fbpx

هنا القصة الثالثة

باسكال صوما - صحافية لبنانية

باسكال صوما - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

محادثة مع جان بول ومع الحرب وناسها

سألتُ جان بول (12 سنة) عما يعرفه عن الحرب الأهلية اللبنانية. فأخبرني أنه لا يعرف سوى أنها وقعت بين الطوائف. وأضاف: “في المدرسة تعلّمنا عن الحروب الصليبية وأيضاً العربية، ولاحقاً سندرس الحربين العالميتين، لكننا لم نصل بعد إلى لبنان”. كان جان بول متأكداً من كلامه، غير القابل للنقاش. لكنني أخبرته أن ذلك ربما لن يحدث، لأنّ الأطراف الذين شنوا الحرب، لم يتفقوا على التاريخ بعد، لإدراجه في المناهج التعليمية.

من الصعب أن تشرح للأطفال بنية بلاد كلبنان، وكيف تحدث الأشياء، ومن يقرّر أن تكون على هذا النحو. أخبرني جان بول أنه معجب بالفكر الشيوعي، “المبني على المساواة والعدالة”. ثم استدرك قائلاً: “بس بحب سمير جعجع”. وحين سألته عن السبب، قال ضاحكاً: “الشباب (أخوته الكبار) بيحبوه”. وصرنا نضحك. لكنني فكرت أنني مثله، أحببت ناساً وأشياء بفعل الوراثة. ويبدو التخلّص من هذا النوع من الحب صعباً للغاية.

أخبرني غابي جمّال وهو محارب سابق في جلسة دردشة أنه كان في الثانية عشرة حين دخل الحرب، أي في سن جان بول الآن. “تدربت على الحرب منذ عام 1974. كان الجميع حاضراً ويصلي حتى تأتي الحرب. كان الحل واحداً، إما نحن أو هم. كان كل طرف يحضّر لإلغاء الآخر”.

ويضيف: “عالم الكبار بين أبي وأصدقائه من جهة وأساتذة المدرسة من جهة أخرى، كان عالماً لا يدعو سوى إلى المشاركة في الحرب. فشعرت بأنّ لدي مهمة وأنني رجل ولست طفلاً. وهكذا رحت أتنقل بين المنظمات والمجموعات اليسارية، بعدما شاركت في التدريبات العسكرية قبل الحرب”.

سألت جان بول إن كان مستعداً للمشاركة في الحرب إذا وقعت الآن، فقال: “إذا كان دفاعاً عن المسيحيين، ربما أفعلها. إنهم يقتلوننا في نيجيريا”. سكت قليلاً، ثم أضاف: “بس إجمالاً لاء”.

ثم استغل المناسبة، ليسألني عن كتاب علي أبو الدهن (معتقل سابق في السجون السورية، روى حكايات التعذيب في كتاب “عائد من جهنم ذكريات من تدمر وأخواته”). قال: أريد أن أقرأه، بشرفك. وأكد لي أنه “لم يعد صغيراً وبوسعه أن يقرأ في السياسة”.

حين قرأت علي أبو الدهن كرهت النظام السوري أكثر، خلق فيّ ذاك الكتاب شيئاً يشبه العاصفة، وصرت كلما جلست مع عائلتي، أفتح السيرة. العائلة كلها انشغلت بالكتاب. وأراد جان بول من يومها أن يقرأه، لكنني خفت عليه من هول الفظائع. ربما مارست عليه رهاب التجاهل ذاته الذي مورس علي، من قبيل عدم التحدث عن الحرب وما حولها. ربما استفاد زعماء الحرب من هذا الرهاب الذي مورس علينا نحن جيل ما بعد الحرب، والذي نمارسه ربما اليوم على من هم أصغر سناً. ربما استثمروا بقلة فهمنا وما زالوا يحصدون، وقد يستمرون في ذلك.

