fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Salon

ترجمة - Salon

مقالات الكاتب

ماذا يحصل داخل معسكرات الاعتقال التي أنشأها ترامب؟

تعمدت إدارة دونالد ترامب إحداث الكثير من الألم والمعاناة  للمهاجرين واللاجئين غير البيض القادمين على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك وأماكن أخرى. وقد لقى ما لا يقل عن 11 شخصاً مصرعهم من بينهم 7 أطفال. كما وردت آلاف التقارير عن تعرض الأطفال للإيذاء والاعتداءات على أيدي موظفي الدوريات الحدودية والمؤسسات المتصلة بها في الفترة بين عامي 2014 و2018. وعلى الأرجح أن الوضع ازداد سوءاً في ظل إدارة الرئيس ترامب.

لم يسلم الرضع والأطفال والبالغين من تعرضهم للاحتجاز في معسكرات الاعتقال التي أنشأها ترامب، فضلاً عن عدم توفر إمكانية الوصول إلى المياه النظيفة أو معجون الأسنان أو الصابون أو أي من أدوات النظافة الصحية الأخرى، علاوةً على عدم حصولهم على طعامٍ كافٍ أو أماكن آمنة للنوم أو رعاية طبية كافية. بالإضافة إلى ذلك، فقد تواترت التقارير عن إجبار المحتجزين على الشرب من دورات المياه، ووضعهم في ظروف بالغة الخطورة لدرجة أن ضباط دوريات الحدود سلّحوا أنفسهم استعداداً لانتفاضة وشيكة. في معسكرات الاعتقال التي أنشأها ترامب، تجد الأطفال مغطون بالفضلات البشرية وغيرها من القاذورات لأنهم ممنوعين من الاستحمام.

على سبيل المثال، يتسم معسكر احتجاز دورية الحدود في بلدة كلينت بولاية تكساس بالقذارة الشديدة، على نحو ما نشرت صحيفة النيويورك تايمز.

على غرار طريقته في التعامل مع معظم الأمور، كذب ترامب فيما يخص هذا الوضع غير الأخلاقي. وصرح إلى الصحافة قائلاً “رأيتُ بعض هذه الأماكن وهي تدار بشكل جميل. إنها نظيفة وجيدة، وتقوم بعمل رائع”.

وصف عملاء ترامب في الحزب الجمهوري، وآلته الإعلامية التي ترعاها الدولة، شبكة فوكس نيوز، المأساة التي يعاني منها المهاجرين واللاجئين بأنها أشبه بحفلة منزلية أو مخيم صيفي.

كتب ترامب على تويتر: “إذا كان المهاجرين غير الشرعيين غير راضين عن أوضاع مراكز الاحتجاز التي بُنيت أو أُعيد تجهيزها على عُجالة، أخبروهم ألا يأتوا. وهكذا تكون قد حُلت جميع المشاكل”.

ليست هذه الأوضاع المزرية من قبيل المصادفة. بل هي أقرب إلى النتيجة المرجوة لخطة رئيسية. فعلى الرغم من المجهودات الحثيثة والمتكررة، لا يبدو نظام ترامب وآلاته الدعائية قادرين على إخفاء الحقيقة. بطريقةٍ ما، وكما هي العادة دائماً، تظهر الحقيقة، وتجد الجماهير المتعطشة طريقها لمعرفتها.  

كيف تشجع ثقافة دورية الحدود والوكالات الفيدرالية الأخرى، بما فيها وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك ICE، على مثل تلك الوحشية المُمارسة في مراكز الاحتجاز؟ هل ترقى هذه الوحشية إلى مستوى التعذيب؟ هل ينتهك نظام ترامب القانون الأميركي والدولي في معاملته للمهاجرين واللاجئين؟ هل تلك القسوة من جانب الحكومة مع المهاجرين واللاجئين مجرد جزء من خطة استبدادية أكبر؟

