fbpx

هنا القصة الثالثة

إيمان عادل- صحافية مصرية

إيمان عادل- صحافية مصرية

مقالات الكاتب

ما بعد الاستفتاء: هل يختار المصريون مصائرهم حقاً؟

انتهت نتائج الاستفتاء على تعديل الدستور المصري، بـ”نعم”، ستمدّد سيطرة الرئيس عبد الفتاح السيسي على السلطة بعد 8 سنوات من ولايته الحالية، حتى عام 2030، ما سيساهم في ترسيخ سلطة السيسي والمؤسسة العسكرية وتوسيعها، على حساب القضاء والسلطة التشريعية، كما سيسمح للسيسي بوضع كبار المسؤولين القضائيين تحت سيطرته، إضافة إلى تعيين بعض أعضاء المجلس التشريعي الجديد. وبعد أيام قليلة من صدور النتيجة، أقدم السيسي على فرض حالة طوارئ في مصر، مجدّداً، لمدّة ثلاثة أشهر إضافيّة ابتداءً من يوم 25 نيسان/أبريل 2019.

وفي ما يتعلّق بالاستفتاء، فإنّ نسبة التصويت لم تتعدَّ الـ44 في المئة، إذ شارك في الاقتراع 27 مليون مصري من أصل 61 مليوناً يحق لهم ذلك، ونسبة قليلة مقابل من امتنعوا عن التصويت.

الامتناع عن التصويت يشكّل موقفاً أيضاً في مصر، لا يقل تأثيراً عن المشاركة بـ”نعم” أو “لا”. فبين الممتنعين (34 مليون مصري) من رأوا في عملية الاستفتاء مهزلة لا تجدر المشاركة فيها، ومنهم من كان على ثقة بنتائج الاستفتاء التي ستحسم بالطبع لمصلحة التعديلات الدستورية، وهي قناعة اكتسبتها شريحة من الممتنعين، من تجربة الحقبة المباركية، والتي كانت تَزور فيها نتائج الانتخابات، مع تأييد ساحق لمحمد حسني مبارك. فتعلّم المصريون الدرس، وفهموه جيداً، بأن الانتخابات أو الاستفتاءات لا تحدث فعلياً من أجل الاطلاع على رأي الشعب، بقدر ما هي ضرورة لحفظ ماء الوجه أمام المجتمع الدولي.

القاهرة كانت المحافظة الوحيدة التي غلبت فيها نسبة التصويت بـ”لا”، على التصويت بـ”نعم”، فقد اقترع في القاهرة 1256248 مواطناً بـ”لا”، في مقابل 950532 صوتوا بنعم، وبهذا يكون السيسي خسر تصويت عاصمة مصر بالموافقة على التعديلات الدستورية، على رغم الضغط الكبير للتصويت بنعم، بكل طرائق الحشد النفسية والمادية، إلا أن العاصمة صمدت على موقفها الرافض، وكسب السيسي الموافقة على التعديلات الدستورية بتجميع بقية الأصوات في المحافظات، حتى جاءت نسبة التصويت الإجمالية 88.83 في المئة بنعم، و11.17 في المئة بـ”لا”.

نتائج الاستفتاء توقعها المصريون بغالبيتهم، حتى الذين صوتوا برفض التعديلات الدستورية، وعلى رغم الإحساس بالخيبة، فقد تمسك آخرون بالأمل، بعدما علموا بوجود ملونين و945680 مواطناً، صوتوا بـ”لا”، من دون رشوة ودعاية انتخابية أو إعلام داعم أو حشد، فوسط حالة الترهيب الشديد صمدوا وأعلنوا الرفض.

خروقات غير معترف بها

مذ أعلن البرلمان إقرار التعديلات الدستورية في 16 نيسان/ أبريل، انتشرت اللافتات التي تدعو المصريين إلى المشاركة في الاستفتاء، الكثير منها كان يدعو بشكل صريح المصريين إلى التصويت بـ”نعم”، حتى كشف تحقيق نشرته “مدى مصر”، مع باعة وأصحاب محلات وأكشاك، عن إجبار هؤلاء على إظهار “بانرات” تظهر تأييدهم التعديلات الدستورية أو دفع غرامة مالية بقيمة 2000 جنية (130 دولاراً).

