ماذا عن المهاجرين غير الأبطال ؟ 

أحمد عيساوي – كاتب لبناني
يونيو 1, 2018
إنقاذ طفل فرنسي من الموت رفع مرتبة المهاجر الأفريقي وجعلها أعلى شأناً ودفع بساسة هذه البلاد والقابضين على قرارها إلى تصنيف غير مباشر، يحمل من "السفالة" ما يحمل، لهؤلاء البشر: مهاجر جيّد لأنّه أنقذ طفلاً منّا، ومهاجر سيّئ ننتظر منه فعل بطولة مماثل لما قام به مامودو لنبحث في وضعه ونمنحه إقامة على أراضينا.

على مرأى عشرات تجمّعوا أسفل البناية في أحد الأحياء في الدائرة الثامنة عشرة لباريس، تسلّق شاب أفريقي سريعاً وبطريقة لافتة أربع طبقات لإنقاذ طفل كان على وشك السقوط أرضاً وسط دهشة المارّة الذين كانوا ينتظرون تدخل فرق الإنقاذ. نجح الشاب المالي مامودو غاساما في إنقاذ الطفل من موت حتميّ في فعل لا يخلو من المروءة والشجاعة، الأمر الذي دفع بالرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لاستقباله في قصر الإليزيه وتهنئته على  البطولة” التي قام بها.

حادثة الإنقاذ التي شاهدها ملايين الفرنسيين على مواقع التواصل الاجتماعي وفي نشرات الأخبار والتي غطّت على “ترند” نهائي دوري أبطال أوروبا، تصدّر بطلها الصفحات الأولى للصحف الفرنسية التي أجمعت على وصف تصرّف غاساما، المهاجر الأفريقي الذي لا يمتلك إقامة رسميّة في البلاد، بالشجاع والبطل. وذهبت بعض الأصوات كعمدة مدينة باريس آن هيدالغو إلى اعتباره “سبيدرمان” العاصمة الفرنسية و”أحد أبطال الجمهورية”. كما أثنت شخصيات سياسية، من بينها مارين لوبن، على قرار الرئيس الفرنسي بمنح الشاب إقامة موقتة وعمل في فوج الإطفاء في باريس ريثما تنتهي معاملات منحه الجنسية الفرنسية، الأمر الذي يعدّ استثناءً تحكمه شروط تخضع لمعايير “الخدمة العامة أو الحفاظ على أمن الجمهورية وسلامة مواطنيها أو تسجيل إنجاز يصبّ في مصلحة البلاد”.

حال مامودو كحال مئات آلاف المهاجرين الذين تركوا بلادهم هرباً من الحرب أو من تدهور الوضع الاقتصادي بحثاً عن حياة أفضل في أوروبا، فالشاب البالغ من العمر 22 ربيعاً والذي يقطن في مسكن جماعي للعمال المهاجرين في مونتروي (Montreuil) في الضاحية الشرقية لباريس- التي يطلق عليها اسم “باماكو الصغرى” لاحتوائها نسبة كبيرة من المهاجرين الماليين- ترك بلاده عام 2013 وسلك طريق بوركينا فاسو والنيجر قبل أن يحطّ الرحال في ليبيا، حيث تعرّض لأبشع أنواع الضرب والتعذيب في عمله لكنّ  “كل هذا لم يحطّمني”، يقول مامودو للرئيس الفرنسي الذي استمع إلى معاناته قبل دخوله من إيطاليا إلى فرنسا، مهاجراً غير شرعيّ لا يملك وثائق إقامة، ما يهدّده فعلياً بالترحيل الفوري استناداً إلى قانون الهجرة الجديد في فرنسا.

بضع ثوانٍ كانت كفيلة في تحوّل مامودو من مهاجر من دون أوراق، يعمل بشكل غير شرعيّ من دون عقد عمل ومهدّد بالترحيل في أي لحظة، إلى بطل قوميّ يُمنح حق المواطنة وتكال فيه كل أنواع المديح والإطناب في الصحف وعلى الشاشات. إنقاذ طفل فرنسي من الموت رفع مرتبة المهاجر الأفريقي وجعلها أعلى شأناً ودفع بساسة هذه البلاد والقابضين على قرارها إلى تصنيف غير مباشر، يحمل من “السفالة” ما يحمل، لهؤلاء البشر: مهاجر جيّد لأنّه أنقذ طفلاً منّا، ومهاجر سيّئ ننتظر منه فعل بطولة مماثل لما قام به مامودو لنبحث في وضعه ونمنحه إقامة على أراضينا.

