fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - New York Times

مقالات الكاتب

ما السبب وراء هيمنة اليمين المتطرّف على ألمانيا الشرقية؟

احتفل الألمان في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول، بيوم الوحدة الألمانية، وهو يُمثل اللحظة التي أصبحت فيها ألمانيا الشرقية والغربية في السابق، منذ 28 سنة، أمّة واحدة مرّة أخرى. بيد أنه هذا العام، وبدلاً من الاحتفال بوحدتهم، ثمة شعور متزايد بالتباعد. إذ ينفصل الشرق والغرب عن بعضهما البعض مجدّداً.

قبل بضعة أسابيع، تعرّض شاب للطعن حتى الموت في مهرجان مدينة كيمنتس، التي تقع في شرق ألمانيا بولاية ساكسونيا، وخلال فترة انقسام الألمانيتين، كانت مدينة كيمنتس جزءاً من ألمانيا الشرقية، وبعد هذه الحادثة المؤسفة اعتُقل اثنان من طالبي اللجوء لصلتهم بذلك الهجوم. اندلعت مظاهرات كبيرة حول المدينة، سيطر عليها في بعض الأحيان المئات من المتطرّفين اليمينيين. ورفع بعضهم أيديهم في تحية هتلر، التحية النازية – وهي إيماءة كانت تُستخدم كتحية رسمية أيام ألمانيا النازية تبنّاها الحزب النازي عام 1938 لإظهار الطاعة والولاء للزعيم هتلر وتمجيد الأمة الألمانية – وتعرّض الصحافيون ومناهضو هذه التظاهرات للاعتداء اللفظي والجسدي، وألقى الغوغاء الحجارة على صاحب مطعم يهودي.

اندلعت مظاهرات مماثلة في بلدة كوتن، وهي بلدة يسكنها 30 ألف نسمة، تقع في ولاية “ساكسونيا أنهالت” الألمانية. ويوم الإثنين الماضي، ألقت الشرطة القبض على سبعة رجال متّهمين بالتخطيط لشن هجمات على السياسيين والأجانب يوم الأربعاء.

قد لا تُعد هذه الأحداث عشوائية. في حين أن الجرائم العنيفة التي يرتكبها المتطرّفون اليمينيون قد انخفضت منذ عام 2016 ، فإنها لا تزال متكرّرة الوقوع في الولايات الألمانية الشرقية الخمسة أكثر منها في الغربية، وفقاً لما ذكره التقرير السنوي لجهاز المخابرات الداخلية الألماني. ثم هناك ما تُشير إليه استطلاعات الرأي، إذ ستعقد الولايتان الشرقيتان براندنبورغ وساكسونيا، الانتخابات في شهر سبتمبر/أيلول المقبل. وبالنسبة لكلا الولايتين، يُتوقع منظمي استطلاعات الرأي حصول الحزب الشعبوي اليميني المتطرّف، البديل من أجل ألمانيا، على نتائج قياسية.

كانت ألمانيا الشرقية في السابق، بالطبع، دولة شيوعية. أما اليوم فهي مرتعاً للتعاطف اليميني المتطرّف والكراهية الصريحة. فماذا حدث؟

يثير ذلك التساؤل غضب السياسي فولفاجانج تيرسي، وهو ديمقراطي اشتراكي والرئيس السابق للبرلمان الألماني، الذي نشأ في الشرق. في حقبة السبعينيات من القرن الماضي، عمل لفترة وجيزة في وزارة الثقافة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية، أو ألمانيا الشرقية، لكنه طُرد من منصبه بعد أن رفض دعم إبعاد المغني وولف بيرمان، وهو مغني ومؤلف مشهور ومُنتقد للحكومة الشيوعية. قال تيرسي، إنه لا يوجد شيء اسمه “الشرق”. وأضاف أن ألمانيا الشرقية ليست مكاناً واحداً، بل هي مزيج – تتجاور فيه مناطق الرخاء والإبداع والتطوير الاقتصادي، مباشرةً مع مناطق الفساد والبؤس الاقتصادي.

ينعكس تقييم تيرسي في “التقرير السنوي عن حالة الاتحاد الألماني” الذي قدّمته الحكومة الأسبوع الماضي. في الوقت الذي ترتفع فيه المعاشات والأجور وتقل البطالة، فإن متوسط الدخل في الولايات الشرقية السابقة يَتَخلّف عن الولايات الغربية السابقة بحوالي 15 في المائة. فعلى الرغم من أن الاقتصاد في الولايات الشرقية يولي اهتماماً استثنائياً باعتماد المشروعات الناشئة، ويحاول الترويج لها في الداخل، فإنه لا يمتلك سوى عدداً قليلاً من الشركات الكبيرة، واستثمارات دولية أقل. بالإضافة إلى أن الولايات الشرقية تتسم بطبيعة سكانية قديمة، وصعوبة أكبر في العثور على العمّال المؤهلين.

لا تُمثل الاختلافات الاقتصادية سوى جزءاً ضئيلاً من اللغز وراء بقاء الشرق تحت هيمنة اليمين السياسي المتطرّف حتى الآن. وتتركز التفسيرات الأخرى في الموروث الثقافي السياسي للجمهورية الديمقراطية الألمانية. فقد شعر الكثيرون في جميع أنحاء ألمانيا بأن المستشارة أنجيلا ميركل فرضت قرارها بقبول عدد كبير من اللاجئين داخل البلاد، فيما اعترض بقوة الألمان الشرقيين، الذين عاشوا قديماً في ظل حكم استبدادي، نظراً لشعورهم بأنهم مغلوبون على أمرهم.

