه المحسوبيات وتوفرت فرص المنافسة؟ هل كان سيجيب معظم الفئات الشبابية بـ”لا” حين يسألون عن مستوى رضاهم عن أداء حكوماتهم؟ هل تراهم سيركبون زوارق الموت بحثاً عن حياة أفضل إن لم يبتلعهم البحر؟

توصي معظم الدراسات الاقتصادية، خصوصاً تلك التي تنظر إلى نتائج العمل التنموي، بالعودة إلى جذور المشكلات بغية حلها، بدلاً من اللجوء إلى عمليات ترقيع لا تحل بالضرورة مسائل جوهرية. في جذر المسألة تمييز ضد النساء والبنات في كل القوانين في المنطقة، ما يضعهن حكماً في مرتبة متأخرة عن أقرانهن من الرجال. أما التي تخترق التمييز وتبرز في مجالها فإنها تظهر وكأنها استثناء، بينما الموضوع أبسط من ذلك بكثير: إن أعطيت البنت الفرص التي تعطى للصبي منذ الصغر، وإن عوملت وهي امرأة كما يعامل الرجل، فإنهما، أي الرجل والمرأة، الصبي والبنت، سيدخلان في منافسة وتكامل على أسس سليمة. أما في الوضع الحالي، حيث لا القوانين ولا الثقافات المجتمعية تضع الفتاة والمرأة في خانة البداية أسوة بنظيرها الصبي أو الرجل، فالمقارنة بينهما غير عادلة.

في اليوم العالمي لحقوق الإنسان، لنراجع بصدق قدرة المرأة على اختيار ما يناسبها، بدءاً من الدراسة فالزواج فالإنجاب فالعمل، ولنراجع تمسك كثيرين في المنطقة بأعراف تعيق تقدم المرأة: كم من هذا التمسك يُبنى على الذكورية قبل أي شيء آخر؟ لا داعي للجواب فوراً، دعونا نفكر ثم نبدأ النقاش في السنة الجديدة، لعلنا نصل إلى اليوم العالمي لحقوق الإنسان في 2019، بعد سنة من اليوم، مع اقتراحات عملية تراعي الأعراف وتعزز من قدرة المرأة على تحقيق ذاتها. أنا من جهتي، سوف أفكر كثيراً بما قالته ابنتي ذات الـ16 ربيعاً حين سألتها عن رأيها في عوائق قد تحد من تطورها، فعبرت بكلماتها: “أنا لست أنا بل ما يرى الآخرون أنني يجب أن أكون. أنا كشابة في مجتمع عربي محاصرة بقالب محدد للبنت، فهناك طريقة محددة عن كيف يجب أن أتكلم وألبس ومتى أخرج ومع من. هناك قيود لا حصر لها وأنا كبنت أجاهد كي أجد فرصة لأتصرف على طبيعتي من دون الخوف من اللوم أو التنبيه”.

 

*لؤي شبانه هو مدير صندوق الأمم المتحدة للسكان في المنطقة العربية

إقرأ أيضاً