fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - هآرتس

ترجمة - هآرتس

مقالات الكاتب

ماذا حدث عندما تولّت فلسطينيات زمام أمور قريتهن؟

على رغم الصعاب والمجتمع الأبوي، حيث ليس للمرأة سوى دور ثانوي، أخذت 14 امرأة فلسطينية زمام المبادرة وأطلقن ثورة صغيرة وضعت قريتهنّ التي تقع خارج مدينة بيت لحم، على أعتاب القرن الواحد والعشرين.

لن ينسى الموظفون في المجلس المحلي لقرية بيت تعمر تلك اللحظة في منتصف أحد أيام العمل عام 2014، حين حضرت 14 امرأة بشكل مفاجئ ومن دون سابق إنذار، إلى مقر المجلس المحلي، الذي يتمتع بالولاية القضائية على القرى الفلسطينية المحيطة بمنطقة هيروديون القديمة، بالقرب من مدينة بيت لحم. رافق هؤلاء النساء الآتيات من قرية جب الذيب البدوية التي تقع داخل حدود المقاطعة، أطفال كثيرون، وأحضروا معهم جهاز استنشاق يُصدر صوتاً صاخباً للغاية، وبعض الزجاجات البلاستيكية المملوءة بالمياه العكرة.

اندفعت المجموعة بأكملها إلى مكتب رئيس المجلس آنذاك، ووضعت الزجاجات على مكتبه، وطالبته النساء بأن يربط قريتهن بشبكة الكهرباء وأن يمدها بمصدر للمياه النظيفة. ووضعن أمامه جهاز الاستنشاق، وناشدوه بألا يدع إحدى الفتيات التي كانت بصحبتهن تموت بسبب الدخان الذي تضطر إلى استنشاقه في منزلها، حيث موقد حطب للتدفئة، في غياب الكهرباء.

كانت آمنة الوحش (36 سنة)، وهي أم لخمسة أطفال، من بين قادة الاحتجاج. نهضت من مكانها، وأعادت تمثيل رد فعل رئيس المجلس، في محاولة لإضفاء طابع درامي على تلك اللحظة المؤثرة في حياتها. وعلى رغم طول قامتها ونحافتها، فقد سارت بخطوات ثقيلة مدوية، لتتمكن من تمثيل الدور.

وقالت: “لقد شعر بالحرج مما فعلناه، ولذا وقف وقال، سأعطيكم 1000 لتر من وقود الديزل من أجل مولّد الكهرباء”، قالت آمنة تلك الكلمات بصوت ذكوري عميق، محاولةً تقليد رئيس المجلس، ومدت يدها بحركة متعجرفة تعبر عن السخاء.

وأضافت: “لقد تفاخر بذلك العرض المضلل. ولكن 1000 لتر من الوقود لن تكفي لمساعدة قرية بأكملها، فهي ليست مساهمة كبيرة. لقد شعرنا بغضب شديد. ولذا طلبنا منه أن يزور القرية، ليرى بنفسه كيف نعيش. وعرضنا عليه أن ندفع أجرة سيارة “التاكسي” الذي ستقله، لكنك تعلمين كيف هو الحال مع الرجل العربي – فقد كان ذلك بمثابة إهانة حقيقية أن نعرض عليه دفع تكلفة رحلته. ولكن فصل الشتاء أوشك أن يحل علينا، وكان الجو بارداً، ونحتاج إلى تدفئة، ولذلك طرقنا كل السبل المتاحة لتحقيق غايتنا”.

وقد نجح الأمر، وزار رئيس المجلس المحلي قرية جب الذيب (على نفقته الخاصة)، ووصل في إحدى الأمسيات خلال شهر رمضان، قبيل موعد الإفطار. وكبادرة حُسن نية، أحضر معه وجبات طعام جاهزة من إحدى شركات تقديم الطعام لأهل القرية، لكي يتناولوها معاً بعد غروب الشمس.

قالت رئيسة جمعية سيدات قرية جب الذيب، فاديا الوحش (34 سنة)، وهي أم لستة أطفال، في الأربعين من عمرها، “رأينا الوجبات التي أحضرها، ولم تكن تساوي الكثير – فقد كانت عبارة عن رز وبازلاء فقط”. (تتألف القرية من عشيرة واحدة كبيرة، لذلك الجميع لديهم اسم العائلة ذاته، الوحش). وأردفت “لذا جمعنا 50 شيكلاً أي نحو 12 دولاراً من كل امرأة، وأعددنا وجبة طعام كبيرة محترمة. وقد سبب ذلك له المزيد من الحرج، لأنه جاء وبرفقته وفد وكان ينوي استضافتهم معنا، وفجأة كنا نحن من نستضيفه بسخاء”.