وفي محاولةٍ للإجابة عن تلك الأسئلة، تحدثتُ مؤخراً مع هوب فراي، محامية حقوق الإنسان. تعمل فراي في الدفاع عن الكرامة الإنسانية والحقوق المدنية للمهاجرين واللاجئين والفئات الأخرى المستضعفة، منذ 40 عاماً. وقد انخرطت في الأمر بعدما صارت رئيسة مركز حقوق الإنسان والقانون الدستوري، وهي الآن تقود فرقاً من المحامين والأطباء إلى مراكز الاحتجاز التابعة لمكتب إعادة توطين اللاجئين ORR، ووكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك بالولايات المتحدة ICE، وهيئة الجمارك وحماية الحدود بالولايات المتحدة CBP، لمراقبة التزامهم باتفاقية فلوريس لعام 1997، التي تنظم مسائل التعامل مع المهاجرين واللاجئين الأطفال الذين لا يرافقهم أحد. وهي أيضاً منسقة متطوعة في مركز حقوق الإنسان والقانون الدستوري.

راقبت فراي المعاملة التي يتلقاها المهاجرين واللاجئين من الأطفال في عدة مراكز احتجازٍ حكومية، منها مركز مكالين في تكساس، وهومستيد في فلوريدا، ومراكز متعددة في وادي ريو غرادني.

كيف يمكن لدوريات الحدود ووكالة ICE أن تتشرب ثقافة التطبيع مع الوحشية ضد المهاجرين واللاجئين غير البيض إلى هذا الحد؟ هل شجع دونالد ترامب على هذا السلوك السيء؟

صممت دورية حدود الولايات المتحدة لتكون جهة إنفاذ قانون مُسلحة، تتعامل بالأساس مع الذكور. وصممت كذلك للتعامل مع المسكيك في بادئ الأمر. يعتبر العاملون في دورية الحدود أنفسهم “حراساً على البوابة”. توسّعت أعمال المنظمة للغاية على مرّ الأعوام. وهم يحملون الأسلحة في مراكز الاحتجاز. أي أنهم فعلياً يمثلون قوة تابعة لجهاز الشرطة. والمتداول هو أن الأشخاص الذين يتقدمون بطلب الالتحاق  بدورية حدود الولايات المتحدة، هم فعلياً يتقدمون ليصبحوا عملاء إنفاذ قانون.

ثم بعدها تضع أشخاصاً لهم هذه التوجهات والتطلعات ليعملوا في دورية الحدود حيث عليهم التعامل مع عدد كبير من الأطفال. هذا المكان بالأساس يُعتبر سجناً للأطفال، وحراسه هم عملاء دورية الحدود. ثم أضف إلى ذلك المزيج الخطاب السائد والمزاج العام، حيث تتعمد إدارة ترامب التصرف على نحو هدّام مثير للفرقة. صُممت سياسات ترامب لتُبقي المجتمع الأمريكي ممزقاً ولتزيد الانقسامات.

في ظل الانقسامات، يصبح توطيد السلطة المركزية أسهل بكثير. تنشغل إدارة ترامب الآن بخلق “آخر”؛ هم المهاجرون واللاجئون. بالنسبة لترامب وحلفائه، فهؤلاء المهاجرين واللاجئين غير البيض هم المغتصبون؛ إنهم “قوافل” من السُمر آتون “لغزو” أمريكا. تعمل هذه اللغة الخطابية على التشويش على ما يحدث حقيقةً لأشخاص حقيقيين. لا يتوقف خطاب ترامب عند وصف هؤلاء بالـ “غزاة” لأن هذا الوصف يختفي عندما تحتجزهم دورية الحدود. 

الخطوة المقبلة في جهود ترامب لخلق الانقسامات والفرقة والخوف، هي البدء في إطلاق سراح هؤلاء المهاجرين واللاجئين وإجبارهم على ارتداء أجهزة تحديد المواقع في كواحلهم. تتركهم في محطات الحافلات في تكساس وأريزونا، القريبة من الأماكن التي سيُعتقلون منها ويُحتجزون فيها. وهو يخلق بذلك تجمعاً لعدد كبير من الناس في مكان بلا موارد. أي يخلق هذه الكتلة من البشر، هذا الآخر الذي لطالما “حذر منه”. وبهذا يتحول كلامه إلى واقع، لكنه واقع زائف.

