fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Washington Post

ترجمة - Washington Post

مقالات الكاتب

ماذا تقول اختياراتك للنبيذ عن طريقة تفكيرك؟

قالت صديقتي “تفكيرك مرن”. ظننت أنها تقصد انشغالي بالنبيذ، لكن لا، كانت تقصد سيارة البريوس (Prius) خاصتي.

كانت تقرأ كتاباً بعنوان “سيارة بريوس أم شاحنة؟: كيف توضح إجابة أربعة أسئلة بسيطة الانقسام الأميركي الهائل How the Prius or Pickup Answers to Four Simple Questions’ Explain America’ s Great Divide “، وهو كتاب جديد كتبه مارك هيثرينغتون وجوناثان وايلر، أستاذا العلوم السياسية في جامعة كارولينا الشمالية في تشابل هيل.

يتناولان في الكتاب فكرة الفصل بين الفصائل السياسية المتشدّدة، بناءً على الاختيارات البسيطة التي نتخذها في حياتنا، مثل ‏نوع السيارة التي نقودها، وما إذا كنّا نشتري القهوة من ستاربكس Starbucks، أو من دانكن دونتس Dunkin’ Donuts، وماهية القيم التي نغرسها في أطفالنا. كل هذا يعرّف أوجه تحيّزنا الثقافي والسياسي ويحدّدها، فضلاً عن الصعوبات التي تواجه الأطراف خلال تواصلهم مع بعضهم بعضاً. يصف الكاتبان طرفي النقيض على أنهما صاحبا تفكير “مرن” أو “تقليدي”.

‏استمعت إلى صديقتي وهي تناقش هذا من زاوية الحوار السياسي الوطني، ثم‏ اطّلعت على الكتاب لاحقاً. لم أستطع أن أتوقف عن التفكير في أن هذا قد يصف محبي النبيذ. وبالنظر إلى الأخبار التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بي، فإن رفاقي من محبي النبيذ يأتون من جميع الفصائل والمشارب السياسية. وبإمكان منشور واحد يدعم نبات السلق الشهي أن يتفكك سريعاً إلى شظايا من النقد اللاذع بسبب تعليق واحد. لذا دعونا نحاول وضع السياسة جانباً وننظر إلى مدى تأثير اختيارات النبيذ في تحديد صفاتنا.

وصف هيثرينغتون وجوناثان وايلر أصحاب التفكير المرن بأنهم أشخاص “يدعمون المعايير الاجتماعية والثقافية المتغيّرة، ويثير حماستهم كل ما هو جديد ومستحدث، كما تجدهم مستعدين لتقبّل الأشخاص الذين يبدون مختلفين ويرحّبون بهم. لذا يقودون البريوس أو، الفئة الثانية منها، تسلا Tesla”.

أما أصحاب التفكير التقليدي أو النمطي –في الجانب الآخر- فهم أكثر حذراً في ما يتعلق بالتغيير الاجتماعي والثقافي، ومن ثم فهم تقليديون وأكثر تشكيكاً في كل ما هو دخيل، كما يشعرون براحة أكثر نحو المألوف والمتوقع. لذا يقودون الشاحنة وربما، سيارات الكاديلاك.

يستمتع أصحاب التفكير المرن بتجربة الخمور. إذ يتقبّلون “الخمور الطبيعية”، ‏ويعثرون على نكهات غريبة وغير تقليدية وجذابة والتي قد تُنفِّر عدداً أكبر من شاربي الخمور التقليديين الذين يظنون أن هذه العيوب قد قُضي عليها من خلال صناعة النبيذ الحديثة. ‏كما يبحثون عن الخمور صديقة البيئة، التي صُنعت بواسطة الأساليب العضوية أو البيوديناميكية أو المستدامة، إذْ يهتمون بعدد ليترات الماء المستخدمة لصناعة زجاجة النبيذ أو البصمة الكربونية لمصنع النبيذ. لا يهتمّون بالدعم أو النقاط المتحصل عليها من قبل المنتقدين الذين يتبعهم آباؤهم باستسلام تام. ويحبّون تجربة الخمور من الأماكن غير التقليدية مثل ولاية فيرجينيا، وماريلاند، وبلغاريا، أو الجورا والعنب غير المألوف الذي يصعُب نطق اسمه (مثل rkatsiteli وmtsvane). وسيندفعون للاستمتاع بتجربة النبيذ ذي المذاق غير الاعتيادي والنادر، بخاصة إذا كان مُخمّراً في خزانات إسمنتية بيضاوية الشكل أو مدفوناً تحت الأرض في قوارير النبيذ المعروفة بـ”كفيفري”.

