fbpx

هنا القصة الثالثة

باسكال صوما - صحافية لبنانية

باسكال صوما - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

محادثاتي مع رامي

أخبرني رامي كل ما أريد معرفته عن الحياة تقريباً. يحدث أن تخرج الحكمة من أفواه الصغار. أدمنت محادثاتنا، أدمنت غنجه واحتيالاته حين يريدنا أن نثرثر فقط، خارج قيد الدرس.

مرّة، قرأ نصاً بديعاً عن واجبات الأم وواجبات الأب، وقيل فيه إن على الأم تنظيف المنزل وتحضير الطعام، فيما على الأب أن يعمل ويعود محمّلاً بأكياس الفاكهة والأطايب. سألني إن كان مضطراً إلى قراءة الأكاذيب، وأكمل شارحاً أنّ أمه هي آخر من يعود إلى البيت، بسبب عملها. وأضاف: “مس (miss) أبي يجلي وطبخه أفضل من طبخها”، ثم أخفض صوته الماكر: “مس طبخ أمي لا يؤكل”.

في مرّة أخرى سألني إن كنت ذهبت إلى المدرسة، وحين أجبته، ضحك كمن لا يصدّق ما يسمع: “وماذا استفدتِ؟”. أربكني سؤاله وبدأت أخبره عن أهمية الدراسة والثقافة وأن الإنسان يحتاج أن يعيش هذه المرحلة حتى ينطلق في حياته. لكنني بطبيعة الحال لم أقنعه، وقال إنني ربما أكذب حتى أدفعه إلى إكمال دروسه. ربما معه حق.

يعاني رامي من بعض المشكلات في النظر والنطق، وتعذّبه دروس القراءة الطويلة، التي تكاد لا تنتهي. حين يتعب، يقرر أن يتوقف، ولا يهمّه أبداً ماذا سيكون ردّ فعلي. يعيش وفق مزاجه، لا يترك الحياة تجرّه إليها. يحمل ضحكة ساخرة إلى كل مكان. مفكّرته المدرسية مملوءة بالملاحظات باللغات الثلاث، العربية والفرنسية والإنكليزية، مفادها أن رامي لا ينتبه في الصف وأنه غير جدي ويلهو طوال الوقت. مرة قررت أن أوبّخه: “ما هذا يا فتى، علامَ كل هذه الملاحظات؟”. ضحك ضحكةً أبدية، ثم قال: “مس أنا أحب أن ألعب وهم يريدونني أن أدرس”. أكدت له أن هذا كلامٌ غير منطقيّ، وأعطيته عظةً من عظاتي. سمعني حتى أنهيت كلامي كلّه، ثم قال: “مس أنت تحبين الدرس، أدرسي ودعيني ألعب”. وأردف: “لماذا عليّ أن أفعل ما لا أريده؟”. طوال طريق العودة وأنا أستعيد كم الأشياء التي فعلتها رغماً عني، وكم الأشياء التي أردتها ولم أقاتل من أجلها. وبكيت كثيراً.  

 

أكره المعلّمات، كلّهنّ”. ثم كرر: “كلّهنّ”. سألته عن السبب، وأوضح أنّ المعلّمات لا يسمعننا حين نخبرهنّ بأننا متعبون. وأضاف: “أنا متعب يا مس. لماذا لا يفهم أحدٌ ذلك؟”

 

“هل يظنون أن ليس لدي سوى الدرس لأفعله؟”، ثم أكمل: “هذه ليست مدرسة، هؤلاء زمرة من الأشرار. أنظري لم تسع الدروس على صفحة المفكّرة. لن أنهي قبل الساعة… مئة”. وأخبرني بعدها أنه لن يدرس أي شيء “نكاية فيهم”. أوضحت له أن هذا لا يجوز، وربما سيُعطى قصاصات إذا ذهب إلى المدرسة من دون أن ينهي فروضه، لكنه بدا غير مهتمٍّ سوى باللعب. ودعاني بعدها لألعب معه “إذا بدِّك مس”.

سألني ذات عصرٍ: “عنجد أنت معلّمة؟”. أجبته بأنني لست معلمة، لكنني أحب الأطفال لذلك أعطي بعض الدروس. “الحمد لله، لأنني أكره المعلّمات، كلّهنّ”. ثم كرر: “كلّهنّ”. سألته عن السبب، وأوضح أنّ المعلّمات لا يسمعننا حين نخبرهنّ بأننا متعبون. وأضاف: “أنا متعب يا مس. لماذا لا يفهم أحدٌ ذلك؟”. كدت أبكي. تذكّرت كم أنني متعبة، ولا يحدث أن أعترف سوى نادراً. رامي أقوى مني بكثير. ليس سهلاً أن يعترف الواحد بأنه مرهق ويقول: “كفى!”. يملك رامي تلك القدرة العجيبة الخارقة على قول “كفى”، ويستطيع ساعة يشاء أن يغلق كتبه ويرسم على قفاها سيارة أو وردة أو أي شيء.

يأكل رامي أقلامه وأغطيتها انتقاماً، يفتتها، حتى تصبح غير صالحة. مقلمته مملوءة ببقع الحبر الفائر من الأقلام التي دمرتها أسنانه. مرة قال: “أريد أن آكل كل الأقلام”. وسألته مازحةً: “ألم يطبخ والدك اليوم؟”. سكت ثم همس لي: “أكل الأقلام أطيب”.

دائماً يستغرب من قصر قامتي، ويؤكد أنه سيصبح أطول مني، وسألني مرّة عن سني، ولم يصدّق أنني سأبلغ سنتي الثامنة عشرة قريباً. واعتبر مجدداً أنني كذوبة. قال: “أنت صغيرة يا مس”. ربما معه حقّ، تشدّني قامتي القصيرة إلى الصغر، أشعر أحياناً أنني أزداد قصراً. هل حقاً تجعلنا سنواتنا المتراكمة كباراً، وتجعلهم سنواتهم المعدودة صغاراً؟

أخبرني شقيقه الأصغر أنّ رامي يحبّني ويفضّلني على كل المعلّمات. شعرت برغبة عارمة لاحتضانه، لكنني ترددت. خفت أن أزيد حدة تكاسله بسبب عناق. تصرّفت كأنني لم أسمع أي شيء. لكنني في قلبي أحببته أكثر… أحببت نفسي أكثر. رامي جعلني أحبّ نفسي أكثر.

كُتب هذا النص بمزاجٍ سيئ، في يومٍ رديء من الحزن المضاعف. لم أجد أمامي سوى رامي مضاداً لكآبتي، حتى أبتسم وأستطيع الكتابة. ذلك أن الكتابة تهرب مني حين أستسلم للحزن. هو لن يقرأ هذا النص لأنه طويل، وربما سيشعره بالملل والتعب، ولا أريده أن يقرأه. لا مصلحة لي في أن يعرف كم علّمني، وكم أحبّه.

 

إقرأ أيضاً:

للبنان حصته في مآسي التبني والبحث عن أمهات ضائعات

من التالية؟ جرائم العار والحزب المزمنة ضد النساء

 

إقرأ أيضاً