 ماذا رأيتِ خلال زياراتكِ لِمراكز الاحتجاز التابعة لدوريات الحدود تلك؟ وهل كانت الأوضاع مختلفة عمّا كنتِ تتوقعينه؟

في عام 2017، أصدرت القاضية دولي جي حكماً شديداً استنكرت فيه انتهاكات هيئة الجمارك وحماية الحدود بالولايات المتحدة لـ “اتفاقية فلوريس” التي تعود لعام 1997. إذ لا يمتلك هؤلاء المهاجرون واللاجئون -من بينهم الأطفال أيضاً- الصابون أو الماء أو حتى التغذية الكافية. كما أن المصابيح مُضاءة طول الوقت، وقد تُرِكوا في ظروف مناخية قارصة البرودة ولا يتاح لهم التواصل مع عائلاتهم. كما وجد محققون، ومحامون في حقوق الإنسان، وغيرهم من باقي الهيئات الرقابية، أن هناك أمراض متفشية في هذه الأماكن.

وكان كل طفلٍ قابلناه إما مصاباً بالإنفلوانزا أو في إحدى مراحل التعافي منها. وكانت الأمهات والأطفال الرضع ينامون على الأرضية الأسمنتية مباشرة دون حصر أو بطانيات. ولا يتغذى الأطفال كما ينبغي. ولا يحصلون على السعرات الحرارية الكافية. هنالك أزمة صحيّة عامة في تلك المراكز. فالأطفَال لا يُفحصون بشكل دوريّ صحيح. ولا يُعطون الدواء اللازم. ولا تُهيأ لهم الظروف المناسبة للشفاء في حال مرضهم. إذ يتزاحم الأطفال المرضى مع غيرهم من الأصحاء داخل الأقفاص. هذا وضع لا يمكن تقبله بأيّ حال. حتماً سينتشر وباء في تلك المراكز.

ما هي التعهدات القانونية الملزمة بها الولايات المتحدة فيما يخص توفير الرعاية للمهاجرين واللاجئين المحتجزين؟ 

لأن الأطفال مشمولين في “اتفاقية فلوريس”، فيجب أن تُهيأ لهم أوضاع آمنة وصحية. يتضمن ذلك توفير الماء والصابون والمراحيض الصحية مع وجود مساحة كافية في أماكن احتجازهم، وأن تكون تلك الأماكن ذات تهوية مناسبة ومهيأة مناخياً ويمكن التحكم في درجة الحرارة بها، وأيضاً منحهم التغذية الكافية. كما تنص “اتفاقية فلوريس” على ضرورة أخذ مواطن الضعف الاستثنائية لدى الأطفال في الاعتبار. لذا فمن المفترض حصولهم على الرعاية الطبية، لا سيما في حالات الطوارئ. ومن المفترض كذلك الإشراف على الأطفال بصورة صحيحة، ولا يجب ترك الأطفال بمفردهم في أقفاصٍ مع تحميلهم مسؤولية رعاية أطفال صغار آخرين ليسوا حتى أقربائهم.

في النهاية، يجب أن يُعامل أولئك الأطفال بنفس الطريقة التي يُعامل بها طفل أميركي محتجز في بلد آخر. وهذه هي أبسط المعايير الأساسية.

كما من المفترض أيضاً ترحيل الأطفال بسرعة من مراكز دوريات الحدود وأخذهم إلى أماكن إيواء مُرخصة. لكن ما يحدث بدلاً من ذلك -كما شاهدنا في أماكن مثل مدينة هومستيد بفلوريدا على سبيل المثال- هو أن الأطفال يُكدَسوا في مراكز إيواء ذات مساحات ضيقة تشبه المستودعات. فهؤلاء المتعاقدون الذين يسعون إلى الربح لا يسخروا مواردهم وطاقاتهم من أجل إطلاق سراح الأطفال.  بل يُكدِسوا الأطفال في مستودعات مقابل 750 دولار في اليوم. في حين لا تكلف عملية إطلاق السراح سوى مبلغ زهيد في حال سير الإجراءات بشكل صحيح. كما أن هذه المراكز غير مرخصة. إذ توجد معايير حكومية بخصوص التغذية ومساحة المكان وترتيبات النوم والمسائل الأخرى الضرورية للطفل في المراكز المرخصة التي من المفترض أن يودع الأطفال بها. ويضمن الترخيص أيضاً إمكانية تفتيشها في أي وقت.