عملت ديانا ماردي في السابق صحافية، وهي سيدة فلسطينية على دراية تامة بالأنشطة التي تقوم بها سيدات قرية جب الذيب، وهي الآن عاملة ميدانية مع منظمة “بمكوم – مخططون مدافعون عن حقوق التخطيط” Bimkom – Planners for Planning Rights الإسرائيلية، غير الحكومية التي تعمل على تعزيز الديموقراطية وحقوق الإنسان في مجالات التخطيط وسياسات الإسكان، في كل من إسرائيل وفي المنطقة (ج) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وعلى وجه التحديد، تساعد منظمة “بمكوم” السيدات على تخطيط قرية جب الذيب، قبل إنشاء مختلف البنى التحتية والمرافق الأساسية. قابلت ماردي بصحبة ألون كوهن – ليفشيتس، وهو مهندس معماري من “بمكوم”، عندما تجوّلا في القرية في يوم عاصف منذ بضعة أسابيع. وأجرا محادثة مطولة مع المجموعة في مبنى جديد نسبياً يستخدم مستوصفاً، ولكنه لا يحتوي على أي أساس أو تجهيزات تقريباً.

سألت ماردي، ألا تخشى نساء القرية من رواية القصص المحرجة بشأن رئيس المجلس المحلي السابق – فعلى رغم أنه لم يعد يشغل هذا المنصب، فإنه لا يزال شخصية مهمة في مجتمعهن؟

أكدت نائب رئيسة “جمعية سيدات قرية جب الذيب،” عفاف الوحش (43 سنة)، وهي أم لأربعة أطفال، “نحن لا نشعر بالخجل أو الخزي حيال أي شيء، لقد مررنا في وقت عصيب معه ونحن نُصر على رواية القصة”.

أخبرتني ماردي، أنه في الواقع، “ينبغي أن تمنح قصة قرية جب الذيب الأمل للقرى والبلدات الفلسطينية الأخرى في المنطقة (ج)، التي تناضل في مواجهة قوى لا تسمح لها بالعيش بكرامة. وحقاً النساء هن اللاتي يقدن دفة التغيير نحو الأفضل في مجتمعهن، في مجال تركيب المرافق والوعي بقضايا التخطيط، ما يساهم ليس في تعزيز مكانة جميع السكان أو قريتهن فحسب، بل يُعزز أيضاً مكانة المرأة في المجتمع الفلسطيني عموماً”.

أطفال يشعرون بالحرج

تتجلى نتائج جرأة نساء قرية جب الذيب وإصرارهن، في السنوات الأخيرة في جميع أنحاء القرية، التي تمتد مساكنها الحجرية الصغيرة المتكدسة والتي تتاخم الحقول الخضراء إلى الأفق. بل في الواقع، فإن إنجازات هؤلاء النساء بادية للعيان حتى خارج القرية. فقد شُيد الطريق الممهد المؤدي إلى القرية، والذي يمتد بين التضاريس الصخرية ومراعي الأغنام، وفقاً لإشرافهن. وفي حين يبدو وجود طريق ممهد أمراً مسلماً به، فبالنسبة إلى أطفال القرية كان ذلك أمراً جللاً.

تقول عفاف: “اعتاد أطفالنا الوصول إلى مدرسة المقاطعة التي تقع في قرية أخرى، متسخين بسبب المشي على طول الطريق الموحل”، وأضافت “لم يكن المعلمون يسمحون لهم بالدخول، ولذا اضطر الأطفال إلى العودة مرة أخرى إلى المنزل، وهم يشعرون بالحرج الشديد. لقد كان ذلك أمراً مخجلاً بالنسبة إليهم وإلينا. أما الآن فهناك طريق معبد، كما أننا نسقنا مع إحدى وسائل المواصلات العامة لنقلهم ذهاباً وإياباً إلى المدرسة. ولذا تغبط القرى الأخرى أطفالنا لأن لديهم حافلة تقلهم”.

