مانيفستو المجزرة: “أنا رجل أبيض عادي”

"أنا شخص أبيض عادي"، يكررها تارنت مرة بعد مرة في نص أقل ما يقال فيه إنه صادم ومرعب. وكما كشف فيديو الجريمة أثر ألعاب الفيديو في وعي تارنت، في النص أيضاً أثر لهذا الجنوح.

كثيرة التصنيفات التي يمكن إعطاؤها للنص الذي فند برنتون تارنت عبره جريمته قبل تنفيذها.

من خلال نصه، وفّر تارنت وقتاً وجهداً على المحققين والصحافيين. أعطى نبذة مفصلة عن حياته. عقد مؤتمراً صحافياً مع نفسه، أجاب فيه على أغلب الأسئلة التي يمكن أن تُطرح. اعتبر نفسه إرهابياً، يستحق جائزة نوبل للسلام، وتوقع أن يسجن مدة 27 سنة، مثل الإرهابي نلسن مانديلا.

تحت عنوان الاستبدال العظيم: نحو مجتمع جديد، قدم تارنت في 74 صفحة متفاوتة من حيث الشكل، واللغة، واللهجة والمضمون، قصته.

للشعر مكان مهم في النص، وله خصص الصفحة الأولى وقبل الأخيرة.

البداية مع قصيدة “لا تذهب بلطف إلى تلك الليلة الجميلة” لتوماس ديلان المنشورة عام 1951.

لا يتأخر تارنت قبل أن يبدأ شرح مشكلته. إنها نسبة الولادات، عبارة يكررها ثلاث مرات، قبل أن يقول إنه إذا كان هناك أمر واحد يرغب من قرائه أن يتذكروه، فهو أن على نسب ولادة الأطفال أن تتغير، مضيفاً أنه حتى لو تمكن الغرب من ترحيل كل غير الأوروبيين اليوم، فإن الأوروبيين يتوجهون إلى الانقراض والموت المحتوم. وحدهم “الغزاة” المسلمون الآتون بأساليب شرعية إلى أوروبا، والذين سهلت وصولهم الدول والشركات الطامعة بعمالة رخيصة ومستهلكين ودافعي ضرائب، ينجبون أطفالاً ويتكاثرون من أجل أخذ مكان الرجل الأبيض. “ما نعيشه هو احتلال من نوع لم يشهده التاريخ”.

تعابير مختلفة يستخدمها في النص، من أجل الحديث عن المهاجرين: فهم الغزاة وهو تعبير يستخدمه بمعدل 3 مرات في الصفحة وهم المحتلون وهم الأعداء وهم مجرد “حثالة غريبة تكبدت مشقة القدوم إلى أوروبا”.

“إنها إبادة الرجل الأبيض،” يضيف مستخدماً الأحرف الكبيرة كما يفعل في مرات متتالية للتعبير عن غضبه العارم.

في الجزء الثاني من النص، وتحت عنوان الإجابة على أسئلة افتراضية، يقدم تارنت مادة يقول سلفاً إن الإعلام سيحبها كثيراً.

في جمل قصيرة يجيب على أسئلة محددة، غير مرتبة وفي كثير من الأوقات مكررة. النبرة هنا مختلفة تماماً. يعرف عن نفسه. “أنا رجل أبيض عادي، في الثامنة والعشرين من العمر. ولد في أستراليا لعائلة من ذوي الدخل المحدود منتمية إلى الطبقة العاملة”. والداه من أصول اسكتلندية وإيرلندية وإنكليزية.

طفولته عادية. لم يهتم بالتعليم وكان بالكاد يحصل على العلامات الضرورية من أجل الترفع.

لم يذهب إلى الجامعة لأنه لم يجد أي موضوع يثير اهتمامه حتى يتابع دراسته. في فترة سابقة جمع بعض الأموال عبر الاستثمار في Bitcoin، واستخدم ما ربحه للسفر حول العالم.