تحوّل اقتران القيمة البشرية بخدمة أمن الجمهورية، كحال المهاجر المالي الآخر لاسانا باثيلي في حادثة سوبر ماركت الكاشير في “ڤانسان” عام 2015، أو سلامة مواطنيها، كحال مامودو، إلى مساحة مقايضة وابتزاز لكرامة المهاجرين وكأنّ هؤلاء ليسوا بشراً عاديين يأكلون وينامون ويعملون ويحلمون، وكأنّ المواطنة لا تستوي في عرف  القوي الأبيض”، إلا في تماثلها مع أبطال الجمهورية وأفعالهم.

تعيد تلك الحادثة اليوم تسليط الضوء على معاناة مئات آلاف المهاجرين في فرنسا بعد التصويت على قانون جيرار كولومب (وزير الداخلية) للهجرة الذي يؤسس لسباق حقيقي مع الزمن، إذ يمنح اللاجئ مدة ثلاثة أشهر (بعد أن كان أربعة) لتقديم طلب اللجوء ويقلّص الطعن في قبول الطلب من 30 إلى 15 يوماً، ويزيد مدّة الاحتجاز الإداري من 45 إلى 90 أو 115 يوماً ويذهب إلى التشديد في أوضاع جميع طالبي اللجوء دون العودة إلى قانون ساركوزي (2006) الذي ارتكز على مبدأ “الهجرة المختارة”.

مامودو غاساما واحد من مئات الآلاف الذين يخضعون لقانون الهجرة الجديد ومصيره بالترحيل كان شبه حتميّ. مثله آخرون يقيمون بشكل غير شرعيّ على الأراضي الفرنسية أو يقفون على الجانب الآخر من الحدود، تلاحقهم مجموعات اليمين المتطرّف وتترصّدهم الشرطة ومآسي الحياة، ولا أمل لهم باستعادة كرامتهم في مجتمع أكثر عدالةً وإنصافاً دون اجتراحهم “فعل بطولة” في شارع فرنسي.

 

إقرأ أيضاً

خالد منصور- كاتب مصري
الجديد في مصر ليس انتشار أغاني المهرجانات التي ترتبط بإيقاعات متكررة ومزج إلكتروني للأصوات وغياب الألحان المعتادة، الجديد هو شعور نخب ومؤسسات معينة بأن هذه الأغاني تمثل تهديداً ما يجب إيقافه.
إيلي عبدو – صحافي سوري
حلب التي عادت إلى السجن الأسدي، وتسابق المعارضون على لوم أهلها المحتفلين، بدت متأرجحة بين إدانة ومكابرة، الأولى ترميها بالخيانة لقبولها نظام الاستعباد من جديد، والثانية تمدها بالأعذار محيلة سلوك المحتفلين إلى نفي تمثيلهم المدينة.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
منذ مقتل مجموعة جنود أتراك في داخل سوريا، جراء قصف النظام السوري ريف محافظة إدلب، يستمر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بإطلاق تصريحاتٍ يتوعّد بها النظام السوري بالرد العنيف.
خالد المصري – صحافي مصري
بدأت الدولة توجه الإنتاج وفقاً لإرادة السيسي، فقد أنتجت في سنوات لاحقة عدداً من الأعمال التي تطهر صورة رجال الشرطة، والجيش أيضاً، التي لوثتها الأعمال الفنية خلال السنوات الأخيرة.
محمد خلف – صحافي عراقي
هدف أردوغان الاستراتيجي الحقيقي ليس مواجهة روسيا، بل تطويق أوروبا وابتزازها. وكعادة أردوغان ها هو يستعمل أسلوب الابتزاز والتهديد بخاصة في ما يتعلق بمسألة الهجرة والإرهاب كورقة ضغط على دول أوروبا لمساندته في تحقيق أطماعه الإقليمية.
عليا ابراهيم – صحافية وكاتبة لبنانية
لم أقل لرائدة يومها كم فهمت صفعتها الأولى.لم أقل لها يومها ولا بعد ذلك كم أحببتها لأنها صالحتني مع قضية عادلة كنت اتخذت قراراً ضمنياً بتجاهلها بعدما كانت مناصرتها قدراً أكثر مما كانت خياراً.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني