fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Atlantic

ترجمة - The Atlantic

مقالات الكاتب

ماذا يعني أن تكوني أمّاً سيئة؟

كانت بحيرة فيرمونت مكاناً ملائماً تماماً لتمضي أمٌّ وابنتُها يوماً معاً. أحضرت الأم الماء والمناشف، ووضعت الابنة -وهي طفلة متحمّسة- أصابع الجبن في المبرِّد. وعندما وصلتا إلى الشاطئ، أمسكتا بالمبرد معاً وأرجحتاه معاً أثناء سيرهما نحو الماء.

غير أنّ ابتسامة الأم شابها توتر، لأن هذا الوقت العائليَّ الممتع سيخضع لمراقبة حثيثة، إذ كانت تصحبهما خلاله شارون لامب، عالمة النفس التي تُقيّم الآباء والأمّهات وتُعطي توصياتٍ لمحاكم الأسرة، في ما إذا كان ينبغي حرمان الوالدين من الحق في حضانة أطفالهم. أقامت الابنة في إحدى دور الرعاية مدّة عامين، وكانت والدتها مُهدَّدة بخسارة حضانتها إلى الأبد.

ظلّت لامب تكتب ملاحظاتها خلال اليوم عمّا إذا كانت الطفلة تشعر بالقرب من والدتها. لقد راقبت أيضاً التفاصيل الصغيرة، مثل تذكُّر الأم إحضار الطعام وواقي الشمس لطفلتها من عدمه. بُعَيد وصولهما، ركضت الأم إلى الشاطئ تاركةً ابنتها خلفها على الرمال، حيث وقفت خائفة ترتدي زيَّ سباحةٍ فضفاضاً. كتبت لامب عن ذلك في كتابها الجديد “أمٌّ ليست جيّدة بما فيه الكفاية” The Not Good Enough Mother، الذي روَت فيه تفاصيل الرحلة إلى البحيرة وقصصاً أخرى تعرضت لها أثناء عملها، “هل أخطأتُ في توقّع ما كنت أفضِّل رؤيته؟ أن تتلقى الفتاة الصغيرة المتخوِّفة قدراً أكبر من التشجيع؟”.

في الأعوام الأخيرة ارتفع عدد الأطفال الموجودين في دور الرعاية، بعدما كان انخفض إلى أقل مستوى له عام 2012. منذ عام 2000، تضاعف تحديداً عددُ الأطفال الذين يدخلون دور الرعاية، بسبب تعاطي آبائهم المخدرات، وذلك عندما اجتاحت أزمة الأفيون الولايات المتحدة. وتُوكَل مهمة اتخاذ القرار في ما سيحدث لهؤلاء الأطفال إلى لامب وأمثالها من علماء النفس، الذين يجدون أنفسهم في موقفٍ صعب: إذ يتوجَّب عليهم وصف الطبيعة الحقيقية للرابطة التي تجمع بين الطفل/ الطفلة والأم -التي عادةً ما تكون بمفردها، على حدّ قول لامب- بناءً على محض تفاعلات قليلة متكلّفة بينهما، والتنبؤ بكيفية سير الأمور في المستقبل. فإذا بدت طريقة اعتناء الأم بالطفلة غير آمنة، يكون على المحكمة أن توصي بفصلها عن طفلتها، وهي نتيجة مأساوية في نظر معظم الأميركيين.

في الأعوام الأخيرة ارتفع عدد الأطفال الموجودين في دور الرعاية، بعدما كان انخفض إلى أقل مستوى له عام 2012.

تدرك لامب أهمية منع الاعتداءات والإهمال، إلا أنها تشعُر بالضيق حيال مساعدتها في التمييز بين الأم الجيدة والأم السيئة. هل النزول في الماء من دون ابنتك يجعلكِ أمّاً سيئة؟ هل إحضار أصابع الجبن يجعلك أمّاً جيدة بما يكفي؟ أو ماذا؟

لامب أستاذة في علم النفس في جامعة ماساتشوستس في بوسطن. وعلى صعيدٍ منفصل، تتولّى سنويّاً قضيتين أو ثلاثاً مماثلةً لتلك. قالت لي في حوارٍ أجريته معها، “هذه القضايا مثيرة للتوتر جدّاً”. في مرحلةٍ ما في كتابها، تذكر لامب أنها فكّرت في التوقف تماماً عن العمل في ذلك النوع من التقييمات. كان تبدأت تتولى تلك القضايا بعد وقتٍ قصيرٍ من انتقالها إلى فيرمونت عام 1996، عندما استدعاها مدَّعٍ عام محليّ لتقييم حالة صبيٍ في دار رعاية، وهذا ما جعل اسمها يقفز إلى قوائم محامي محاكم الأسرة.

