fbpx

هنا القصة الثالثة

Avatar

حسن أبو هنيّة

مقالات الكاتب

مجزرة سيناء امتداد لهدم الأضرحة ولاعتبار التاريخ خروجاً متواصلاً عن الإسلام

أثار الهجوم المروع الذي استهدف مصلين في مسجد الروضة الذي يتبع أحد الطرق الصوفية غربي مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء أثناء أداء صلاة الجمعة في 24 تشرين ثاني/ نوفمبر 2017 جدلاً واسعاً حول هوّية الجهة المنفذة وماهية الأسباب والدوافع الباعثة على الجريمة. وعلى الرغم من عدم تبني أي جماعة للمجزرة إلا أن التداول والنقاش أخذ منحى التعرف على طبيعة العلاقة بين الحركات الجهادية والطرق الصوفية ومعرفة الأسس الإيديولوجية والتاريخية والفقهية الحاكمة للصراع والنزاع وحدوده وآفاقه المستقبلية.
من الناحية التاريخية وقبل انهيار نظام الخلافة العثمانية في إطار “دار الإسلام” شهدت العلاقة بين السلفية والصوفية توتراً وصراعاً على تأويل الإسلام وتمثيله، حيث ادعى كلاهما خروج الآخر عن الإسلام القويم والتلبس بالكفر، لكن الاختلاف كان يُدبّر ويدار في دوائر الحوار والجدال والمناظرة دون الصدام والحرب والقتل، وكانت مؤسسة القضاء تتولى الفصل في النزاع وإصدار الأحكام.
مع انهيار مؤسسة الخلافة إبان الحقبة الكولينيالية انقسمت الطرق الصوفية بين مهادنة الاستعمار ومقاومته، وعقب خروج الاستعمار وقيام الدولة الوطنية في العالم العربي عمدت معظم الأنظمة القطرية على اختلاف منظوماتها السياسية والثقافية على استدخال الصوفية في أجهزتها الإيديولوجية، وعملت على دعمها وإسنادها ومأسستها، وذلك لتوظيفها في مواجهة حركات الإسلام السياسي والحركي والجهادي الصاعدة والتي تبنت نهجاً سلفياً.
في هذا السياق شهدت العلاقة بين السلفية والصوفية توتراً، فالحركات الجهادية المعارضة للدولة الوطنية وأجهزتها القمعية والإيديولوجية استندت في سلطتها المرجعية إلى التراث السلفي التاريخي من أهل الحديث ومدرسة (أحمد بن حنبل) مرورا ب(أحمد بن تيمية) وصولاً إلى (محمد بن عبد الوهاب)، وهي مدرسة تتبنى تصوراً طهرانياً يناقض التصورات الصوفية باعتبارها شركاً يناهض مبدأ التوحيد ويحارب الممارسات الصوفية باعتبارها محدثات وبدع تخالف الشريعة.
الهجوم على مسجد قرية الروضة في شمال سيناء يثير تساؤلات عديدة، فالمسجد الذي يؤمه مصلون من مشارب مختلفة لا يقع في عرف السلفية الجهادية بما يطلق عليه “مساجد ضرار” وهو ليس زاوية أو ضريح، فالجهادية على اختلاف مكوناتها تتفق وفق مبدأ “الحسّية” كجهاز يقوم على إزالة “المنكرات” على وجوب هدم الأضرحة باعتبارها شركاً يتعارض مع التوحيد، لكنها لم تعمد إلى قتل زوار قبور “الأولياء”، ولم تستهدف في تاريخها المعاصر المساجد باستثناء حالات العنف الطائفي التي تستند إلى كفر طائفة كاملة بعينها كما ظهر في أماكن عديد بين السنة والشيعة وخصوصا العراق بعد الاحتلال الأمريكي.
هكذا فإن السلفية الجهادية على اختلاف توجهاتها الاستراتيجية من القاعدة إلى الدولة الإسلامية وما بينهما تعمد إلى هدم الأضرحة حين تفرض سيطرتها المكانية المرئية والغير مرئية، وهو ما فعله “تنظيم الدولة” بعد سيطرته على مساحات واسعة في العراق وسوريا حيث هدم كافة الأضرحة وقبور الأولياء والمزارات التاريخية، وهو ما فعلته حركات جهادية ك”طالبان” في أفغانستان والحركات السلفية الجهادية في الشيشان،  وحركة “الشباب المجاهدين” في الصومال و”بوكو حرام” في نيجيريا، وحركة “أنصار الدين” والحركات الجهادية المتحالفة معها في مالي عندما سيطرت على مدينة (تمبكتو) الأثرية شمال غرب مالي، وكذلك دمّرت مجموعات سلفية مسلّحة متنوعة من “القاعدة” إلى “تنظيم الدولة” و”أنصار الشريعة” و”المداخلة” وغيرهم مساجد وأضرحة صوفية في طرابلس ومصراتة وزليتن وبنغازي.