إن نقل الأطفال إلى هذه المراكز التي يتدفق إليها أعداد كبيرة للغاية، يُعد تحايلاً على القوانين التي وضعتها الدولة. حيث لا تطبق معايير السلامة والمعايير الأخرى الضرورية لحماية الأطفال المُعالين. ويجب على الأطراف الفاعلة الساعية للربح والتي تخضع للمساءلة من المساهمين تبرير الكيفية التي تدير بها الأموال. وما الذي يحدث عندما تحتجز أطفالاً وهدفك هو الربح؟ تخسر المؤسسات المال الذي تربحه بإبقاء الأطفال في هذه المستودعات وغيرها من المراكز.

من المفترض أيضاً احتجاز البالغين في أوضاع آمنة. ولا يفترض أن تكون هذه الأماكن سجون. بل مراكز احتجاز. يوضع المجرمين من جميع الفئات في السجون، سواء كانوا من المهاجرين واللاجئين أو من بين سكان الولايات المتحدة عموماً، وينبغي أن يحصلوا على جلسات استماع تسمح لهم بالخروج بكفالة، بناءً على التهم الموجهة إليهم. لا يستطيع معظم المهاجرين، وغيرهم من الأشخاص الذين لا يحملون وثائق، الفرار ولا يمثلون خطراً على المجتمع.

قبل بضعة أسابيع، قالت محامية في إدارة ترامب إن هؤلاء الأطفال من المهاجرين واللاجئين المحتجزين في المراكز التي أنشأها ترامب لا يحتاجون إلى الصابون أو فراشي الأسنان أو حتى الأسرة وغيرها من مستلزمات النظافة الأساسية. كانت هذه المحامية تبرر المعاملة القاسية واللا إنسانية التي يتلقاها الأطفال ثم تختبئ خلف الدفاعات الجوفاء قائلة إنها كانت تتبع الأوامر فحسب. بصفتك محامية، هل يُسمح لك برفض قضية ما مع القول، “إن هذا مخالف لضميري”؟

يجب على المحامي أن يمثل موكله بحماسة. ولو استطاع المحامي تحقيق ذلك فلا يهم ما إذا كان مؤمناً بالقضية أم لا، إلا في حالة القضايا الجنائية. عندما نكون في كلية الحقوق، و باعتبارنا محامين تحت التدريب، نتعلم الدفاع عن كلا طرفي القضية. لكن عندما يتعلق الأمر بضمائِرنا ومبادئنا الأخلاقية فإننا نتعامل باعتبارنا أفراد عاديين. بموجب “اتفاقية فلوريس”، ولأن الأمر عبارة عن نزاع قضائي، لا يُسمح لي بالكلام عمّا أراه، لكن عندما كان لدي طفل رضيع معرض للموت داخل مراكز الاحتجاز التابعة للدوريات الحدودية تلك ولم استطع إخراج الطفل وأمه منها، توجهت إلى الإعلام. فواجبي المتمثل في فعل أيّ شيء لمنع حدوث الضرر أكبر من واجبي تجاه النزاع القضائي.

ماذا حدث بالتحديد لهذه الأم الشابة وطفلها المبتسر؟

قررت رؤية أطفال الأمهات المراهقات، إذ يعتبر كلاهما دون مرافق. كان الوضع مريعاً. فقد جاءت إلينا فتاة شابة، تجلس على كرسي متحرك وتتألم ألماً شديداً. ذهبت إلى المكان الذي كانت ستجري فيه مقابلتها، وكانت معها هذه الصُرّة التي وضعت فيها قميصاً قذراً لونه رمادي مائل إلى السواد. كما كان مع هذه الفتاة شيئاً ملفوفاً ببَطّانِيّة. عندما أزاحت طرفها، ظهر رأس صغير لطفل ذو شعر أسود. ومن ثم رأيت وجهه؛ إنه طفلُ خديج. وكانت أمه تعاني من ألم مُبرح.

لقد ظلّا هناك لمدة 7 أيام، وما كان يتوجب عليهما أبداً أن يكونا في هذا المكان. هي لا تستطيع المشي ولم تسْتَحَم، وبالتالي لم يسْتَحَم الطفل أيضاً. أخذتُ منديلاً ونظفت رقبة الطفل من الوسخ العالق به. عملتُ من خلال المنظومة في البداية، كي أحاول إطلاق سراحها. وصعّدت الأمر بنفسي لأعلى الجهات، وعندما فشلت في إطلاق سراحها وشعرت أن هذا الطفل على حافة الموت، اتجهت لوسائل الإعلام. أحمّل الحكومة مسؤولية هذا الوضع.