وبفضل جهودهن، تمكنت النساء من توصيل القرية بشبكة إمدادات المياه النظيفة في الضفة الغربية. وأنشأن مشروعاً لزراعة المنتجات العضوية المحلية وافتتحن متجراً لبيع الأدوات المكتبية، ومشغل خياطة لتصليح الملابس، ومحل بقالة صغيراً، ومشروعاً لتأجير مكبرات الصوت والمولدات الكهربائية والكراسي للمناسبات العائلية وغيرها من الأنشطة، واتخذن الترتيبات اللازمة لتجديد المسجد المحلي. لكن الإنجاز الذي يفخرن به للغاية، هو ربط قريتهن بشبكة الكهرباء الخاصة عن طريق حقل صغير من الألواح الشمسية المثبتة بجوار روضة الأطفال المحلية.

عام 2015، وفي خضم تلك النجاحات التي حققنها، قررت نساء القرية إنشاء جمعية رسمية غير هادفة للربح، “جمعية سيدات قرية جب الذيب”. ومن ثم، يُمكنهن التواصل مع السلطات الفلسطينية والإسرائيلية باعتبار أنهن يُمثلن هيئة مهنية مترابطة – مستقلة عن المجلس المحلي للمقاطعة. وفي سبيل إنشاء تلك المنظمة، أجرت النساء انتخابات شفافة تحت إشراف وزارة الداخلية والأمن الوطني الفلسطينية (التي يعتبر اعترافها بالجمعية كهيئة رسمية تمثل القرية إنجازاً بحد ذاته، في سياق ذلك المجتمع الأبوي). ومن بين النساء الـ14، انتُخبت ثلاث لشغل المناصب الرسمية الوحيدة في الجمعية: فاديا منصب رئيسة للجمعية، وعفاف نائباً لها، وأثدال الوحش مسؤولة للحاسبات. أما النساء الأخريات فلا يشغلن مناصب رسمية، ولكنهن لسن أقل نشاطاً ومشاركةً في أنشطة الجمعية.

تقول فاطمة الوحش (36 سنة)، وهي أم لثلاثة أطفال، “قبل أن نبدأ العمل من أجل قرية جب الذيب، كانت على هامش أولويات المقاطعة. فإذا ما كان هناك مخططات لتنفيذ مشروعات أو توفرت الميزانيات في المقاطعة، لم يصل إلينا منها شيء على الإطلاق. كل ما فعلناه حقاً، هو موازنة الموارد، لكي نتمكن من الحصول على حقنا، لا أكثر. وإذا كانت المقاطعة تتلقى كل الاهتمام في الماضي، بينما كانت قريتنا مهمشة، صار اليوم، العكس هو الصحيح. يتحدث الجميع عن نساء قرية جب الذيب وكيف تمكّنّ من تغيير الأمور. في هذه الأيام يزور رئيس المقاطعة الجديد المنطقة غالباً، لكي يكون في دائرة الضوء- ليس علينا أن نذهب إليه بعد الآن”.

جذبت إحدى الفعاليات الكثير من الاهتمام في شباط/ فبراير الماضي، عندما زار القرية وفد من 45 دبلوماسياً أجنبياً، إضافة إلى ممثلين عن المنظمات الدولية لحقوق الإنسان.

أوضحت فاطمة قائلةً “لقد نسقوا الزيارة معنا”، مردفة “لقد فوجئ مسؤولو المقاطعة من أن الزيارة لم تتم من خلالهم، لكنهم قرروا المشاركة أيضاً. وفوجئنا برؤية رئيس المقاطعة وبعض المسؤولين هنا. وسأل الديبلوماسيون عما إذا كانت لدينا علاقات مع المنظمات الإسرائيلية، أو مع المواطنين الإسرائيليين، وأجبنا بشجاعة بأن هناك إسرائيليين يساعدوننا. ذكرنا على سبيل المثال، مؤسسة  “Comet-ME” (وهي منظمة إغاثة إسرائيلية-فلسطينية تهدف إلى توفير الطاقة المستدامة والمياه النظيفة إلى المجتمعات النائية)، التي ساعدتنا في تركيب الألواح الشمسية. وكذلك منظمة “بمكوم”، التي ساعدتنا في تخطيط القرية وتطوير المشروع”.

