fbpx

هنا القصة الثالثة

كامران قره داغي - كاتب كردي عراقي

كامران قره داغي - كاتب كردي عراقي

مقالات الكاتب

ماذا عن الانتخابات البلدية التركية… كرديّاً؟

الانتخابات المحلية الأخيرة في تركيا، إذ شكلت اختباراً لشعبية “حزب العدالة والتنمية” الحاكم وزعيمه الرئيس طيب رجب أردوغان من جهة، فإنها من جهة أخرى ربما فاقمت الوضع الكردي المعقد الذي يشكل طرفاه، حزبا “الشعوب الديموقراطي” و”العمال الكردستاني”. الأول حزب علني أسسه في 2012 صلاح الدين دميرتاش، والثاني محظور أسسه في 1978 عبدالله أوجلان. أوجلان مسجون منذ 1999 بتهمة الخيانة العظمى ودميرتاش مسجون منذ 2016 بتهمة ارتباطه بحزب أوجلان.  

في البداية، حقق “الشعوب الديموقراطي” نتائج باهرة في الانتخابات المحلية عام 2014 ثم في الانتخابات البرلمانية عام 2015، لكن المناطق الكردية في جنوب شرقي البلاد، “باكور” بحسب التسمية الكردية إشارة إلى أنها كردستان الشمالية، تعرضت لإجراءات قمعية واسعة في اطار حملة شنتها في 2016 الحكومة التركية ضد “العمال الكردستاني”، في أعقاب شنه ما وصفه بـ”حرب المدن”، وهو قرار أسفر عن نتائج كارثية للسكان الكرد. فقد خضعت مدن كردية في المنطقة إلى منع تجول استمر أسابيع، وعمليات عسكرية وإجراءات إدارية تمثلت في السيطرة على أكثر من 100 بلدية، كان فاز بها “الشعوب الديموقراطي” في 2014، واعتقال وسجن 60 رئيس بلدية من الكرد، وعينت الحكومة إدارات غير منتخبة لهذه البلديات، ناهيك بالخسائر البشرية المتمثلة في سقوط آلاف الضحايا، من عسكريين ومقاتلين ومدنيين، إضافة إلى أعداد لا تُحصى من المهجرين. هذه الاعتقالات بررتها الحكومة بارتباطات المعتقلين بـ”العمال الكردستاني” المحظور الذي تعتبره الحكومة تنظيماً إرهابياً، واستخدمت هذه الحرب ذريعة لمحاكمة قياديين في “الشعوب الديموقراطي” وسجنهم، في مقدمهم دميرتاش.

لكن على رغم هذه الإجراءات القاسية، فإن “الشعوب الديموقراطي” حقق في الانتخابات المحلية الأخيرة نتائج ملموسة، أبرزها في دياربكر (62 في المئة) التي تعتبر العاصمة غير الرسمية لكردستان تركيا. واحتفظ الحزب بتفوقه في محافظات أخرى كسيرت وحكاري وماردين ووان، وهي محافظات كان فاز فيها عام 2014. وحقق الحزب فوزاً باهراً في محافظة قارس المتنوعة إتنياً، وتقع شمال شرقي تركيا، واستطاع انتزاع ادارتها البلدية من “حزب الحركة القومية” التركي المتحالف مع حزب اردوغان.