أيعقل أن الحكومة الأميركية لا تجد مكاناً آمناً لطفلٍ خديج وأم بالغة من العمر 17 عاماً تتلوى من الألم؟ لماذا يتعين على الأم تحمل هذا؟ 

قيل لي إن أحد الأسباب التي تدفع الحكومة الأميركية لنقل المهاجرين واللاجئين إلى القواعد العسكرية هو أن هذا سيحد من الرقابة المدنية العامة، هل هذا صحيح؟

يستطيع المحامين العاملين بموجب اتفاقية فلوريس (الاتفاقية التي تكفل ضمانات رئيسية للحفاظ على صحة وسلامة الأطفال المهاجرين المحتجزين في السجون الحكومية) زيارة مراكز الاحتجاز. وقد اقترحت إدارة ترامب لوائح جديدة لسلب المراقبين الخارجيين حقهم في زيارة هذه المراكز. وينطبق نفس الشيء على السلطات الحكومية لأن مراكز النزوح، التي يتدفق إليها أعداد كبيرة للغاية، ليست مرخصة. وقد مُنع أيضاً أعضاء الكونغرس بالإضافة إلى جماعات حقوق الإنسان من زيارة هذه المراكز.

‏علاوة على الوفيات والاعتداء البدني بما في ذلك الاعتداء الجنسي، تفيد تقارير بأن المهاجرين واللاجئين الذين احتُجِزوا، في مرافق دوريات الحدود الأميركية، لا تتوفر لهم دائماً إمكانية الوصول الى الماء والصابون بل ويشربون من المراحيض، ويُقَدَم لهم طعام دون المستوى ولا يحظون بأماكن مناسبة للنوم. كما أخبر الصغار والكبار المراسلين ومراقبي حقوق الإنسان وحتى أعضاء الكونغرس، أن موظفي دوريات الحدود يوقظونهم بالليل حتى لا ينعمون بنوم هادئ. هل هذا العقاب القاسي منصوص عليه بموجب القانون الأميركي أو الدولي؟ هل هذا تعذيب ممنهج؟

‏بالتأكيد، فهو تصرف وحشي وسادي يصل في رأيي إلى حد التعذيب. أعتقد أن الولايات المتحدة لا ‏تنتهك قوانينها الخاصة فقط بل والقوانين الدولية الناظمة لشؤون اللاجئين وطالبي اللجوء. ينبغي على المجتمع الدولي، بما في ذلك حلفائنا، إدانة الولايات المتحدة. فقد ألزمت البلدان الأخرى بمعايير تنتهكها هذه الحكومة الآن.

التقيت فتاة صغيرة من هندوراس في أحد هذه المراكز، كانت في العاشرة من عمرها، وقد عُزلت بعيداً عن والدتها. بدا أن تلك الطفلة الجميلة تشعر بالتعب الشديد. وقالت لي “عندما كنت في ذلك المكان وكنت في ذلك القفص، لم أستطع النوم لأن المكان كان بارداً للغاية، وكانوا يتركون الأضواء مضاءة طوال الوقت. وأحياناً كنت أشعر بالنعاس وأستلقي على الأرض الخرسانية الصلبة وأنام ولكن بمجرد أن انغمس في النوم، كان أحد أفراد الشرطة يأتي ويركلني بقدمه لأستيقظ، ولذا كنت أجلس وأقول، ‘ماذا تريد؟’، ثم يذهب بعيداً. وظل يفعل ذلك في كل مرة أغفو فيها”. وسألتني “لماذا كان يفعل ذلك؟”

ماذا يفترض أن أقول لهذه الطفلة؟ أينبغي أن أقول لها أنهم ساديين وكانوا يعذبونك؟ ولذا قلت لها، “أنا لا أعرف، يا طفلتي العزيزة. وأنا آسفة أن ذلك حدث لك. أنا آسفة حقاً. هذا لن يحدث لك مرة أخرى بعد الآن”. وبعد أن صارت الآن خارج دورية الحدود، لن يجرؤ أحد على ركلها هكذا في مكان آخر. هذا ما حدث عندما كانت هذه الطفلة محتجزة من قبل دورية الحدود.