في النص يظهر تارنت أكثر من مرة كمواطن مثالي للعالم الافتراضي، فالإنترنت كما يقول هو مصدر معلوماته. “هناك فقط يمكنك أن تجد الحقيقة”. عدوه الأول هو العولمة من دون أن يسميها. فهو يحب الثقافات المختلفة. لا يكره المسلمين ولا الإسرائيليين، شرط أن يبقوا في بلادهم. الجمال بالنسبة إليه مثل قوس قزح، على الألوان أن تبقى منفصلة ليكون جميلاً. الصين هي نموذج الدولة التي تعجبه، أما الاعمال الأدبية التي أثرت به بشكل كبير، فعلى رأسها كتابات السير اوزوولد موسلي، وJusticiar Breivik. يعتبر ترامب رمزاً للهوية البيضاء الجديدة ولكنه لا يحترمه كسياسي أو كقائد.

الانتقام للأجداد سبب أساسي من الأسباب وراء عمليته، وأيضاً من ليبرهن  للمحتلين أن أرض الأوروبيين لن تكون لغيرهم. أما الهدف فهو خلق أجواء رعب واستدراج الغزاة إلى ردود أفعال تؤدي إلى مزيد من العنف الضروري “لتدمير هذا الجنون العدمي القائم على المتعة الشخصية والفردية”. من بين الأهداف أيضاً إخراج تركيا من الناتو وإشعال حرب أهلية في الولايات المتحدة. اختياره أداة الجريمة كان تماماً من أجل ذلك، لأنه يعي جيداً انه سيعيد فتح النقاش في أميركا حول الأسلحة الفردية، وهو موضوع كفيل بتدمير الدولة وبلقنة الصراع هناك، ويكون ذلك بمثابة رد على ما فعلته الولايات المتحدة في حرب البلقان، من محاربة المسيحيين إلى جانب المسلمين.

مرة أخرى يغير تارنت نبرته، وهذه المرة للحديث عن الظروف التي أدت إلى تطرفه. بأسلوب قصصي يروي أحداث زيارة إلى أوروبا الغربية عام 2017 أخذته إلى فرنسا، وإسبانيا والبرتغال. يتحدث عن ثلاثة أحداث وقعت كلها خلال شهر نيسان/ أبريل غيرت كل قناعاته. فهو كان مثل كل أفراد عائلته قبل ذلك. غير مبال. الحدث الأول كان تفجير استوكهولم. من بين الضحايا ايبا، فتاة صغيرة كانت تتجه لمقابلة أمها، قتلها الغازي عن قصد غير آبه بطفولتها. لهذه الطفلة، “الصغيرة والبريئة والميتة”، يهدي تارنت عمليته. الحدث الثاني كان الانتخابات الفرنسية التي نجح فيها إيمانويل ماكرون الذي يمثل كل ما يكرهه. هذا لا يعني أنه معجب باليمين المتطرف الذي خسر المعركة، فهم أيضاً جبناء غير قادرين أن يحققوا أي شيء. الحدث الثالث كان حين شاهد سيطرة الغزاة على القرى والمدن الفرنسية. بطريقة روائية يخبر تارنت كيف وقف أمام مقبرة للمقاتلين القدامى في إحدى المدن الفرنسية.

مشاعره كانت تتراوح بين “الغضب الهائل واليأس الخانق”.

“شاهدت كل الصلبان الممتدة على مساحة تبدو من دون نهاية وفكرت أنه على رغم كل هذه التضحيات، خسرنا إلى هذا الحد”. يخبر تارنت كيف صار يبكي وينتحب وحيداً داخل سيارته.

“أمام هذه الصلبان تحول يأسي إلى عار، وعاري إلى ذنب، وذنبي إلى غضب ثم غضبي إلى ثورة”.

التخطيط استمر سنتين وهو الوقت الضروري من أجل التدريب والتخطيط والاهتمام بأموره وكتابة أفكاره ومن ثم القيام بالعملية. أفكاره هذه كتبها بداية على مدى سنتين في 240 صفحة، قام في يوم ساورته فيه بعض الشكوك بحذفها كلها ثم عاد وكتبها على عجالة بـ74 صفحة. وجد أن أفعاله ستكون في كل الأحوال أكثر فعالية من أي نص يكتبه.

يعود بعدها للرد على الأسئلة السريعة. اختيار نيوزلندا كان للتأكيد أن الغزاة وصلوا إلى كل مكان واختيار المساجد كان أمراً طبيعياً، مع أن الهدف الأساسي كان في منطقة اشبرتن، والهدف كان كنيسة سابقة تم تحويلها إلى مسجد.