ومنذ بداية أيام الاستفتاء الثلاثة، شاهد المصريون حقائب التموين التي كانت تمنح للمصوتين بـ”نعم” وفيها زيت وسكر وأرز وعدس، وأحياناً كانت تستبدل بمبلغ مالي تراوح بين 35 و200 جنيه، بحسب المنطقة، أو بساندويشات وعصائر في بعض المناطق، وهذا يعد خرقاً واضحاً لمبدأ النزاهة في الاستفتاء.

الملاحظة التي تصدرت المشهد أيضاً، أن هذه الرشى، لا تقدم سوى في المناطق الفقيرة والمهمشة اقتصادياً، فيما لم يلاحظ الصحافيون والمواطنون في مناطق أخرى مثل مصر الجديدة والمقطم والزمالك وغيرها، تقديم أي الرشى، وهو ما يدل أيضاً على اللعب على وتر الحاجة إلى الطعام أو البدلات المادية الزهيدة.

وعدا ذلك، شهدت اللجان المخصصة للتصويت دعاية باستخدام مكبرات للصوت، تذيع الأغاني الوطنية للتأثير في مشاعر المصوتين في الاستفتاء وإيصال رسالة محددة، أن التصويت بـ”نعم” هو الخيار الصحيح، فضلاً عن وصلة الأغاني الوطنية التي أنتجتها الحقبة الناصرية والتي أذيعت على محطات الإذاعة المصرية طيلة فترة الاستفتاء.

بعد انتهاء الاستفتاء، وبداية مرحلة فرز الأصوات، لم يسمح للصحافيين بحضور الفرز، كما أن السماح لبعض مؤسسات المجتمع المدني بحضور الفرز كان يحدث بناء على رغبة القاضي، إما أن يرفض وإما أن يقبل، وعلى رغم كل هذه الخروقات، أعلنت الجهات الرقابية المعنية، أنها لم تتلق أي شكاوى بشأن خروقات شابت عملية الاستفتاء. ومن هذه الجهات الهيئة العامة للاستعلامات، النيابة الإدارية، الهيئة الوطنية للانتخابات، نادي القضاة، والمتحدث العسكري.

الإعلام المحلي أداة النظام الدعائية

لعب الإعلام المؤيد التعديلات الدستورية، دوراً مهماً في عملية الدعاية لمصلحة التصويت بـ”نعم” على التعديلات الدستورية، حتى أنه انخرط أحياناً في أخبار مثل الظواهر التي انتشرت داخل لجان الاستفتاء، من وصول عريس وعروس، إلى لجنة للإدلاء بأصواتهم أو وصول كفيف إلى لجنة الاستفتاء للإدلاء بصوته، أو مواطن في سيارة إسعاف يدلي بصوته في التعديلات الدستورية، فضلاً عن التركيز على حفلات الرقص أمام اللجان، متجاهلين دفع الرشى وشراء الأصوات. ولم يخرج عن السرب تقريباً من الإعلام المحلي سوى منصة “مدى مصر” المحجوبة في البلاد.

على مستوى الإعلام غير المحلي، نشرت مجلة the times، موضوعاً بعنوان “الطعام مقابل التصويت“، كما نشر موقع وكالة “أسوشييتد بريس” موضوعاً يؤكد استخدام الرشى الخاصة بالطعام والرشى المادية، لإغراء المواطنين على التصويت، وفي “نيويرك تايمز” نشر مقال نقاش حول تشجيع التصويت لمصلحة التعديلات الدستورية.