تقول لامب إنه عادةً ما تستدعيها إدارة الأطفال والأسر لتقييم القضايا التي تضم أطفالاً صغاراً عاشوا في دور الرعاية لأكثر من سنة، ولا تتحسن أوضاع آبائهم. في أكثر من نصف القضايا التي تعمل بها، يقرِّر القاضي وضع الأطفال مع عائلاتٍ جديدة بصفة دائمة. أخبرتني لامب أنها أحياناً تُجرِي تقييمات لمحامي الآباء والأمّهات أيضاً ليثبتوا للمحاكم أنهم -أي الآباء والأمّهات- مناسبون لحضانة الطفل.

كي نكون واضحين، فالآباء والأمّهات المُهدَّدون بفقدان حضانة أولادهم اقترفوا ما هو أكثر من جرح مشاعر هؤلاء الأولاد. كما أخبرتني لامب وخبراء آخرون، عادةً ما تشمل قضايا هؤلاء الآباء والأمّهات عدَّةَ بلاغات بالاعتداء أو الإهمال في حق أولادهم، بما في ذلك الإسراف في تعاطي المخدرات في المنزل والعجز عن الاستفادة من المساعدة التي يعرضها المرشدون الاجتماعيون. أحياناً قد يتصل أحد الجيران، لأن طفلاً في الثانية من عمره متروكٌ من دون رعاية، أو قد يتصل أحد المعلِّمين لأن الطفل لا يأتي إلى المدرسة. هناك بعض الآباء والأمّهات المنعزلين والذين لا يملكون أصدقاء، وفي هذه الحالة تكون خدمة حماية الطفل هي الملاذ الأخير الذي ينقذهم. إنها المرحلة التي تتدخّل فيها الحكومة لتقول إنه ربما كان بوسع البالغين العيش بهذه الطريقة، ولكن ليس الأطفال.

تفهم لامب كل هذا، لكنّها -بشكلٍ شخصي للغاية- تعرف أيضاً أنه حتى أعلى درجات حسن النية في التربية لا يمكنها تفادي حدوث الكوارث، إذ تذكر لامب أنه ابنها نفسه عانى من إدمان المخدرات. وفي مرحلةٍ ما من كتابها، تقارن أهمية ما تصفه بـ”حبّ الأم” -الرابطة الخاصة بين الأم وطفلها- مقابل “الاستقرار الموجود في دور الرعاية”، فهي تسأل نفسها، ما نوع الاستقرار الذي قدمته؟ وتتساءل عمّا إذا كانت تربيتها ساهمت في إدمان ابنها. خُصِّص قِسمٌ في الكتاب للحديث عن مشقة البحث عن مؤسسة إعادة تأهيل من أجل ابنها، وهناك أقسام أخرى تتناوَل الأكاذيب والمخاوف المُرافِقة لوجود فرد مدمن في العائلة.

تتبع لامب في تقييماتِها مبادئ توجيهية سريرية، تضم مراقبة البالغين في أداء أدوارهم كآباء وأمّهات، مثلما فعلَت مع الأم وابنتها على شاطئ البحيرة. تصف أيضاً واحدة من الأمهات سخرت من طفلتها لأنها جرحت نفسها، بدلاً من من تقبيل أصابعها. وكما أخبرتني، فهذه كانت علامة على “عدم قدرتها على التأقلم مع طفلة في حاجةٍ إليها”.

تعتني لامب أيضاً بدراسة ردود فعل الأطفال تجاه آبائهم البيولوجيين. ومن بين الأمور التي تبحث عنها هو ما يُدعى “التعلّق الآمن”، أو الانطباع بأن الطفل في إمكانه الاعتماد على والده أو والدته إذا شعر بالتردد أو الخوف. على الجانب الآخر، يمكن أن يتجلّى “التعلّق غير الآمن” بطرقٍ متعددة؛ إذ قد يُسفر التعلق القلِق عن طفل متشبِّث للغاية، أما الطفل فاقد الارتباط فيتصرف وكأنه لا يحتاج إلى الأبوين، والطفل المُشوش يتصلب أو ببساطة لا يعرف ما عليه فعله.