يستمتع أصحاب التفكير الثابت بنبيذ كابرنيه سوفينون ونبيذ كاردوني المخمر في البراميل، خصوصاً إن كان نبيذهم يتمتع بمكانة نبيذ  cult أو  grand cru، ذاتها. كلما زادت نسبة الكحول وتصنيف النبيذ في عداد النقاط كلما كان أفضل. يفضلون شراء نبيذ المناطق الكلاسيكية مثل بوردو وبورجوندي ونابا وباروسا وشاتونوف دي بابي. يتجادلون بشأن الأسلوب الكلاسيكي، في مقابل الأسلوب المعاصر وتصنيف “ساكلينغ” في مقابل تصنيف باركر، بل تعلو أصواتهم عند مناقشة الاختلافات الدقيقة في نبيذهم المفضل من عام إلى آخر. يستهلكون أمسيات كاملة في مناقشة أي الخمور يُستحسن احتساؤها الآن، وأيها يُستحسن الاحتفاظ بها لما بعد. ينظرون بريبة إلى أنواع النبيذ المحلية، لأنهم جربوا نوعاً منها أو اثنين قبل عقدين ووجدوا مذاقها مقرفاً.

ترتبط بعض أنماط الاستمتاع بالنبيذ بالجيل. فجيل طفرة المواليد الذين اكتشفوا النبيذ في الثمانينات والتسعينات، وهم الآن وصلوا أعلى مستويات دخلهم أو بدأوا استهلاك مخزون أقبيتهم، يمكننا أن نعذرهم على تمسكهم بأساليبهم الخاصة. لكنهم ربما ساهموا في جعل أنواع النبيذ العليا مثل نابا وبوردو بورجوندي باهظة الثمن، بالنسبة إلى الذواقة الأصغر سناً الذين ما زالوا في طور اكتشاف ذوقهم في النبيذ ومستويات دخلهم. أما جيل الألفية ومحتسو النبيذ الأصغر سناً، فأمامهم خيارات أكثر لاستكشافها ومستعدون لمنح أنواع النبيذ الأقل ثمناً فرصتها المستحقة.

هناك قاسم مشترك بالطبع. يفضل المهووسون بالنبيذ من كل الفئات الحصول على صفقة رابحة، وهو ذلك النبيذ الذي يحقق أفضل جودة مقابل أفضل سعر ويقدّم متعة لا محدودة بغض النظر عن النوعية. وسواء كنا نحتفل بنبيذ هارلان أو موفيا، فإنه يمكننا الإشارة باليد من أجل الحصول على نبيذ بييرزو اللذيذ.

لكننا قد نبالغ في تقدير هذا القاسم المشترك. كتبت جنيفر غيرستن طالبة الدكتوراه في الموسيقى في جامعة ستوني بروك، مقالة عبقرية في قسم الرأي بصحيفة واشنطن بوست في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، تندب فيه الكيفية التي استعيض بها عن الموسيقى الكلاسيكية، بما يسمى موسيقى المصاعد لإرخاء أعصابنا المشدودة. نخاطر بذلك بفقدان “الإيقاعات الحادة والصرخات المؤثرة والطبقات متعدّدة الأبعاد التي تميزت بها الموسيقى الكلاسيكية في أبهى صورها، عندما نفكر فيها فقط باعتبارها “باعثة على التثاؤب والملل” بحسب غيرستن.

ينطبق الأمر ذاته على النبيذ. إذا ركّزنا حصراً على الرخيص والجيد الذي يمثل الحاجة الأساسية لنا جميعاً، فإننا نخاطر بفقدان الإيقاعات الحادة والصرخات المؤثرة التي تجعل النبيذ مثيراً، والتي تربطنا بأرض بعيدة، وثقافتنا وتاريخنا، وتجعل النبيذ يساوي المزيد من المال.

أما بالنسبة إلي، اجلبو نبيذ تسلا المزروع عضوياً والصديق للبيئة الذي يخترق فوضى الملل والرتابة. ومع ذلك، سأستمتع بنبيذ “كابرنيه جيد” في كل الأوقات.

هذا المقال مترجم عن موقع Washington Post ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً:
لماذا علينا الانتباه في شرب الكحول بعد سن الـ30؟
حان الوقت لإعادة التفكير في مقدار الخمر الذي يعتبر مفرطاً

إقرأ أيضاً