fbpx

هنا القصة الثالثة

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري

مقالات الكاتب

ما بعد خاشقجي … ما قبل السياسة

لنفترض أن ولي العهد السعودي بريء من دم جمال خاشقجي، كما أكد هو وكثرٌ من المملكة عشرات المرات. لكن أي ضررٍ هائل لحق بهذه المملكة بالفعل؟ وأي منطق (أو لا منطق) أوصل الأمور إلى هنا؟

أياً كان صاحب القرار، يبدو تفكيره خارج الزمن، ناهيك عن بعده عن أعراف بيوت الخليج الحاكمة حيث التزامٌ معتاد بأعرافٍ قد يصعب وصفها بالديمقراطية، لكنها مجال سياسةٍ وتفاوض وحلول وسطى. يبدو أن من خطط لقتل خاشقجي (أو خطفه في الحد الأدنى إن سلمنا بواحدة من الروايات الرسمية السعودية)، آمن بأن لا عقاب سيطاول أياً من المنفذين، وبناء عليه كان مطلوباً أن يكون الفعل مشهوداً ليرعب كل من يعارض ولي العهد الشاب: سنفعل بكم ما نريد، كيفما نريد، وقتما نريد، حيثما نريد، فتدبروا أمركم.

النتيجة كانت ما وصفه الرئيس الأميركي ترامب لاحقاً، بصراحته الفجة المعهودة، بأنه أسوأ عملية تسترٍ في التاريخ (لاحظ أنه أدان التستر قبل الجريمة). دخل خاشقجي قنصلية بلاده أمام كاميرات أمنية تركية ولم يخرج، حصل هذا في بلدٍ يحكمه إسلاميون يعدون الرجل واحداً منهم وصوتاً بارزاً لهم في الغرب، ثم قيل لهم إن صوتهم ورجلهم هذا خرج سليماً في بلادهم، أي أنهم هم المسؤولون، البقية، كما يقول التعبير الإنجليزي الشائع: تاريخ!

بحسابات الواقعية السياسية الفجة؛ الأزمة هنا، مع الأسف، ليست في بشاعة ما حصل، لكن في السياقات التي أملت تبعاتها. عدا الحكومات السعودية والتركية والأميركية (التي كان خاشقجي يقيم في أرضها) لعب طرفٌ رابعٌ دوراً رئيسياً في المشهد منذ اللحظة الأولى: الصحافة الغربية الناطقة بالإنكليزية عموماً، وخاصة الأميركية، ولا سيما الواشنطن بوست حيث كتب خاشقجي. لكن لم يكن لـ”السلطة الرابعة” هنا أن تحوزَ سُلطةً من دون التسريبات المتقطعة الآتية من تركيا، والتي ربما لن نعرف أبداً هل كلها مقصودة ممنهجة، أم أنها من عناصر موالية، لكن غير منضبطة، في دائرة الرئيس التركي؛ مرة أخرى؛ خاشقجي “واحد منهم”، إسلامي محسوبٌ عليهم. مقيم في أميركا، صحيح، لكن مثله مثل إسلاميين آخرين وجدوا في تركيا أردوغان ملجأ ومتنفساً يواصلون منه محاولة البقاء إعلامياً على الساحات التي ضيعوها في أعقاب الربيع العربي (الذي كانوا سبباً رئيسياً في ضياعه، لكن هذا نقاشٌ آخر). فلو كان الرئيس التركي مستعداً لاستخدام خاشقجي ورقة تفاوض (بخاصة مع الرئيس الأميركي وصهره المعنيين بتبرئة ساحته) لأهدافٍ كالحصول على غريمه (الإسلامي المختلف) فتح الله غولن، أو للضغط لرفع الحصار عن حليفته قطر، حيث نقطة ارتكاز أخرى للإسلاميين، ربما لا يكون من حوله، ومنهم أصدقاءٌ مقربون من الصحافي المغدور، مستعدون لأي حلولٍ وسط.