يؤكد أن لا علاقة له بأي مجموعة، ولكنه على تواصل مع بعض مجموعات اليمين المتطرف وحصل على بركة منظمة “فرسان التمبلرز”.

على رغم اللهجة القيادية التي يعتمدها في نصه، يؤكد تارنت تكراراً أنه غير راغب بأي شهرة، وأنه ليس قائداً، بل مناصر ستستمر ارتدادات فعلته وتتكاثر على مدى سنوات.

من خلال أجوبة سريعة وفي كثير من الأحيان متناقضة يعطي فكرة عن هويته.

يعترف بأنه يعاني من رهاب الأجانب، ويكره المهاجرين ولكنه يحب الثقافات الأخرى، فهو أمضى فترة طويلة في السفر، وكان يعامل في كل الوقت بطريقة “رائعة”. يقول إن تعريف الاسلاموفوبيا لا ينطبق عليه، إذ إنه لا يكره المسلمين الذين يعيشون على أرضهم، ولكنه أيضاً يرغب بالانتقام من 1300 سنة من الحروب التي قادها المسلمون ضد الأوروبيين.

يسأل نفسه سؤالاً، لماذا يتحدث عن الأوروبيين وهو أسترالي؟ يجيب نفسه، من هم الأستراليون سوى أوروبيين سكارى؟ ثم بجدية أكبر يقول إن أستراليا امتداد لأوروبا.

في الجزء الثالث من النص، يعطي تارنت التعليمات لمناصريه. يدعوهم إلى قتل أعداء الرجل الأبيض، على رأسهم أنجيلا مركل وأردوغان ورئيس بلدية لندن، إضافة إلى رؤساء الشركات المناهضين لقضية البيض.

“أنا شخص أبيض عادي”، يكررها تارنت مرة بعد مرة في نص أقل ما يقال فيه إنه صادم ومرعب. وكما كشف فيديو الجريمة أثر ألعاب الفيديو في وعي تارنت، في النص أيضاً أثر لهذا الجنوح. لا يمكن أن يكون هذا الفيديو حقيقياً. ولكن المجزرة حقيقية. وما النص إلا تأكيد على عنف يؤمن به كثرٌ ممن يعتبرون أنفسهم “مجرد رجل أبيض”.

ذئب نيوزيلندا… وذئبنا

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

زينب المشاط – صحافية عراقية
تصريحات زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ودعوته إلى استمرار الاحتجاج السلمي، وموقف أتباعه عبر استخدامهم كدروع بشرية لحماية المتظاهرين السلميين، جعل الصدر وجماعته مستهدفين من الجهات التي تريد إنهاء الاحتجاجات..
زينة علوش – خبيرة في السياسات الرعائية
مما لا شك فيه أن نفوذ المؤسسات الرعائية، بات أكبر من أي سلطة مدنية لأنها تلطت خلف حمايات إلهية، لا تسمح بالمساءلة والمحاسبة. يحصل كل هذا والأطفال المعنفين شواهد على سطوة الطوائف وتسلطها.
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
لم يسبق أن تعاملت الجيوش الإلكترونية والواقعية والشخصيات المحسوبة على “حزب الله” مع خصومها، كما تتعامل مع ديما صادق، في حملة مستمرة لا تتوقف.
ميزر كمال- صحافي عراقي
ليلة حزينة وعنيفة عاشتها العاصمة العراقية بغداد، بعد غزوة الميليشيات المسلحة التابعة للأحزاب الإسلامية الموالية لإيران، وتنفيذها مقتلة مروعة في ساحة الخلاني وجسر السنك
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
غزوة الأمس أسفرت بحسب “رويترز” عن 19 قتيلاً وعشرات الجرحى من بين المتظاهرين. ومئات الفيديوات تفضح المهاجمين.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
بدا المشهد مصارحة واضحة وتعبيراً لا لبس فيه عن فساد السلطة وتخاذل أهلها. فالسيول، بما فيها من زجاجات فارغة وقشور برتقال وجيف حيوانات، جرفت السيارات واقتلعت الأشجار على طريق الدامور- الجية.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email