ليس للرئيس محمود عباس من يستشيره!

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

من أكبر ادعاءات أو “كذبات” الحياة السياسية الفلسطينية، بل وأكثرها تندّراً ربما، الحديث عن صفة المستشارين، أي مستشاري الرئيس، وينطبق ذلك على عهد الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وبشكل أكبر على عهد الرئيس الحالي محمود عباس، علماً أن الحديث هنا يتعلق بعشرات الموظفين المعينين مستشارين، إلى درجة أنهم باتوا يشكلون طبقة بحد ذاتها. ومناسبة هذا الحديث القرار المفاجئ الذي اتخذه الرئيس، بإعفاء كل المستشارين من وظيفتهم (واستعادة أموال من وزراء سابقين).

وفي الحقيقة، وكما ثبت بالتجربة، فإن معظم هؤلاء المستشارين لا يمتلكون الخبرة ولا الصدقية للقيام بالمهمة المتعلقة بصفتهم الوظيفية أو السياسية، بمعنى أن تلك التسمية هي بمثابة الاسم “الحركي” لإحالة شخص ما على التقاعد، أو لركنه في الهامش، أو لإزاحته من موقع ما بموجب ترضية معنوية بإطلاق مسمى وظيفي له بصفة “مستشار”، التي لا تملك من اسمها شيئاً، إلا ما تتضمنه من علاوات وامتيازات معنوية ومادية.

الأمر المؤسف أن المستشارين المعينين بمعظمهم لا يعملون شيئاً، وليس لديهم ما يقدمونه، مقابل ما يأخذونه، سوى مداهنة الرئيس، وتبخير قراراته، وتعظيم خطواته، مهما كانت، ما يعني افتقادهم العقلية النقدية، بل والصدقية والمسؤولية السياسية والأخلاقية، بالاحتكام إلى مصالح الشعب، التي يفترض أنها من أهم مهمات المستشار.

اللافت، بعد كل ما تقدم، أن القيادة الفلسطينية، وهي باتت ممثلة أو مختزلة بسيادة الرئيس، لا تستشير أحداً، سوى ذاتها، والمتماهين معها. مع الأسف، والأخطر من ذلك أنه وعلى رغم تجربة سياسية غنية ومعقدة وطويلة (عمرها أكثر من نصف قرن)، وعلى رغم حيازة الشعب الفلسطيني نخبة ممتازة وواسعة من المثقفين والأكاديميين والباحثين، إلا أنه ليس ثمة مؤسسات لصنع القرار، ولا مراكز أبحاث أو دراسات، حتى مركز الأبحاث الفلسطيني المشهور شُلَّ منذ عقود. وبذلك لم يعد في الساحة الفلسطينية أي هيئة قيادية فاعلة، أو تؤخذ على محمل الجد، كمركز لصنع القرار وتحديد السياسات، وذلك بعد تهميش منظمة التحرير وإطاراتها، وبعد حل المجلس التشريعي (قبل اشهر بعد تجميده منذ 12 عاماً). ثم ما الحاجة لكل هذا العدد من المستشارين مع هذا العدد الكبير من أعضاء المجلسين الوطني والمركزي وبقية الهيئات التي لا تجتمع ولا تفعل شيئاً؟

القصد هنا أن القول المأثور: “أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً”، غير ملائم وغير صحيح البتة، لأن حال الفلسطينيين ومؤسساتهم ينطبق عليها القول: “سبق السيف العذل”، وفقاً لمسائل منهجية عدة، أهمها:

أولاً، أن الواقع، وتجربة ربع قرن على إقامة السلطة، يفيدان بأن ثمة فساداً منهجياً، أي لا يكتسب طابعاً فردياً فقط، إذ هو مغطّى بقرارات وإجراءات رسمية وقانونية، كما تبين من قرارات الرئيس، التي كانت بمثابة ردّ على إنكار بعض من ظلّوا ينكرون الفساد، في حين كانوا يغطون عليه، أو يحابونه، بحكم العصبية الفصائلية المرضية.

 

ليس للرئيس الفلسطيني، في الحقيقة، من يستشيره، وليس لدى المستشارين ما يقولونه، في واقع فلسطيني بائس لا يبعث إلا على الإحباط، بمعنى أن الأمل لم يعد يكمن في الترقيع، مع قرار هنا وقرار هناك، وإنما في الحاجة الماسة إلى الدفع نحو تغيير سياسي حقيقي

 

ثانياً، المسألة لا تتعلق بفساد مالي أو إداري منهجي، كما تبين، وإنما تتعلق بالفساد السياسي المنهجي، أيضاً، وبسوء إدارة السلطة والموارد، وتقريب الموالين، بحيث بتنا أمام بنية يصح القول فيها: “فالج لا تعالج”، فنحن إزاء بنية اعتادت طاعة أولي الأمر، للحفاظ على امتيازاتها ومكتسباتها ونمط عيشها، ولو كان ذلك على حساب شعبها، وعلى حساب تطور حركته الوطنية، وهي بالتالي بنية لا تستطيع حمل أهداف وطنية، مهما كان ثقلها، أو مستواها، لا مثل مواجهة ما يسمى “صفقة القرن”، ولا ما هو أقل منها.