“ليست لترسيخ الحكم الديكتاتوري وحسب، بل هي إمعان في ذل ثورة يناير”

شهادات

بعد إعلان نتيجة الاستفتاء، تحدثنا مع الباحثة منى يسرى التي قاطعت الاستفتاء، قالت لـ”درج”: “تعاملت مع موضوع الاستفتاء باستهزاء تام، لم أتفاجأ بطرح فكرة التعديلات من الأصل وبالتالي لم يفاجئني الاستفتاء، وموافقة البرلمان ونتيجة الاستفتاء النهائية، فمنذ الانتخابات الرئاسية الماضية ونحن نتوقع أن السيسي سيجري تعديلات على الدستور ليمدد حكمه لأطول فترة ممكنة، طبعاً لو كان يستطيع لمدد فترة حكمه إلى ما بعد 2030، لكن الوضع الإقليمي لم يساعده، ففي وقت التعديلات الدستورية، ظهرت الاحتجاجات في السودان والجزائر التي أطاحت برئيسي البلدين، وسط تخوف من أن تحدث احتجاجات مشابهة في مصر”.

وأضافت يسرى: “التعديلات ليست لترسيخ الحكم الديكتاتوري وحسب، بل هي إمعان في ذل ثورة يناير، وكل من انتمى إليها بفكره أو بأحلامه، كما أن التعديلات ستفتح باب القمع أكثر، وتغلق الحياة السياسية أكثر، لكن تبدو في الأفق محاولة لصنع مثلث عسكري يحكمه العسكر في مصر وليبيا والسودان”.

الباحث عصام الدين حسين، أحد الذين صوتوا ضد التعديلات الدستورية، قال لـ”درج”: “هذه التعديلات ترسخ أكثر حكم الفرد أولاً، وتقضي على الفصل بين السلطات ثانياً، لأنها تتيح البقاء في الحكم أكثر من مدتين وتطيل مدة الحكم ما يتعارض والدستور الأصلي، وتقضي على مبدأ الفصل بين السلطات، لأنها تتيح سيطرة السلطة التنفيذية على القضاء، وهذه عيوب تتضاءل معها أي مزايا وضعت لتبرير هذه التعديلات، لأنها ببساطة تنسف أي حياه عامة وسياسية طبيعية”.

وأضاف حسين: “النتائج كانت نوعاً ما متوقعة، وإن كنت أتوقع نسبة أفضل للتصويت بـ”لا”، للأسف طرد الصحافيين ومندوبي الفرز وعدم إعلان نتائج كل لجنة على حدة، والحشد الجماعي للتصويت وشراء الذمم بالطعام، عوامل تركت المجال للتشكيك في النسبة الصحيحة للتصويت”.

وبعد إقرار التعديلات الدستورية، يرى حسين أن “المستقبل سيحمل المزيد من ضرب الحريات الإعلامية والفكرية، فالحريات السياسة ضُربت بالفعل، وستزيد التبعية المطلقة لصندوق النقد الدولي واعتصار الناس اقتصادياً”.

المخرجة منة فايد، وهي قاطعت التصويت، قالت لـ”درج”: “كنت أتوقع أن يسعى السيسي إلى فرض تعديلات دستورية، كنت أعرف أن الاستفتاء سيُزوّر، مثل فيلم الزوجة الثانية، الصناديق صناديقنا والدفاتر دفاترنا. مظاهر الدعاية كانت بارزة من ساعة ولادتها أثناء حكم حسني مبارك والتطبيل له وللحزب الوطني، ثم انتخابات مرسي وشفيق الدولة العميقة”.

وتابعت: “كنت أتوقع أن تخرج النسبة 90 في المئة أو 99 في المئة، كما اعتدنا أيام مبارك، لكنهم هذه المرة حاولوا تجميل الصورة، بأن هناك معارضة ونسبة مشاركتها 12 في المئة. للأسف بعد هذه التعديلات سعر البنزين سيرتفع وسيزيد الضغط على الفقراء أكثر، والطبقة المتوسطة ستدفع الثمن”.

 

المنتحرون في مصر: هزيمة فرد أم مسؤولية عامة؟

 

 

إقرأ أيضاً