في الناحية الأخرى من العالم؛ في الغرب “الصليبي الكافر” الشرير الذي يعاديه الإسلام السياسي وجودياً، وإن توسل قيمه سبيلاً ووسيلة، ألزمت صحف نفسها القضية. “واشنطن بوست” حيث كتب المغدور تلقفت كل خبرٍ عنه، ثم النيويورك تايمز وبدرجةٍ أقل صحفٍ بريطانية أخرى. ثم دخلت “البي البي سي”، بما في ذلك ذراعها العربية وما تملكه من وزن،  في المشهد؛ عدا التغطية الإعلامية المعتادة  قدمت القناة البريطانية وثائقيين، أذيعا بالعربية، أحدهما تناول قضية خاشقجي وتضمن نقداً حاداً لولي العهد، بما في ذلك اتهامات مفصلة بتعذيب أفرادٍ من العائلة المالكة وإهانتهم (مع وزراء ورجال أعمال وشخصياتٍ مهمة) وقت احتجازهم في فندق الريتز كارلتون بالرياض في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 كجزءٍ من حرب بن سلمان التي أعلنها على الفساد في المملكة. بينما تناول الآخر اتهامات بالفساد لإدارة المملكة طالت بالاسم بعض كبار العائلة المالكة، ومشككاً بحرب ولي العهد الشاب على الفساد لافتقادها، بحسب الوثائقي نفسه، الإطار المؤسسي الواضح (الوثائقيان جاءا بعد بضعة شهورٍ من آخر ما أنتجته البي بي سي أيضاً، وأذيع بالعربية، عن “اختطاف” أفراد منشقين من العائلة المالكة، وعن خلافاتهم المفتوحة مع ولي العهد الشاب ووالده). ترافق ذلك مع أخبارٍ، أوردتها “رويترز” الموثوقة دولياً، عن تمردٍ داخل البيت المالك على خلافة ولي العهد لأبيه، تزامنت مع عودة ظهور أمراء كانوا ممن احتجزوا في فندق “الريتز” وعودة عم الأمير الشاب من خارج البلاد. أما مجلة الـEconomist  البريطانية الرصينة فدعت صراحة في افتتاحية عدد 24 تشرين الثاني إلى إزاحة الأمير محمد بن سلمان من ولاية العهد.

ربما لا شيء جديداً في حد ذاته في أي من هذه  التقارير والمقالات، فالفساد موجودٌ في كل مكان، وخلافات وصراعات البيوت المالكة ليست بجديدة، لكن الزخم الإعلامي الهائل الذي اكتسبته هذه التقارير والأنباء، أياً كانت درجة صدقيتها، لم يكن ليحدث سوى في ظل تبعات مقتل خاشقجي، التي وضعت المملكة في “بؤرة العدسة”، علماً أننا لم نذكر إلا أمثلة من هذه العاصفة الإعلامية العاتية التي كلما توارت قليلاً عادت وهبت بقوةٍ من جديد، والتي معها يواجه الرئيس الأميركي حرباً ضروس في الكونغرس من أعضاء حزبه الجمهوري قبل الديموقراطيين تستهدف موقفاً حازماً من قضية خاشقجي ومن حرب المملكة في اليمن (التي، بمفارقة عجيبة، لفت اغتيال خاشقجي انتباه العالم إليها)، ومن الشخص المُعتبرُ مسؤولاً عن الاثنين، ولي العهد السعودي الذي وصفه أحد أعضاء الكونغرس الأميركيين، بوب كوركر، بأنه “خارج عن السيطرة” (out of control)، تعبير يصف شخصاً يفتقد المنطقية ومن ثم يصعب التنبؤ بأفعاله.

 

الآن، يبدو، أن ارتباط السلطة بالمؤسسة الوهابية يضعف وسيقل دور النفط كمصدر المملكة الرئيس في مستقبلٍ غير بعيد.

 

مجلس الشيوخ، ذو الأغلبية الجمهورية، صمم قبيل نهاية تشرين الثاني على مناقشة علاقة المملكة بالولايات المتحدة، بخاصة في ما يتعلق بدعم المملكة في حربها في اليمن، على رغم رفض الرئيس الحالي أي مراجعة لهذه العلاقة، واتهم (أي مجلس الشيوخ) الرئيس ضمناً بالتستر على ولي العهد السعودي لحجبه شهادة رئيسة الاستخبارات عن مجلس الشيوخ. هذا هو الوضع الآن، لك أن تتخيل ما هو آتٍ حين تنتقل الأغلبية في مجلس النواب إلى الديموقراطيين مطلع العام المقبل.