لماذا يتطلّب الأمر شجاعة لكي تقولي إن هناك علاقات تجمعكنّ مع  إسرائيليين؟

“ليس مقبولاً دائماً هنا أن يحصل الفلسطينيون على مساعدة من الإسرائيليين. ولكن المنظمات الإسرائيلية هي أقل المشكلات التي نواجهها، فالمشكلة الرئيسية تتمثل في الحكومة المحلية. لقد استثمرنا الكثير في القرية، وبخاصة في أعمال  البناء، ما وفّر أموال المقاطعة والميزانيات، لكننا لم نحصل على أي تقدير. ولم نرَ حتى منشوراً على شبكة التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، ولا لوحة تذكارية، أو مكالمة هاتفية، ولا حتى أي إشادة بما فعلناه في يوم المرأة. نود حقاً أن نشعر أنهم يقدرون مجهوداتنا، حتى ولو بأدنى طريقة. نريدهم أن يعترفوا بأن نساء قرية جب الذيب يفعلن أشياء رائعة”.

مثلجات أيضاً

من بين النساء اللواتي جلسن حول طاولة امتلأت بأكواب القهوة والشاي والكعك والمعجنات المنزلية، خلال زيارة “بمكوم” الأخيرة، جلست فاطمة أخرى (60 سنة، لها 7 أبناء) عرفت باسم “ختيارة القرية”، لتمييزها عن “فاطمة الصغيرة”. عندما ولدت “الختيارة”، كان في جب الذيب 3 منازل فقط. وبسبب معرفتها بالتاريخ المحلي، عادةً ما تتولى هي مسؤولية إرشاد الوفود الزائرة في أنحاء القرية، سواء أكانوا أعضاء في منظمات غير حكومية تريد المساعدة في إحداث تغيير، أو ممثلين لحكومة المقاطعة.

قالت “تقوم نساء جب الذيب بعمل مذهل، لقد انتظرت 40 عاماً من أجل الكهرباء”، مشيرةً بذلك إلى الطلب الأولي لتوصيل القرية بشبكة الكهرباء في سبعينات القرن الماضي. وأضافت: “النساء الشابات مللن من الانتظار وتدبرن الأمر بأنفسهن”. وأشار الجميع برؤوسهم موافقين.

نشأت فاديا، رئيسة الجمعية في بلدة مجاورة تدعى زعترة وانتقلت إلى القرية بعد زواجها من رجل محلي في السابعة عشرة.

تتذكر قائلةً “ما الذي تعرفه عن الكهرباء عندما تكون صغير السن هكذا؟ لم أفهم أهمية الكهرباء، ما أحببته هو لعب كرة القدم في الأرض الترابية، ربما لو كنت أبلغ الـ20 سنة حينها، لاتخذت قراراً مختلفاً ورفضت الزواج من شخص يعيش في قرية لا كهرباء فيها. لم تكن لدي فكرة عن مدى صعوبة إدارة المنزل وتربية الأطفال من دون كهرباء”.

تزوجت فاديا بعد أسبوع واحد فقط من زواج فاطمة الصغيرة. قالت فاديا مداعبة فاطمة الصغيرة “كان لديها أسبوع كامل تخبرني فيه أن الزواج من رجل من قرية جب الذيب فكرة سيئة، لكنها اختارت ألا تفعل ذلك، حتى أنها جاءت لترقص في عرسي، هذه المرأة الوقحة”. ضحك الجميع. نجاح فاديا الكبير في منصب رئيسة الجمعية ضمن لها دعوة إلى الانضمام إلى مجلس بيت تعمير، وهي أول امرأة على الإطلاق تحظى بعضوية المجلس. وهدفها التالي أن تتولى امرأة رئاسة المقاطعة.

كيف كانت الحياة قبل توصيل القرية بشبكة الكهرباء؟ كل أسبوع كانت النساء يجمعن المال من أهالي القرية ويشترين الوقود اللازم لتشغيل المولد لمدة ساعة أو اثنتين في اليوم. لكن المولد كان يتعطل دائماً. تقول رايدة الوحش (أم لستة أطفال) كنا نطبخ بإشعال النار في مكان مفتوح وندفئ منازلنا بمدافئ الحطب.

تضيف: “كان الدخان يملأ المنزل طوال الوقت، ما أدى إلى مشكلات تنفسية لدى كثيرين. كنا نغسل الملابس يدوياً، وهو عمل قاس في فصل الشتاء. وكنا نعاني من جميع أنواع المشكلات الصحية هنا بسبب البرد، وما زالت ابنتي تعاني من مشكلات في قدمها”.