طبعاً لا جدال في أن الحزبين الكرديين، العلني والمحظور، يحظيان بدعم الغالبية في المناطق الكردية، من دون أن يعني ذلك تطابق أهدافهما إلى حد أن الحزب المحظور يعتبر نظيره العلني “شوكة” في خاصرته، ويرى في دميرتاش زعيماً غير مرغوب فيه ومنافساً محتملاً لأوجلان. معروف أن الصقور في قيادة “العمال الكردستاني” الجبلية في قنديل (كردستان العراق)، عسكريين وسياسيين، لم يتورعوا في السابق عن شن حملات عبر بيانات وتصريحات، هدفها التقليل من شأن دميرتاش وتهميشه. لكن شعبية دميرتاش التي تزعج قيادة “العمال الكردستاني” أثبتت قوتها مرة تلو أخرى، آخرها في الحملات الانتخابية الأخيرة. ففي مدن تركية كبرى تبين أن الناخبين الكرد ولهم ثقل ملموس فيها، لم يكونوا معنيين بالانتخابات، وبالتالي بالتصويت أصلاً، خصوصاً أن قيادة “الشعوب الديموقراطي” مدعومة من دميرتاش، قررت عدم تقديم مرشحين عن الحزب في المدن الكبرى، في إطار تحالف غير رسمي مع حزب الشعب الجمهوري المعارض والتصويت لمصلحة مرشحي الأخير. من سجنه أصدر دميرتاش بياناً ناشد فيه الناخبين الكرد في هذه المدن، أن يشاركوا بكثافة في الانتخابات والتصويت لمرشحي “الشعب الجمهوري”. وكانت النتيجة أن الناخبين الكرد استجابوا بالفعل لنداء دميرتاش وبفضل أصواتهم، بحسب اتفاق المراقبين، فاز مرشحو “الشعب الجمهوري” برئاسات بلديات أنقرة ومرسين وأضنة وهاتاي واسطنبول، وهذه الأخيرة قرر المجلس الأعلى للانتخابات إعادة انتخاب رئيس البلدية، بعدما رضخ لضغوط مارسها الحزب الحاكم على مدى شهر تقريباً، من إعلان فوز مرشح “الشعب الجمهوري” أكرم إمام أوغلو. يُشار إلى أن “الشعب الجمهوري” اتخذ قراراً في الانتخابات البرلمانية السابقة بالتصويت لمرشحي “الشعوب الديموقراطي” في مناطق انتخابية، لم يكن يأمل بالفوز فيها الأمر الذي لعب دوراً في تجاوز حاجز العشرة في المئة وهي النسبة المطلوبة على صعيد تركيا لدخول البرلمان.

مثال آخر على شعبية ديمرتاش: في المؤتمر الذي عقده “الشعب الديموقراطي” بعد الحكم بسجن دميرتاش لانتخاب رئيس بديل منه، أصر عدد كبير من المندوبين إلى المؤتمر على التصويت مجدداً، لمصلحة دميرتاش، على رغم أن القيادة أبلغتهم أن ديمرتاش لم يرشح نفسه. في النهاية اضطرت القيادة إلى إرسال ترسل وفد إلى السجن، وأوضحت له الوضع، فوجه دميرتاش رسالة الى المؤتمرين، أكد فيها أنه لم ولن يرشح نفسه، وناشد المندوبين أن ينتخبوا بديلاً منه. وبعد ذلك فقط تراجع المندوبون المعارضون عن موقفهم. هكذا انتخب المؤتمر رئيساً جديداً، هو النائب السابق سيزاي تيميلي وبروين بولدان رئيسة مشاركة وذلك في اطار قرار سابق للحزب باعتماد مبدأ المشاركة في رئاسته ورئاسة تنظيماته، على أن تكون الرئاسة مشتركة بين رجل وامراة. علما أن هذا المبدأ يطبقه الحزب على رئاسات البلدية التي يفوز بها.

مبدأ الرئاسة المشتركة قرار اعتمده أوجلان لحزبه وفرضه على “الشعوب الديموقراطي” لا على صعيد تنظيماته الحزبية وحسب، بل على صعيد رئاسات البلدية التي يسيطر عليها أيضاً، وكان أوجلان طلب ذلك أثناء المفاوضات بينه وبين أنقرة. المفارقة أن الرئيس اردوغان نفسه وافق رسمياً على طلب أوجلان. في بداية الامر وفيما كانت المفاوضات مستمرة، كان اوجلان يختار الرؤساء المشاركين، لكن بعد توقفها والقطيعة بينه وبين أنقرة اصبح القرار في يد قيادة قنديل. هكذا أصبحت لكل رئاسة بلدية كردية قيادة ذات رأسين، منتخب من “الشعوب الديموقراطي” ومفروض من “العمال الكردستاني”. ولأن رؤساء البلدية الكرد هم بمعظمهم رجال، فإن كلاً منهم تشاركه امرأة في الرئاسة. بعبارة أخرى الرئيس (أو الرئيسة) المشارك، هو بمثابة “قوميسار” يمارس سلطته غير الرسمية بتوجيهات من أعالي الجبال وغالباً ما تكون له الكلمة الأخيرة. يُشار لى أن مبدأ “الرئاسة المشتركة” اعتمده أصلاً “العمال لكردستاني”، استجابة لرغبة أوجلان ليطبق على صعيد تنظيمات الحزب المدنية والعسكرية، وأُلزم به “الشعوب الديموقراطي” وتنظيماته، وفرض أيضاً على “حزب الاتحاد الديموقراطي” وتنظيماته المدنية والعسكرية والإدارت الذاتية (الكانتونات)، التي شكلها “الاتحاد الديموقراطي” في روجافا التي صدّر اليها “العمال الكردستاني”، مقاتلين وقوميسارين، معظمهم من تشكيلات فرعه في إيران “بيجاك”، بعدما أوقف نشاطاته ضد الجمهورية الاسلامية بعد تفجر الأوضاع في سوريا.