لماذا فعلوا ذلك؟ لماذا جعلها الحراس تنام على الأرض في قفص شديد البرودة؟ يجب أن نبدأ التحقيق من هنا. فكل ما تعرضت له من إبقاء الأضواء مضاءة وافتعالهم الضوضاء طوال الوقت، والحراس الذين حرصوا على إيقاظها وإلقاء الأشياء على القفص، لم يكن سوى تعذيب لها. هذا ما اعتادت الولايات المتحدة أن تفعله عندما كانت ترسل “الإرهابيين” لتعذيبهم فيما يسمى المواقع السوداء السرية في الدول الأخرى.

كيف كانت تجاربك المباشرة مع ضباط دوريات الحدود؟

قال لي أحد ضباط دورية الحدود، “حسناً، لا ينبغي أن يُنجب هؤلاء الفتيات المراهقات أطفالاً في هذا السن الصغير على أية حال. إنهن فاسقات”. لا توضح مثل هذه الجملة فقط الموقف الانتقادي الذي يتخذه ضابط دورية الحدود هذا عن أمر لا يعرف عنه أي شيء على الإطلاق، بل يوضح أيضاً عدم فهم ما يحدث لهؤلاء الأطفال في المجتمعات التي تسودها الفوضى وينعدم فيها القانون مثل تلك الموجودة في غواتيمالا وهندوراس والسلفادور. لقد سمعت بعض الآراء مثل “هؤلاء الأشخاص، ما كان يجب أن يأتوا إلى هنا في الأساس”، و “يجب أن يعاملوا من هذا المنطلق، كأشخاص لا يجب أن يكونوا هنا”، كما “يجب أن يعاملوا بقسوة لأن ذلك من شأنه أن يردع الآخرين”. وقد ثبت بالطبع أن ذلك غير صحيح.

لا يُمكن القول أن جميع ضباط دورية الحدود بهذا السوء. ولكن هناك ثقافة سائدة في دورية الحدود تشجع الأشخاص الصالحين على التزام الصمت. ولا أعتقد أن كل من في دورية الحدود سيئون بأي حال من الأحوال، بل أعتقد أن بعض الأشخاص ينضمون لدورية الحدود لكي يخدموا بلادهم. وأعتقد أن بعض هؤلاء الأشخاص يستسلمون لتلك الثقافة. إذ إنهم بعد كل شيء ينتمون إلى مؤسسة لتطبيق القانون ولذا نجد أنهم يتصرفون من هذا المنطلق. وعلاوةً على ذلك، يعرف ضباط دوريات الحدود هؤلاء أنهم يتعاملون مع مجموعة مستضعفة من السكان المعرضين للخطر ولا يحق لهم التعبير عن آرائهم.

ونظراً لأن المهاجرين واللاجئين لا يحق لهم التصويت، لذا فهم ليسوا جزءاً من أي دائرة انتخابية، ولا يوجد عضو في الكونغرس لتمثيلهم أو حمايتهم.

صرح دونالد ترامب في الآونة الأخيرة قائلاً “حَسناً، يجب أن تروا الأماكن التي أتوا منها. لقد جاءوا من أماكن فقيرة”. تحوي تلك الكلمات معناً ضمنياً وهو أننا نعاملهم بشكل جيد، لأنه مقارنة بالأماكن التي أتوا منها، فقد كانت أسوأ بكثير. تتسم طريقة التفكير هذه بالكثير من الغرابة. إذ أننا في الولايات المتحدة، نعتني بالأطفال، لأنهم مجرد أطفال وأغلبهم أطفال رضع. إنهم مجرد أطفال صغار لطفاء.