أين كان من اتخذ قرار خطف (ناهيك بقتل) خاشقجي من كل هذه التبعات؟ وهل خمن أنها ستُربط إعلامياً بأحداثٍ سابقة؟ منذ اللحظة الأولى رسم كثرٌ خطاً مستقيماً بين ما حصل في إسطنبول و”اختطاف” رئيس وزراء لبنان سعد الحريري، ثم اعتقال أبناء عموم الأمير الشاب كجزء من حربه على الفساد التي أعلن. مرة أخرى، حتى لو  افترضنا أن “اختطاف” الحريري أكذوبة كاملة، وأن ما حصل مع مسؤولين ورجال أعمال في فندق الريتز (ظهر بعضهم جالسين بجوار ولي العهد بعد مقتل خاشقجي كما أسلفنا) كان مبرراً، كانت هناك صورةٌ في الإعلام الغربي قيد التشكل سرعان ما أكدها ما حصل مع خاشقجي. النتيجة الكارثية: مقارنات بين الأمير الشاب وصدام حسين  (مجلة Foreign Policy   29 تشرين الأول/ أكتوبر 2018).

بمعايير البيت السعودي، في هذه المملكة الفتية (عمرها لم يتم تسعة عقودٍ بعد)؛ وحدة البيت الحاكم أمر أساس، سمعنا من قبل عن خلافاتٍ هنا وهناك، عن اتهامات بفساد وميتاتٍ ادعى البعض غموض أسبابها، كما في كل أسرةٍ حاكمةٍ في التاريخ تقريباً، لكن أن تعتقل أبناء عمومتك من دون إطارٍ قانوني راسخ، أياً كانت التهم، أمرٌ غير مسبوق، فعلٌ يهدد قلب المملكة وعصبه. عدا تجاهل سياقات السياسية والحكم المعتادة داخل المملكة كانت الاستقالة المفاجئة لرئيس الوزراء اللبناني من الرياض وما تبعها من تدخلٍ دولي “لإطلاق سراحه” تلاها تراجع عن استقالته.

الحرب الكارثية في اليمن، التي بينما كلفت المملكة وحلفاءها المليارات، وتسببت بكارثة إنسانية هائلة (تتوزع مسؤوليتها على كل الأطراف المتحاربة)، لم تنتج نصراً حاسماً لمصلحة المملكة، من ثم نجد أنفسنا مجبرين على التساؤل، أي حساباتٍ سبقت أيٍ من هذه التحركات، التي تُلقى المسؤولية عنها على عاتق ولي العهد الشاب، سواء كان هو المسؤول فعلاً أم لا ؟ صحيح، مثلاً لا حصراً،  للعربية السعودية نفوذٌ معترفٌ به في لبنان، ولزام على حكامها الاهتمام بما يحصل على حدودها في اليمن، بخاصةٍ إن كان لدولٍ أخرى دور متصاعد هناك، لكن هل كانت هذه أفضل وسائل التحرك؟

لكن مثلما غابت القدرة على قراءة سياقات خارجية حيث يتراكم الأثر ويستخدم حيناً ويترك أحياناً طبقاً لحسابات الأطراف الفاعلة، لا يبدو أن نظرةً بعيدة حكمت إدارة الداخل. عدا استعداء أفراد البيت المالك في بلد لا مؤسسات مستقلة قوية فيه، تسير المملكة حثيثاً مع دولٍ أخرى، نحو عالم ما بعد النفط. هناك دولٌ قررت بالفعل أنه خلال ثلاث عقود لن تعرف طرقها مركبات سوى الكهربائية. السعي المحموم إلى تقليل الاعتماد على النفط ليس سراً. من المفارقات أن الاستعداد لهذا المستقبل ما بعد البترولي ركن أساس في سياسيات ولي العهد السعودي الشاب. لكن هل أخذت خطط إصلاحاته في الاعتبار أن الأمر يتخطى تعديل هيكل الاقتصاد، مع كل ما يحمله ذلك من تحدياتٍ ثقيلة، إلى الحاجة إلى شرعية سياسية جديدة  كلياً؟ إلى عقدٍ اجتماعي جديد؟

 

خليط تغييب السياسة و الإفراط في القمع، لا العكس، هو ما فتح باب ثورات وانتفاضات 2010-2011.