يحدّثني غابي جمال عن “غياب ثقافة عدم تجنيد الأطفال أيام الحرب الأهلية”. أقاطعه: “وحتى هلق”. (آلاف الأطفال جندوا في “داعش” وفي التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق، إضافة إلى تجنيد الأطفال والنساء والاعتداد بذلك في صفوف الحوثيين). وها هو جان بول وربما أترابه من مختلف الملل والاتجاهات، قد يكونون على استعداد للوقوف خلف المتاريس، من أجل المسيحيين أو المسلمين، أو أي شيء!

“كثيرون يظنون أن الحرب الوحيدة التي حصلت هي الحرب مع إسرائيل
وهذا أمر غير صحي”

الأولاد لا يعرفون شيئاً!

تقول أستاذة التاريخ سناء الحاموش لـ”درج” إن “طلابها يسألونها دائماً عن الحرب الأهلية، ومعظمهم لا يعرفون أي شيء. حتى أن الأطفال في الصفوف الأساسية والتكميلية لا يعلمون أن هناك حرباً وقعت”. تردف: “عندهم ألف سؤال. أحاول أن أكون حيادية، لكنني لا أتوغل كثيراً في التفاصيل”، مشيرة إلى أن “كثيرين يظنون أن الحرب الوحيدة التي حصلت هي الحرب مع إسرائيل. وهذا أمر غير صحي”.

في مبادرة خاصة، تحاول “الهيئة اللبنانية للتاريخ” إدخال الحرب إلى الصفوف المدرسية، علماً أن لا اتفاق حتى الآن على توثيق الحرب اللبناية وإدخالها في المناهج التعليمية الرسمية.

توضح رئيسة الهيئة نايلة حمادة لـ”درج” أن “المشروع يدرّب المعلمين، لتطوير مادة تعليمية، تحفز الحس النقدي عند الطلاب، بحيث نقدم مجموعة مصادر عن أسباب الحرب مثلاً، من مناظير متعددة ونترك للطلاب حق التحليل والنقاش. فهناك مؤرخون شددوا على الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، ومنهم من ركز على النظام السياسي الذي كان مجحفاً بحق فئات معينة. وهناك من تطرق إلى الوجود الفلسطيني المسلح، وآخرون ركزوا على البعد الإقليمي والدولي وغير ذلك”. تتابع حمادة: “نقدم كل ذلك للطلاب حتى يقرأوا ويحللوا”.

تقول: “ننطلق من فكرة أن ليس هناك شيء منزل”، مؤكدة أهمية المبادرة، لأننا اليوم في حالة احتقان تشبه ما سبق الحرب، نحن بحاجة لمقاربة عقلانية وهادئة، إضافةً إلى الأهمية التاريخية للموضوع”.

وتوافق حاموش في فكرة أن “تلاميذ كثراً ما معن خبر الحرب ولا أسبابها ولا فظائعها، لذلك نعطيهم فرصة للاكتشاف”. تقول حمادة: “تم تصميم 4 دروس تعطى عادة في الصفوف الثانوية في المدارس وكان التفاعل مشجعاً من المعلمين والطلاب. وأجرينا مشروعين طلابيين أجرى خلالهما الطلاب بحوثاً عن الحرب على طريقتهم”.

في ذكرى الحرب الأهلية أي في 13 نيسان/ أبريل تنظم الهيئة معرضاً للطلاب في الجامعة الاميركية لثانويات رسمية، حول جمع التاريخ الشفهي المحلي.

لماذا؟

سألني جان بول في نهاية حديثنا: “ليش كل هالأسئلة؟”. أخبرته أنني أكتب تحقيقاً عن الحرب، فكرر السؤال: “إي بس ليش كل هالأسئلة؟ أنا شو خصني؟”. كلنا خصّنا يا حبيبي يا جان بول وعلينا جميعاً أن نطرح الأسئلة، حتى لا تعود الحرب وحتى لا نندم عليها.