على الصعيد المرجعي الفقهي لا تختلف السلفيات المتعددة التقليدية الألبانية والوهابية الرسمية والجهادية العالمية وحتى الإصلاحية الحركية في وجوب هدم الأضرحة وقبور الأولياء، وهي لا تخرج في تصوراتها بهذا الخصوص عن مستندات “تنظيم الدولة الإسلامية” الأكثر تشددا وفروعه الإقليمية ك”ولاية سيناء”، إذ تلخص مقابلة “أمير الحسبة في ولاية سيناء”، في الحوار الذي أجرته جريدة “النبأ” الإلكترونية التابعة للتنظيم  في 9 كانون أول/ ديسمبر 2016، مجمل الرؤية الفقهية لكافة السلفيات، إذ يقول: “إن ديوان الحسبة يمارس نشاطه ووظيفته .. فى محاربة مظاهر الشرك والبدع مثل السحر والكهانة.. وأيضًا التصوف” ويضيف: “لقد انتشر الشرك بالله فى الطرق الصوفية بشكل كبير، حتى هرم عليه الكبار، ونشأ عليه الصغار، فاشتدت المصيبة، وهم يعتقدون النفع والضر فى الأموات، ويستغيثون بهم، ويتخذونهم وسائط إلى الله، كما يتبعون طواغيتهم وشيوخهم فى باطلهم ويؤدون لهم السمع والطاعة فى القول والفعل”، ويؤكد على أن “الطرق الصوفية واقعة فى الشرك، يقدسون ابن عربى والحلاج، وغيرهما من أئمة الكفر والضلال”، ويشدد على أن “أتباع الطريقة الجريرية يقدسون الأضرحة، ويقرأون كلامًا يحتوى على ألفاظ شركية، مثل الاستغاثة بالنبى وطلب الشفاعة، كما أن مشايخ الصوفية على علاقة بأجهزة الدولة الكافرة، ومنهم سليمان أبوحزار الذى يحمل لقب شيخ وهو دجال”.
لا تخرج الاستدلالات الفقهية للسلفية في مناهضتها للتصوف عن رؤية “ولاية سيناء”،  وعلى الرغم من انتشار الطرق الصوفية تاريخياً إلا أن الموجة السلفية المعاصرة قلصت من نفوذها وهيمنتها في معظم أرجاء العالم العربي والإسلامي، ففي الوقت الذي يتجاوز عدد الطرق الصوفية في سيناء 12 طريقة، كالطريقة التيجانية الأقدم، والطريقة العلوية الدرقوية الشاذلية الأكثر انتشاراً ، لكنها ضعيفة ولم تعد تستقطب الأجيال الشابة، وهي تلجأ إلى السلطة لحمايتها، وقد عمدت “ولاية سيناء” إلى هدم مزاراتها وأضرحتها منذ عام 2013، عندما كانت تعمل باسم تنظيم “أنصار بيت المقدس”، ففي 4 آب/أغسطس 2013 قام التنظيم بتفجير ضريح الشيخ حميد أبو جرير بمنطقة المغارة في وسط سيناء، والشيخ سليم الشريف أبو جرير بمنطقة المزارة في بئر العبد، بصورة متزامنة، وفي بداية شهر تشرين أول/ أكتوبر  2016، حيث هاجم تنظيم “ولاية سيناء” عدداً من الزوايا التابعة للطريقة العلاوية، ومنع أتباع الطريقة الصوفية من الذكر وممارسة طقوسهم، وفي 29 آذار/ مارس 2017 أعدم التنظيم اثنين من مشايخ الصوفية، بتهمة ممارسة السحر والكهانة، وهما الشيخ (سليمان ابو حراز)، و(قطيفان بريك عيد منصور) أحد أتباعه بدعوى “ممارستهم الكهانة وادعاء علم الغيب ودعوة الناس للشرك”.
لا تخرج اجتهادات ولاية سيناء التابعة لتنظيم الدولة عن الممارسة التاريخية للسلفية بنسختها الوهابية، ففي عام 1730 بدأ الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتطبيق مبادئه في (الدرعية)  فأمر بقطع الأشجار التي كانت مقدسة لدى العامة، وهدم بنفسه ضريح مقدس في نجد هو قبر (زيد بن الخطاب) شقيق الخليفة عمر.
يمكن فهم سلوك السلفيات المتعددة المتعلق بهدم الأضرحة وتدمير قبور الأولياء وطمس آثار الصالحين، فالسلفية برؤيتها الطهورية تطوي التاريخ والآثار فلا مقدّس إلا الله الأزلي والوجود الآني وما بينهما هو حوادث وبدع.  والتاريخ بحسبهم مسارٌ للإنحراف عن الإسلام القويم الذي يتجاوز التأويل والتفسير فليس هناك سوى أتباع. ومع ذلك، فإن قتل عموم المصلين على نحو ما حصل في مسجد الروضة ليس من نهج الجهادية المعاصرة، إلا إذا بلغت حدود غلاة الخوارج من الأزارقة والنجدات (أشد فرق الخوارج عنفاً) وتلك مسافةٌ لم تعد بعيدة.

إقرأ أيضاً