كي نكون واضحين، فالآباء والأمّهات المُهدَّدون بفقدان حضانة أولادهم اقترفوا ما هو أكثر من جرح مشاعر هؤلاء الأولاد.

وحتى عندما يحاول الجميع -الشخص الذي يقوم بالتقييم، والمرشد الاجتماعي، والقاضي- تأدية أعمالهم بدقة، يظل نظام رعاية الطفل مفجعاً وظالماً في أوقات. تقول جوليان ولارد، محامية سبَقَ أن عملت مع لامب، إن تعامل الآباء والأمّهات الحسن مع المرشد الاجتماعي يلعب جزءاً كبيراً في تحديد ما إذا كانوا سيحصلون على حضانة أولادِهم. وقد تتطلّب هذه العملية مستوى من المهارات الاجتماعية والدبلوماسية لم يتعلّمه معظم الناس؛ وخاصة الآباء والأمهات محدودي الدخل. تقول ولارد “إنّه لَأمرٌ صعب أنْ تجلس في اجتماع فيه 10 أشخاص يجلسون على الطاولة، يتحدثون عنك وعن مهاراتك التربوية”.

هناك مَيلٌ إلى إيقاع عقوبة على بعض الكوارث الأبويّة دون غيرها. فمتلازمة الكحول الجنينيّة منتشرة بصورة مفزعة، ولكن كما تقول لامب، “لو انتزعنا الأطفال من كل البيوت التي يُعاني أهلها من إدمان الكحول، فسيكون من الصعب إيجاد دور رعاية تكفي هذا العدد من الأطفال”. تصف لامب مراراً كيف نبدو -كمجتمع ونظام، بل حتى الأطفال أنفسهم أحياناً- وكأننا نترقّب من الأمّهات أكثر بكثير ممّا نترقّبه من الآباء. تقول في كتابها “يُنظَر دائماً إلى الأمّهات اللواتي لا يقدّمن الحماية لأطفالِهنّ على أنّهن أسوأ من الآباء الذين يسيئون المعاملة”.

يختلف الآباء والأمّهات أنفسهم بشدّة. فغالباً ما يكون لدى الفقراء والأغنياء تعريفات مختلفة لمعنى التربية “الجيّدة بما فيه الكفاية”، فربّما نشأوا على نحوٍ مختلف ومرّوا بدرجاتٍ مختلفة من الضغوط النفسيّة والعصبيّة عند وصولهم إلى سنّ الرشد. إنّ تكتيكاً تربويّاً لا يعدو كونه صارماً حين تمارسه أمٌّ ما قد يبدو وحشيّاً حين تمارسه أمٌّ ينظَر إليها بالفعل على أنّها مشبوهة.

يلعب المال دوراً جزئيّاّ في تقرير مَن ستكون لديه إمكانيّة التعامل بوضاعة مع الإفلات من العقاب. قالت إيمي تساي، “الأمّ النمرة سيّئة الصيت، إنّها رفضت مرّةً قبول بطاقاتٍ صنعها أطفالها يدويّاً، لأنّها لم تكن مصنوعة بعناية كافية. في مرحلةٍ ما من الكتاب، تشير لامب إلى أنّه لو تعاملت أمٌّ أقل ثراءً وإنجازاً بالطريقة ذاتها مع أطفالِها، لَربّما فقدت حقّ رعاية هؤلاء الأطفال وحضانتهم. أخبرتني لامب أنّه ربما كان من النادر أن يقوم الناس بإبلاغ الشرطة حالَ رؤيتهم أمّاً تعنّف أطفالها وتنتقدهم على الملأ، إن كان يبدو عليها الثراء. تقول “من الممتع التأمّل والتفكير في مَن له حقّ الاعتداء اللفظيّ على أبنائه، ويبدو أنّه مع امتلاك المال يحصل المرء على هذا الحق”.