 

من تداعيات “حرب المدن” التي أدت إلى تدمير مراكز مدن كردية بالكامل، أنها ساعدت اردوغان وحزبه على حشد الرأي العام التركي تأييداً للإجراءات العنيفة التي اتخذتها السلطات الأمنية والعسكرية وساندتها أحزاب المعارضة

 

من تداعيات “حرب المدن” التي أدت إلى تدمير مراكز مدن كردية بالكامل، أنها ساعدت اردوغان وحزبه على حشد الرأي العام التركي تأييداً للإجراءات العنيفة التي اتخذتها السلطات الأمنية والعسكرية وساندتها أحزاب المعارضة التي اعتبرت “حرب المدن”، تهديداً لوجود الدولة، ورأت أن الوقوف ضد “الإرهاب” واجب وطني لجميع مواطني تركيا. قيادة “العمال الكردستاني” في قنديل أصدرت بيانات حماسية تبريراً لقرارها الكارثي، مؤكدة أن الشعب الكردي بأسره سيقوم بانتفاضة شعبية شاملة دعماً للحزب. قيادة قنديل بنت توقعاتها على الدعم الكردي الشامل في روجافا والقتال الضاري في كوباني ضد “داعش”، فيما اعتبرت أن الفضل يعود إلى “العمال الكردستاني” في تحقيق “الشعوب الديموقراطي” نتائج باهرة في الانتخابات البرلمانية التركية في 2014، التي قرر أردوغان اثرها حل البرلمان المنتخب واجراء انتخابات جديدة. نتائج “حرب المدن” كشفت الحسابات الخاطئة لقيادة قنديل التي لم تجد ما تبرر به فشل سياستها سوى القول في بيان أصدره المسؤول الأول في قنديل جميل بايك (جمعة)، إن أحداً لم يتصور أن تصل وحشية الدولة التركية إلى هذا الحد!

الحق أن الدعم الذي حصل عليه “الشعوب الديموقراطي” في صفوف الليبراليين الأتراك وعكسته نتائج انتخابات البرلمان التركي في 2014 يعود الفضل الرئيسي فيه، إلى شخصية دميرتاش ونجاحه في إقناعهم بأن العمل على إيجاد حل سلمي للوضع الكردي، هو جزء لا كل، في برنامج حزبه الذي قدمه كحزب وطني لتركيا، وليس كحزب قومي كردي بحت، مميزاً بذلك نفسه عن “العمال الكردستاني” وزعيمه أوجلان. من جهة أخرى، هناك الشباب الكرد في مدنهم وفي المدن التركية الكبرى، وهم يمثلون جيلاً جديداً منفتحاً على العالم ويتطلع إلى أوروبا وقيمها، إذ يتمسكون بهويتهم الكردية وينتمون إلى دميرتاش تحديداً ويعتبرون أن زعامته، لا زعامة أوجلان، تتبنى قيمهم ومثلهم وتطلعاتهم.

ما سلف بعض تداعيات الانتخابات المحلية التركية على الصعيد الكردي. أما على صعيد تركيا عموماً، فالأرجح أن نتائجها، خصوصاً خسارة الحزب الحاكم في المدن الكبرى، تثير قلق أردوغان من أنه استخدم أدوات الضغط المتاحة كلها، لإعادة التصويت في اسطنبول التي كان أعلن سابقاً أن من يربحها يربح تركيا كلها. لكن هذه قصة أخرى.

كامران قره داغي شاهد على ثورة الكرد(11): نهاية مرحلة ..

إقرأ أيضاً