في جلسة ما، سألت زملاء إن كانوا يظنون أن الحرب قد تعود، وإن كان جيل اليوم مستعداً للمشاركة في المعارك، قالت صديقتنا: “ما إلن جلادة”. لكنني أشك في الأمر…

أشياء كثيرة أثبتت لي تفاهة الحرب ودوافعها، التي شجعنا والدي على دخولها أنا وإخوتي. وربما سقطنا ضحية ذاك التشجيع

غابي جمال… هذه قصتي 

“جابر، رافقني هذا الاسم طيلة سنوات القتال. كان اسم “غابي” واحداً من التهم الطائفية التي كان علي أن أتحاشاها، لأنني كنت المسيحي الذي يقاتل في جبهات اليسار، وابن الأشرفية الذي شارك في قصفها. كان اسم جابر قادراً على احتواء هذه التناقضات، أكثر من غابي بطبيعة الحال، الذي هو اسم قديس.

هذا الصبي الذي أصبح جابراً، خسر مراهقته، ولم يحظَ ببنيان نفسي متوازن. البدلة العسكرية والكلاشنيكوف كانا أداتا جذب للفتيات في وقتها، وأداتا دمار لما تبقى من العمر.

ذات مرة، في واحدة من جولات القتال، كانت إحدى الفتيات تحضر الطعام الساخن للمقاتلين. وصودف وصولها مع اندلاع القصف، فاضطرت إلى البقاء معي خلف المتراس من كثرة الخوف. فكان أن مارسنا الجنس تحت القصف. هكذا ربما تولد الحياة من الموت.

لم تكن حرباً، إنما حروباً إقليمية وربما عالمية، وكنا ساحتها ويدها.

أشياء كثيرة أثبتت لي تفاهة الحرب ودوافعها، التي شجعنا والدي على دخولها أنا وإخوتي. وربما سقطنا ضحية ذاك التشجيع.

في واحدة من الجولات التي كنت فيها أشارك في قصف الأشرفية، حين عدت إلى بيتنا أدركت أنه احترق، بسبب صاروخ أتى من الجبهة التي كنت فيها. الحرب ماح ثقيل!

قرر أبي الذي “دفشني إلى الحرب” أن نهاجر، لكن دخول النفق، ليس كما الخروج منه. كان صعباً علي أن أكسر عنادي. اختفيت ليلة السفر. وخسرت عائلتي. أبي وأمي كانا مطلقين، أمي كانت في الشرقية وابي كان انتقل إلى الغربية ثم سافر. لم أستطع أن أرى أمي على مدى سنوات، وأبي وأخوتي ما زالوا إلى اليوم في النمسا. أصبحت حياتي هي البندقية وزملاء الحرب. لم أستطع أن أتابع تعليمي كما يجب. أنهيت المرحلة الثانوية بصعوبة، حتى أنني في إحدى دورات الامتحانات الرسمية كنت مخطوفاً.

خطفت 9 مرات، مرة لأنني يساري، ومرة لأنني قلت شيئاً لم يعجب أحدهم، وأكثر من مرة لأنني مسيحي. كانت القلوب محقونة بالحقد. وفي المرات كلها، كنت مرشحاً للموت، كان الموت قريباً جداً. لكنه لم يأخذني لسبب ما.

الحرب طرحت في رأسي ألف سؤال. زمن القتال، هو زمن أسئلة أيضاً. كنت أريد حرباً تجلب لنا السعادة، لكن الحرب لا تجلب سوى التعاسات والوجع.

كنا صغاراً وكنا نظن الحرب لعبة. كنا بدل أن نهرب من وجه القناص، نتمشى أمامه، كنا نتسلل من منطقة إلى أخرى من أجل زجاجة نبيذ. لم نكن نخاف. كنا نلعب!

ثم انتهت الحرب، وقالوا لنا “يلا يا شاطرين” اذهبوا إلى حياتكم المدنية، أحاول الآن أن أبني صلحاً مع نفسي، قبل الآخرين. إنها مهمة صعبة. إنها حرب!

 

أطفال “الكلل” الذين أصبحوا مقاتلين… عن ماري التي أنهت الحرب الأهلية!

 

إقرأ أيضاً