fbpx

هنا القصة الثالثة

مايا الحاج- صحافية لبنانية

مايا الحاج- صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

“مان بوكر الدولية” لجوخة الحارثي… فوز من خارج السياق

كان يمكن للكاتبة العُمانية جوخة الحارثي أن تبقى روائية عربية “عادية” إن لم نقل “هامشية”، لولا أنّ لجنة “مان بوكر الدولية” انتبهت الى روايتها “سيدات القمر” (دار الآداب، 2010). هي اليوم أوّل كاتب عربي يُمنح هذه الجائزة عن أفضل عمل أدبي مُترجم الى الإنكليزية، بعد منافسة قوية مع أسماء عالمية كبيرة، أبرزها الفرنسية آني آرنو، إحدى أهم الروائيات المعاصرات في العالم.

هذا الفوز شكّل فرحة “عربية” عبّر عنها كثيرون على مواقع التواصل.

في المقابل، ثمّة من شكّك في موهبة الكاتبة الفائزة لمجرّد أنه لا يعرفها أو لم يقرأ لها. وذهب بعضهم الى ربط فوزها بتطبيع سلطنة عُمان مع اسرائيل، تماماً كما ربط مغرضون عام 1988 بين فوز الأديب المصري نجيب محفوظ بجائزة نوبل ومعاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية التي وقعها الرئيس محمد أنور السادات عام 1979، وفاز بعدها بنوبل السلام عام 1981.

بعد إعلان النتيجة، قالت رئيسة لجنة التحكيم بيثاني هيوز إن “الكتاب يستولي على العقول والقلوب بالمقدار ذاته”. هذا الكلام دفع كثيرين الى السؤال عن عدم “استيلاء” هذا العمل على قلوب أعضاء لجان التحكيم العربية وعقولهم؟ لماذا لم تكن هذه الرواية ضمن اختيارات البوكر؟ بعضهم يقول إنّها ترشحت ولم تبلغ القائمة الطويلة، وبعضهم الآخر يؤكّد أنّ دار الآداب لم ترشحها. وفي الحالتين، فوز الحارثي يجب أن يدفع البوكر العربية الى إعادة هيكلة الجائزة وشروط التقدّم اليها ودراسة الأعمال المقدمة اليها.

“خبطة” جوخة الحارثي شكلّت أيضاً صدمة سببها أنّ الكاتبة الشابة (41 سنة) من خارج “الصندوق”، أو لنقل خارج “الدائرة” التي يتشكّل منها الوسط الثقافي، حيث تتردّد الأسماء ذاتها في الجوائز وفي الترشيحات وفي الندوات وفي المقالات والحوارات. ولا يدهشني أن يكون فوزها مُستغرَباً ضمن بيئةٍ ثقافية ذات عقلية ذكورية، تُصنّف الأدب الذي تكتبه النساء جندرياً فتُسمّيه الأدب النسائي، وغالباً ما يُحاكَم على أنه أدب من الدرجة الثانية. وقبل فترة قصيرة، سأل أحدهم على صفحته الفايسبوكية: لماذا أدب النساء أقلّ عمقاً وجديّة من أدب الرجال؟ ووضع سؤاله كأنّه معادلة حتمية وطلب من متابعيه أسماء أهم الروائيات العربيات حالياً. ومع أنّ جوخة الحارثي كانت ضمن القائمة القصيرة لمان بوكر الدولية، لم يذكرها سوى شخص واحد. لماذا؟ لأنّ اسمها لم يكن متداولاً في ترشيحات جائزة البوكر العربية، ولأنها لم تفز بأي جائزة عربية، باستثناء جائزة بلدها (السلطان قابوس) عن روايتها “نارنجة”.  

 

مع أنّ جوخة الحارثي كانت ضمن القائمة القصيرة لمان بوكر الدولية، لم يذكرها سوى شخص واحد. لماذا؟ لأنّ اسمها لم يكن متداولاً في ترشيحات جائزة البوكر العربية، ولأنها لم تفز بأي جائزة عربية

 

لكنّ القارئ العارف بمسيرة الحارثي يُدرك أنّها لم تأتِ من محض مصادفة. هي كاتبة وأكاديمية عُمانية، حصلت على درجة الدكتوراه في الأدب العربي الكلاسيكي في جامعة ادنبره. نشأت في عائلة أدبية وعلمية، ما جعلها على تماس دائم مع الكتابة والقراءة. أمها كانت شغوفة بالأدب ووالدها مهتم باللغة وجدّها كان شاعراً من آخر الشعراء الكلاسيكيين في عُمان، كما ذكرت مرّة، وقد توفي من دون قبل أن يجمع قصائده، فاختارت أن تجمعها في ديوان بعنوان “ديوان أبي الحكم- الشيخ أحمد بن عبدالله الحارثي”. شاركت مذ كانت صغيرة في مجالس جدّها وتعلمت مسائل البلاغة والأدب. نشرت الحارثي ثلاث مجموعات من القصص القصيرة وثلاث روايات هي “منامات”، “سيدات القمر”، “نارنجة”.  شاركت في مؤتمر دعتها إليه “الجمعية الأنغلوعُمانية في لندن” للحديث عن الرواية، ومن ثم تحمست الجمعية لتمويل ترجمتها، واختارت لها المترجمة القديرة مارلين بوث، أستاذة الأدب العربي في جامعة أكسفورد.

تولي أعمال الحارثي أهمية خاصة للمكان، وتبدو الشخصيات لصيقة بالأمكنة التي تأتي منها. وهي تختار لغة تخرج من روح المكان وجوف الأرض، فتمتلئ روايتها بالأمثال الشعبية والعبارت القروية العمانية. وتدور الرواية الفائزة “سيدات القمر” حول ثلاث شقيقات يختبرن الحياة والحب والحسرة، كلّ على طريقتها. ثم نكتشف من خلال حكاياتهن الشخصية أننا أمام حكاية تحولات تاريخية عاشتها عُمان من بدايات القرن العشرين إلى أواخره تقريباً.

في النهاية، إنجاز الحارثي لا ينحصر في قيمة الجائزة المالية وقدرها 60 ألف دولار توزّع مناصفة بينها وبين المترجمة. وليس في زيادة عدد القرّاء والمتابعين فحسب. وإنما في تأثيره عربياً، وهذا ما أكدّته الحارثي عند سؤالي إياها عن اختيارها في اللائحة الطويلة. “اختياري إنما سيكون باباً يفتح المجال أمام الأدب العربي كي يتبوّأ مكانته اللائقة في مصاف الأدب العالمي”.

«بوكر» العربية: عن جائزة أدبيَّة في خَطَر…  

إقرأ أيضاً