قالت فاديا الوحش إن فصل الصيف كان صعباً أيضاً، “فقد اعتدنا على حمل زجاجات الماء إلى القرى المجاورة وكنا نطلب من الناس هناك وضعها في الثلاجة حتى نحصل على ثلج. كنا نلف الزجاجات المثلجة بالبطانيات ونستخدمها لتبريد الأدوية والطعام. وكنا نطلب من النساء في القرى الأخرى حفظ لحومنا في ثلاجاتهن حتى لا تفسد. كنت أشعر بأنني متسولة وكرهت طلب المعروف من الآخرين. أما الآن فالجميع يملك ثلاجات”.

يجب أن تفهمي أن الرجال يعملون لساعات طويلة جداً خارج القرية. هم ليسوا هنا، ولا يشعرون بمدى صعوبة الأمور من دون كهرباء أو ماء

تشير فاطمة الصغيرة إلى عدم وجود شبكات هاتف ولم يكن بالإمكان شحن الهواتف المحمولة وشعر الجميع بانقطاع التواصل مع العالم الخارجي.

تتذكر قائلة “في يوم ما كان هناك إضراب في المدرسة المحلية ولم نعلم بشأنه، لعدم وجود أجهزة تلفزيون. ولم يفهم الأطفال ما الذي عناه أصدقاؤهم عندما تحدثوا عن “توم وجيري” والبرامج الأخرى”.

تتذكر النسوة جيداً أول اجتماع عقد مع منظمة Comet-ME، في حضانة القرية عام 2016. وحضرته النساء فقط، فقد كان الرجال في العمل. بعد فحص الخيارات المرتبطة بالتخطيط واحتياجات الأهالي العاجلة، اتخذ قرار بوضع ألواح للطاقة الشمسية خارج الحضانة حتى تكون معرضة جيداً للشمس، وبعيدة في الوقت نفسه من البؤرة الاستيطانية المجاورة في سيدي بار، والتي تحاول النسوة البقاء بعيدات منها قدر المستطاع. تقع حقول القرية بالقرب من المستوطنة وتدرك النساء الأمر، وحين يعملن في أراضيهن، يأتي المستوطنون لضمان عدم تخطيهن المناطق غير المسموح لهن بتخطيها، وهو موقف عادةً ما يؤدي إلى نزاعات.

خلال شهرين من القرار بعدم انتظار توصيل القرية بشبكة الكهرباء الفلسطينية، كانت ألواح الطاقة الشمسية قد ركبت في مكانها. كان ذلك قبل عامين ونصف العام من الآن. كانت الألواح هدية قدمت من خلال تبرعات الحكومة الهولندية، أما المعرفة التقنية والتركيب والتشغيل فقد قامت به منظمة Comet-ME بمساعدة من “بمكوم”. أما في ما يتعلق بالمنازل، فقد حرصت كل امرأة على توصيل منزلها بالشبكة الجديدة، واختيار أماكن مخارج الكهرباء في المنزل.

في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، أدارت فاطمة الصغيرة قابس الكهرباء في العيادة، إيذاناً ببدء الاحتفال باكتمال العمل، والذي كان ضيوف الشرف فيه أشخاصاً من Comet-ME، وقدم شيء آخر إلى جانب المرطبات الأخرى، عُد حتى ذلك الوقت من الأشياء النادرة في جب الذيب: وهو المثلجات.

كانت فاديا سعيدة بالإشارة إلى ثلاجة المثلجات، أثناء جولتنا في متجر البقالة الصغير الذي أُسس بمبادرة منها. في حزيران/ يونيو 2017، قامت الإدارة المدنية للحكومة العسكرية وجيش الدفاع الإسرائيلي بمصادرة ألواح الطاقة الشمسية بحجة أنها ركبت من دون تصريح. وأعيدت بعدها بثلاثة أشهر على إثر تدخل الحكومة الهولندية.

الغياب البنّاء

من الطبيعي أن نسأل كيف يشعر رجال جب الذيب تجاه نشاط النساء الفعال في قضايا التخطيط المادي. الكثير من هؤلاء الرجال يعملون في أعمال البناء في إسرائيل. ينطلقون كل يوم في الساعة 3 فجراً إلى نقطة التفتيش 300 الواقعة بين بيت لحم والقدس ويعودون مساءً، ما خلق الفراغ الذي ملأته النساء.