 

الصورة التقليدية للمملكة أنها وليدة تحالف بين رجال الدين الوهابيين وأسرة آل سعود، على هذا قامت الثورات الوهابية الثلاث التي انتهت آخرها بالدولة الباقية إلى اليوم. ثم أتى بعدٌ آخر، علاقة جديدة مع المحكومين قوامها ريع النفط، ذلك الذي عرّف “الدولة الريعية” أكثر من غيره، حيث الشرعية السياسية يشتريها مال النفط، أو ما ينفق عليه من خدماتٍ ومشروعاتٍ ووظائف.

الآن، يبدو، أن ارتباط السلطة بالمؤسسة الوهابية يضعف وسيقل دور النفط كمصدر المملكة الرئيس في مستقبلٍ غير بعيد. وهابية التأسيس عنت حكماً غياب مشروع وطني على شاكلة ما عرفته دول أخرى في المنطقة، فالدولة هنا وليدة حركة إصلاح إسلامية، سنية تحديداً. هذه الهوية ولّدت علاقة ملتبسة بالإسلام السياسي، بدت أحياناً ارتباطاً لا فكاك منه. في خمسينات وستينات القرن الماضي قدمت المملكة ملجأ لأتباع تنظيم الإخوان المسلمين الفارين من مصر. تقول روايات إن ملك السعودية الراحل، فيصل  بن عبد العزيز، طلب من جمال عبد الناصر التراجع عن إعدام الرمز الإخواني الشهير، سيد قطب، الذي تعاطف معه كثرٌ وقتها في المملكة وصفوا إعدامه في صحفها بأنه جزء من حرب ضروس على الإسلام. محمد، أخو سيد قطب، شارح أفكاره وحاملها عاش في مكة المكرمة منذ مطلع سبعينات القرن الماضي وحتى مماته عام 2014. تمتع الرجل بحريةٍ تامة لنشر أفكاره حتى حرب الخليج الثانية، إذا أيد أتباع حسن البنا غزو العراق للكويت، مخالفين موقف المملكة، فقُيدت حرية الرجل إلى حدٍ ما، لكن بقى بيته مقصداً معروفاً لأتباع الإسلام السياسي حتى مماته. أيضاً توفرت كتب حسن البنا وسيد قطب في المدارس السعودية ولم تمنع إلا أواخر 2015، بل إن بعض نصوصها طبعتها وزارة المعارف السعودية في مراحل سابقة.

ما الذي سيحافظ على كيان المملكة ووحدتها إذاً بعد النفط وبعد تحجيم دور الوهابية؟ ناهيك بفك الارتباط بالإسلام السياسي؟ ما الذي سيحل محل هذه الروابط؟ ما المصلحة أو العقائد المشتركة، أو خليط الاثنين، الذي سيجدد شباب المملكة؟ البحث عن الإقناع بالمصالح المشتركة أو بالعقيدة الجامعة يقتضي وعياً أنك لا تستطيع تغييب السياسة. صحيح لا تحتاج  بالضرورة ديموقراطيةً لتبني شرعية، الولاء يمكن تحقيقه عبر وسائل أخرى حتى إن غابت حرية الاختيار، لكن حتى في ظل غياب حرية الاختيار تبقى الحاجة إلى علاقة ذات اتجاهين مع المحكومين: شعرة معاوية الشهيرة. أمر لا يمكن أن تستغني عنه وسائل القمع أياً كانت فعاليتها وقدراتها، أو درجة توحشها؛ عسى الحنكة التي تعي ذلك، التي تبدو شبه غائبة اليوم في أكثر من بلدٍ عربي، تعودُ وتنقذ ما يمكن إنقاذه، حكمةٌ تعي أن خليط تغييب السياسة و الإفراط في القمع، لا العكس، هو ما فتح باب ثورات وانتفاضات 2010-2011.

 

إقرأ أيضاً:

 من سحرِ صوت مؤذن إلى “ما وردش بيها نص”: صورٌ عن تَدَيّن المصريين عبر قرن

واقعنا في ثلاث كلمات غائبة: Argument و Empathy و Privilege

إقرأ أيضاً