رأيت طفلاً في أحد مراكز دوريات الحدود، كان موجوداً هناك برفقة أمه المراهقة لمدة 20 يوماً. بدا وكأنه مصنوع من الشمع. فقد أصيب هو وأمه بالإنفلونزا لمدة 20 يوماً. كما كان هناك أطفال آخرين ملقون على الأرض  وأشخاص آخرون جالسون هناك. لم يكن هناك أثاث في تلك الغرف. كان هناك مرحاض في الزاوية. قالت لي فتاة أن المرحاض سد و فاض، كان خيارهم الوحيد في الليل هو الجلوس متقوقعين أمام تلك المراحيض القذرة. كانت ابنة أخيها معها أيضاً. أخذت  الفتاة قطعة من ورق الألمنيوم التي من المفترض أن تكون لحافاً ولفتها حول رأس ابنة أخيها حتى لا تتقيأ بسبب رائحة الحمام الكريهة. هؤلاء الذين تعاملهم حكومة الولايات المتحدة بهذه الطريقة الفظيعة هم مجرد أطفال صغار.

ما الذي يتعين على  الأمريكيين فعله، إذا شعروا بالاشمئزاز مما يحدث في هذه المراكز؟

إذا كان هذا طفلك ما الذي كنت لتفعله؟ لا يجب أن يغض الأمريكيون الطرف عما يحدث. نحتاج أن نسلط عليه الضوء. لا تدعوا الأمر يمر فقط لأن وسائل الاعلام تجاوزت الأمر. إن مجرد  التفكير في هذا أمر فظيع. لا تتجاوزوه، سلطوا الضوء على هذا الوضع المريع. اذهبوا إلى المشرعين واطلبوا منهم أن يتحركوا لإيقاف ما يحدث. 

باعتبار أنه سبق لك زيارة هذه المنشآت من الداخل، هل تعتبرينها مشابهة لـ “معسكرات الاعتقال”؟ وما تأثير ذلك على صورة الولايات المتحدة أمام العالم؟

عندما كنت في مدينة ماكالين، طلب مني برنامج تلفزيوني فرنسي شهير تصوير لقاء معهم. لقد صُدم الفرنسيون عندما عرفوا ما يحدث للأطفال والرضع في أميركا وكيف يُعامل المهاجرين واللاجئين. لقد أساءت إدارة ترامب بشكل كبير لسمعة الولايات المتحدة في العالم. والطريقة التي تتصرف بها إدارة ترامب على طول الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك والمعاملة السيئة التي يتلقاها المهاجرين واللاجئين تزيد الوضع سوءاً. بالإضافة إلى أن السياسة التي ينتهجها ترامب تشجع الحكومات اليمينية المناهضة للمهاجرين في أوروبا وتدعمها. لقد أضعفت هذه السياسات من موقف الولايات المتحدة الأخلاقي.

بالنسبة لي، تعتبر مراكز الاحتجاز هذه وحشية، إذ يُعامل الناس فيها بقسوة، وسادية وبطرق لا إنسانية. وبما أنني لست خبيرة في أشكال معسكرات الاعتقال، لا يُمكنني الحديث إلا عما رأيته فقط. في مكتب إعادة توطين اللاجئين، اصطف الأطفال في مجموعات مؤلفة من 6 إلى 12 فرداً. لا يملكون أي خصوصية. تتم مراقبتهم طوال الوقت كما لو أنهم في منشأة عسكرية. أعتقد أن المحادثات الوطنية القادمة يجب أن تدور حول مصير هؤلاء الأطفال عندما ينتقلون من جحيم لآخر. هذا الجحيم الآخر هو تلك المراكز التي يزعم أنها أماكن أكثر راحةً والتي تدار لأجل الربح، وتمول من قبل دافعي الضرائب الأميركيين. بيد أن الأرباح في هذه المراكز تُجنى على حساب الرضع والأطفال الآخرين المحتجزين فيها.

في حين يقول العاملون في دورية الحدود إن هذه الكارثة ليست خطأهم. “بل هي غلطة مكتب إعادة توطين اللاجئين، الذي لا يمتلك أسرة كافية في مراكز الإيواء”. ونظراً إلى أن الولايات المتحدة هي مجتمع رأسمالي. نجد أن الربح هو الدافع الأقوى الذي يغير من القواعد، حتى حين يتعلق الأمر بكيفية معاملة هؤلاء الأطفال.

 

هذه المقابلة مترجمة عن موقع salon.com ولقراءة المقابلة الأصلية يمكن زيارة الرابط التالي

 

إقرأ أيضاً