“لا يزال الشرق والغرب مثل أشقاء غير متكافئين. إذ يحب الشقيق القوي أخاه الأصغر حجماً والأقل جمالاً ويعزي سلوكه المنحرف إلى الصدمة التي عانى منها في السابق”

ثانياً، لا يوجد سوى عدد قليل من المهاجرين يعيشون في الولايات الشرقية. لذلك لا يحظى الناس هناك بفرصة التفاعل اليومي معهم، وهذا يخلق مخاوف غير منطقية من الغرباء. كما يزعم البعض أيضاً أن الألمان الشرقيين، لأنهم لم يتعلّموا ماهية الديمقراطية، فإنهم يصابون بالإحباط بسهولة أكثر بسبب إجراءاتها الشاقة ونتائجها غير المثالية في كثير من الأحيان.

يشير يوهانس ستايملر إلى نقطة مختلفة. ولد ستايملر في مدينة درسدن شرق ألمانيا في عام 1982، وشارك في تأسيس منظمة الجيل الثالث في الشرق، وهي شبكة من المهنيين الشباب الذين تعود أصولهم إلى ألمانيا الشرقية. ويعمل حالياً كباحث ومستشار في مؤسسة أبحاث في مدينة بوتسدام، في المنطقة الجنوبية الغربية من برلين.

يوضح ستايملر أن الكثير ممّن شاركوا في الاحتجاجات اليمينية المتطرّفة في كيمنتس أو صوتوا لصالح حزب البديل من أجل ألمانيا هم أصغر من أن يتذكروا سوى القليل عن جمهورية ألمانيا الديمقراطية. لكنهم يتذكرون التغييرات الجذرية التي حدثت في التسعينيات، مثل الخصخصة والزوال السريع للصناعات الألمانية الشرقية وما تبعها من فقدان للوظائف.

يحظى تيرسي وستايملر، وكلاهما من مواليد شرق ألمانيا، بقبول واحترام الألمان على جانبي الفجوة الجغرافية. إلا أن الأصوات الغربية تسيطر على الجدل الدائر حول ما يحدث في الشرق. حتى بعد مرور 28 عاماً على إعادة توحيد ألمانيا، فإن معظم الصحافيين البارزين هم غربيون، كما هو الحال مع معظم السياسيين وقادة الأعمال البارزين.

لذا عندما تناقش ألمانيا السبب وراء هيمنة اليمين المتطرّف على الشرق حتى الآن، يتسلل لا إرادياً شعوراً بالتعالي على الشرقيين. دعونا نفترض على سبيل الجدل، أن ألمانيا الشرقية انفصلت عن بقية البلاد، وأُعيد رسم الحدود التاريخية القديمة. يظهر الألمان الشرقيون في هذا التقسيم الجديد، الذي كان موجوداً في السابق،  كما لو كانوا مادة للتحليل وطرح المقترحات السياسية، وليسوا جزءاً من الحوار.

لا يزال الشرق والغرب مثل أشقاء غير متكافئين. إذ يحب الشقيق القوي أخاه الأصغر حجماً والأقل جمالاً ويعزي سلوكه المنحرف إلى الصدمة التي عانى منها في السابق، لكنه ما زال ينظر إليه بنظرة دونية. هذا التعالي على الألمان الشرقيين والذي يظهر في معظم التحليلات النفسية للغربيين هو مأساة سياسية في حد ذاتها. ويبدو أن الألمان الشرقيين، حتى في أكثر حالاتهم عنفاً وتصميماً، ليسوا شركاءً في الوطن.

رد ستايملر عندما طرحت عليه هذا التفسير، قائلاً، “نعم، الألمان الشرقيون تحت مجهر التحليلات النفسية”. ومع ذلك، يعتبر ستايملر أن التحليل العام الحالي ليس بالضرورة مجحفاً لحقوق الشرقيين في المشاركة. ويرى أنها قد تكون أيضاً فرصة للتمكين السياسي، حيث نجد الأشخاص الذين لم يصوّتوا منذ عقود، يتوافدون فجأة على صناديق الاقتراع. قد لا يصوّتون للحزب الذي تريد بقية البلاد أن تصوّت له. لكن على الأقل أصبح لهم ميولاً سياسية، وجذبوا انتباه الأمة. وأضاف، “يمكنك أيضاً النظر إلى الأمر على هذا النحو: فالشخص الذي يخضع للتحليل النفسي لديه الفرصة للتحدّث، والتعبير عن نفسه”.

أيا كانت الطريقة، هذه فرصة سانحة للتحدّث. وقد يعني ذلك التحدّث إلى أحدهم وهو يصرخ في وجهك، كما يقول ستايملر. لكن لا يزال من الأفضل تجربة الأمر مهما كان، بدلاً من ترك الألمان الشرقيين يعودون إلى صمتهم المتكبر.

آنا ساوربري: كاتبة رأي منذ عام 2015، عملت كمحررة وكاتبة في صحيفة دير تاغ شبيغل الألمانية منذ عام 2011

هذا المقال مترجم عن صحيفة New York Times ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً:
تنامي كبير للنازيّة واليمين الشعبوي: ما الذي يحصل في دولة ميركل؟
هل يتزعم المهاجرون الأعمال الإجرامية في ألمانيا؟  

إقرأ أيضاً