ثالثاً، ما يفترض إدراكه هنا، أيضاً، أن الفساد الأكبر إنما يكمن في التفرد بالخيارات السياسية، وكما نعلم فقد تم التوصل إلى اتفاق أوسلو (1993)، الناقص والمجحف والمهين، بل وتم إبرامه، من خارج الهيئات القيادية الفلسطينية، أي لم يتم عرضه للنقاش العام، ولا أمام الهيئات القيادية الشرعية، لا في حركة فتح ولا في المنظمة. وتم تمريره لاحقاً في المجلس المركزي، وليس في المجلس الوطني. أيضاً، تم تهميش “منظمة التحرير الفلسطينية” من قبل القيادة، لمصلحة السلطة، حتى أن المجلس الوطني الفلسطيني، المفترض أنه أعلى هيئة تشريعية فلسطينية، لم يعقد سوى اجتماعين منذ 1991، أي في 28 عاماً، بمعنى أنه عقد اجتماعين فقط بعد قيام السلطة، أولهما، عام 1997، وثانيهما، عام 2018. أما الاجتماع الذي عقده المجلس الوطني عام 2009، فقد كان مخصصاً لملء الشواغر في اللجنة التنفيذية للمنظمة وحسب. وكما شهدنا فإن المجلس التشريعي، للسلطة، جُمِّد منذ عام 2007، بسبب الخلاف بين “فتح” و”حماس”، بل وحُلَّ نهائياً قبل أشهر، كما ذكرنا، من دون الشروع بالتهيئة لانتخابات رئاسية وتشريعية، بحكم انتهاء آجالهما الدستورية منذ 8 أعوام.

رابعاً، وباختصار، فن الفساد يكمن، أيضاً، في تكريس حال الجمود والتكلس في الحياة السياسية الفلسطينية، وفي القيادة الفردية، وغياب المراجعة النقدية، وعدم المحاسبة وعدم تحمل القيادة مسؤوليتها في الإدارة وإخفاق خياراتها، إلى جانب وصول حال الكيانات السياسية الفلسطينية إلى هذه الدرجة من انعدام الفاعلية، ومن الفجوة بينها وبين مجتمعات الفلسطينيين في الداخل والخارج.

والحال، فليس للرئيس الفلسطيني، في الحقيقة، من يستشيره، وليس لدى المستشارين ما يقولونه، في واقع فلسطيني بائس لا يبعث إلا على الإحباط، بمعنى أن الأمل لم يعد يكمن في الترقيع، مع قرار هنا وقرار هناك، وإنما في الحاجة الماسة إلى الدفع نحو تغيير سياسي حقيقي، ربما باتت تعتمل عوامله في حراكات الفلسطينيين ونقاشاتهم، التي لا بد أن تثمر إن لم يكن اليوم فغداً، أو عند توفر الظروف المناسبة.

سلطتا فلسطين متساويتان بالتعذيب في السجون

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام جبيلي – إعلامية لبنانية
أقف خلف مجموعة شبّان، يشتمون بعبارات نابية. تنظر فتاة إليّ وتراقبني، هل سأكمل الـ”هيلا هو” أم لا؟ أكملها بملء غضبي. تصمت وتبتسم لي. لا تزال في مراحل علاجها الأولى.
– ana ladmin
درج
لم يعتدِ خلدون جابر على متظاهرين، لم يضرب أحداً بالعصي والحجارة ولم يحرق خيماً. كل ما فعله أنه هتف في ساحات الاحتجاج أمام قصر بعبدا “عهدك جوّع الكل”.
ترجمة – New Yorker
بالطبع لديك فرصة لأن تصبح أكثر سعادة في الثمانين عما كنت عليه في العشرين أو الأربعين، لكنك سوف تشعر أنك أسوأ حالاً!
عبدالله المحمد – صحافي سوري
يرصد هذا التحقيق خلال ستة أشهر، استئصال رحم فتيات سوريات مصابات بإعاقات عقلية، إمّا خوفاً من تعرّضهنَّ للاغتصاب ومن ثم الحمل، أو للهروب من مصاعب الدورة الشهرية وآلامها، والتي لا تستطيع المصابة التعامل معها.
“درج”
من حسن حظ الانتفاضة اللبنانية أنها ما زالت على هامش انشغالات الإعلام العربي. قناة “الجزيرة” لم تتحول إلى قناة “الثورة” على نحو ما كانت هذه القناة في سوريا ومصر واليمن وغيرها، وقناة “العربية” ما زالت حذرة في تحويلها الانتفاضة إلى قصتها الرئيسية.