ومثلما يمكن أن يحمي المال الآباء والأمّهات من عقوبة الإهمال وإساءة المعاملة، فإنّ غيابه هو غالباً ما يخلق الظروف المؤدّية إلى ذلك. منذ سنوات أخبرني مدَّعٍ عام في تكساس، فضَّلَ إخفاء هويّته ليتحدّث بحرّيّة عن بلدته الصغيرة، أنّه يرى كثيراً من الأطفال يُتركون في المنزل مع “آباء بيولوجيّين” غير أكفاء لمهمّة الرعاية، بعد انفصال الزوجين، لأنّ على الأمّ أن تعمل وليس باستطاعتها تقديم الرعاية للطفل، وأسر مكدسة في مقطورات قديمة، لا تحوي ثلاجاتها المعطوبة سوى زجاجات لبن فاسدة… حتى الوصول إلى كنيسة توزّع حفاضات مجانيّة للأطفال يحتاج إلى سيّارة.

تضع لامب تعريفاً لمعنى التربية والرعاية “الجيّدة بما يكفي”، وهي القدرة على فهم ما يدور في رأس طفلك.

في النهاية، يتحتّم على محاكم الأسرة تقرير ما إذا كان الآباء والأمّهات سيقدّمون الرعاية المناسبة لأطفالهم. لا تدور المسألة هنا حول ما إذا كان الآباء البيولوجيّون يتفوّقون على الآباء بالتبنّي؛ وإنّما حول كونهم جيّدين بما يكفي في مهمّة تقديم الرعاية. تقول بام مارش، محامية من فيرمونت غالباً ما تمثّل الأطفال في قضايا رعاية الطفولة، “نبحث عن الاستقرار من أجل الأطفال… ولا يجب أن تكون الرعاية ممتازة. ليس على الأمّ أن تكون حاصلة على جائزة الأمّ المثالية، أو أن يكون الأب حاصلاً على جائزة الأب المثالي، ليحظيا بحقّ حضانة الطفل”.

مع قرب نهاية الكتاب، تضع لامب تعريفاً لمعنى التربية والرعاية “الجيّدة بما يكفي”، وهي القدرة على فهم ما يدور في رأس طفلك. أثناء لقائنا، وصفت هذا بأنّه نوعٌ من التعاطف، والإحساس بطفلك بكامل شخصيّته، والاهتمام بما يفكّر فيه ويشعر به. تقول لامب، إنّ هذا النوع من التربية والرعاية يعني أن يفكر الأبوان عند رؤية طفلةٍ تعاني أزمة وحزناً شديداً، إنّها غاضبة لهذه الدرجة لأنّهما وعداها بأن يُحضِرا لها هذه الهدية أو تلك ونسيا، لا أن يفكّرا أنّها فقط مدلّلة.

ليس الكتابُ دعوةً إلى إصلاح نظام رعاية الطفولة. أثناء لقائنا كانت لامب تتخيّل نوعاً واحداً من التدخّل، على رغم اعترافها بصعوبة تطبيقه وقلّة احتماليّته. بحسب توقّعاتها، قد تكون أفضل طريقة في الواقع هي إنشاء دور رعاية وتأهيل للآباء والأمّهات، الذين تكون نتيجة تقييمها لهم أنّ لديهم قصوراً في تقديم الرعاية لأطفالهم. تقول لامب إنّه بهذه الطريقة يحصل هؤلاء الآباء أنفسهم “على الرعاية في دارٍ للرعاية، فيما يحظى طفلهم بالرعاية مع أبوين بالتبنّي”. ربّما كانت هذه الطريقة الوحيدة لمساعدة أولئك الآباء والأمّهات الذين يعانون من صدماتٍ نفسيّة ويكافِحون للوصول إلى أن يكونوا “جيّدين بما يكفي”، وأبعد من ذلك. تقول لامب إنّ أمّاً انخرطت في الفوضى أو تعاطت المخدّرات، أو أخفقت في الالتزام بمواعيد لقاء طفلتها أو تقبيل الإصبع المتألّمة، هي أمٌّ “بحاجة إلى ذلك النوع من الحبّ”.

هذا المقال مترجم عن موقع  The Atlanticولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي.

عن أخطاء النساء المغفورة والخيانات الزوجية المحتملة

إقرأ أيضاً