تقول فاطمة الصغيرة “الرجال يدعموننا بالتأكيد. يجب أن تفهمي أن الرجال يعملون لساعات طويلة جداً خارج القرية. هم ليسوا هنا، ولا يشعرون بمدى صعوبة الأمور من دون كهرباء أو ماء، وهم أيضاً غير قادرين على حضور اجتماعات المقاطعة للمطالبة بوصل القرية بشبكات الماء والكهرباء. عندما أقنعناهم بالذهاب إلى السلطات والمطالبة بحقوق قريتنا، كانوا يجلسون مع الموظفين، الذين هم أصدقاؤهم ويحتسون القهوة ويدخنون، وهذه نهاية القصة”.

وأضافت: “لذا قررنا أن نذهب نحن النساء. في البداية كنا نرسل اثنتين منا في كل مرة، لكن لم يكن للأمر من جدوى. لم يكونوا لطفاء معنا، كانوا يملؤون بعض الاستمارات ويقولون “حسناً، حسناً”، ولا شيء يحدث بعدها. بعد مرات قليلة، قررنا القيام بفعل كبير. كانت هذه خلفية “الاقتحام الكبير”، حين اندفعت النساء إلى مكاتب المقاطعة مع أطفالهن والمياه الملوثة. منذ ذلك الحين، متى ما دخلنا مبنى المقاطعة، ينضبط الموظفون ورئيس المقاطعة ويشعرون بالإحراج”.

“واليوم نعرف أن أزواجنا سعداء بأن نساءهم أصبحن أشهر من مايكل جاكسون لدى السلطة الفلسطينية. بفضل ثقتنا وإنجازاتنا، أصبحت قريتنا مختلفة الآن عن القرى الأخرى. تحظى النساء هنا بالاحترام ولدينا عنف منزلي أقل، سواء من الأزواج تجاه زوجاتهم أو من الزوجات تجاه أطفالهن”.

تتفق فاديا مع فاطمة، وتشعر بأنها تحظى باحترام أكبر من زوجها منذ انخراطها في جمعية النساء. تقول مبتسمة: “ما نجحت بالقيام به لأجل القرية، لم ينجح فيه زوجي. وهو بالطبع يدرك ذلك”.

تضيف فاديا “في بعض الأحيان، عندما نفشل في تنفيذ شيء ما، أو حين يكون هناك عطل في ألواح الطاقة الشمسية، يخبرني زوجي بأن هذه غلطتي، كما لو كنت مسؤولة عن كل شيء. من ناحية أخرى، هم يشجعوننا على مواصلة التفكير في تطوير القرية”.

تقول فاطمة: “يشجعوننا أو يدفعوننا، يعتمد الأمر على الكيفية التي تختارين بها النظر إلى الأمر”. ويضحك الجميع.

تردف فاديا: “والآن حتى الناس خارج القرية يعتمدون علينا. كل وزارات السلطة الفلسطينية يأتون إلينا بالطلبات. في الحقيقة طلبت منا وزارة التعليم الفلسطينية المساعدة في إيجاد حل لتدفئة المدرسة المحلية. عقدنا جلسة لتبادل الأفكار معهم وخرجنا بخطة عمل”. وتضيف فاطمة الصغيرة “باختصار أصبحت هذه القرية وكل المنطقة تحت مسؤوليتنا. هذا ملخص الأمر تقريباً”.

توضح فاديا “عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن الذات، بإمكاننا أن نقول ما نريده من دون خوف. تحسنت مكانتنا. نشعر بالأمان حين نجتمع معاً كمجموعة”.

تقول فاطمة الصغيرة “أبناؤنا وبناتنا فخورون بنا”. وتكمل فاديا الفكرة “أصبحت علاقتنا بالأطفال أقوى. قبل توصيل الشبكة، كان الأطفال يشعرون بالدونية في المدرسة المحلية. كان أطفال القرى الأخرى يسخرون منهم لتخلفهم وعدم امتلاكهم الكهرباء. والآن يشعر الأطفال بالفخر والثقة. عزز الأمر ثقتهم بأنفسهم. وهم فخورون بالعيش في قرية جب الذيب”.

هذا المقال مترجم عن موقع Haaretz ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

 

لا مكان لأي كيان غير اسرائيلي : نبذة تاريخية عن المستوطنات الإسرائيلية

 

إقرأ أيضاً