“ليست خزانة بل زنزانة”: القساوسة الكاثوليك مثليّو الجنس يتحدّثون جهراً

ترجمة – New York Times
مارس 3, 2019
قصص القساوسة المثليّين مكتومة ومحجوبة عن العالم الخارجي، ولا يعرفها إلا القساوسة المثليّون أنفسهم. بعضهم يسأل: "ماذا لو كان مسموحاً حقاً لكل قسيس بأن يعيش حياته بحرية وصدق تبعاً لإرادته؟"

لسنوات، كان قادة الكنيسة يطردون المصلّين المثليين ويلحقون العار بهم…

كان غريغوري غريتن في السابعة عشرة عندما نَظم القساوسة اللعبة. كان ذلك عام 1982 وكان غريتن في رحلة روحانية مع زملائه في الصف في معهد القديس لورانس الكاثوليكي الروماني المخصص للصِبية المراهقين الذين يتدربون ليصيروا قساوسة. طلب القادة من كل طفل على حدة أن يُرتب الأمور التالية، إذا كان عليه الاختيار من بينها: أن يُحرق أكثر من 90 في المئة من جسمه، أو أن يُصاب بالشلل، أو أن يكون مثلياً.

اختار كل منهم أن يُحرَق أو أن يصاب بالشلل. لم يتفوه أحد منهم بكلمة “مثلي”. وسمّوا تلك اللعبة “لعبة الحياة”.

فُهم الدرس. وبعد 7 سنوات، تسلق غريتن نافذة حجرته في المعهد، وأنزل ساقاً واحدة من حافتها. “أنا مثلي فعلاً”، هكذا يتذكر الأب غريتن -الذي صار الآن قسيساً بالقرب من ميلواكي- حين اعترف لنفسه للمرة الأولى بالأمر، وأضاف “كان ذلك أشبه بحكمٍ بالإعدام”.

ترتكز “خزانة” الكنيسة الرومانية الكاثوليكية على تناقضات مستحيلة. لسنوات، كان قادة الكنيسة يطردون المصلّين المثليين ويلحقون العار بهم، ويصرّون على أن “الميول المثلية” ما هي سوى “خلل”. ومع ذلك، آلاف قساوسة الكنيسة هم مثليو الجنس.

قصص القساوسة المثليين مكتومة ومحجوبة عن العالم الخارجي، ولا يعرفها إلا القساوسة المثليون أنفسهم، هذا إذا عُرفت أصلاً.

لم يجرؤ إلا أقل من 10 قساوسة في الولايات المتحدة على الإفصاح عن ميولهم علناً. إلا أن المثليين من الرجال يمثلون ما لا يقل عن 30 إلى 40 في المئة من القساوسة الأميركيين الكاثوليك، وفقاً لعشرات التقديرات من الباحثين ومن الكهنة المثليين أنفسهم. يقول بعض القساوسة إن الرقم يقترب من 75 في المئة. وهناك قس من ولاية ويسكونسن قال إنه يفترض ميولاً مثليةً لأي كاهن، ما لم يثبت العكس. وصاغ قس آخر في فلوريدا الأمر كالتالي: “ثلثهم ذات ميول مثلية، والثلث الآخر ذات ميول مستقيمة، والثلث الأخير يجهل ما هي ميوله أصلاً”.

شارك 20 كاهناً مثلياً وطالباً في المدارس الدينية من 13 ولاية، تفاصيل دقيقة عن حياتهم داخل “الخزانة الكاثوليكية” مع مجلة “نيويورك تايمز”، على مدار الشهرين الماضيين. أُجريت معهم لقاءاتٍ في كنائسهم قبل القداس، وفي متاحف الفنون في العطلات الأسبوعية، وفي شققهم المُزينة بأضواء “النيون” بألوان قوس القزح، وقبل الصفوف في المدرسة. وافق البعض على التصوير، شرط إخفاء هوياتهم.

وكلهم تقريباً طلبوا السرية التامة كي يتحدثوا، خوفاً من عقاب أساقفتهم أو رؤسائهم. بعضهم مُنع صراحةً من الإفصاح عن ميوله أو حتى التحدث جهراً عن المثلية الجنسية. وهم بمعظمهم يعملون في أديرة ناشطة، وقد يفقدون الكثير إذا تم فضحهم. فالكنيسة تتحكم في معظم الأحيان، في إسكان الكاهن وتأمينه الصحي ومعاش تقاعده. وقد يخسر كل ذلك إذا عرف أسقفه أن ميوله الجنسية غير سوية، حتى إذا كان الكاهن مخلصاً لتعهداته بالتعفف.

صارت البيئة أكثر خطورة بالنسبة إلى الكهنة المثليين. وقد أثار سقوط الكاردينال ثيودور مكاريك الذي كان صاحب نفوذٍ في السابق وخُلِع من منصبه الأسبوع الماضي، إثر اعتداءات جنسية على أطفالٍ وشباب، موجةً من الادعاءات بأن المثلية الجنسية هي المتهم في كارثة الاعتداءات المتجددة.

خلُصت الدراسات مراراً إلى عدم وجود صلةٍ بين الميول المثلية والاعتداء على الأطفال. ومع ذلك، أرجع أساقفة بارزون السبب الوحيد لتلك المشكلة إلى الكهنة ذوي الميول المغايرة، وتهاجم المنظمات الإعلامية اليمينية ما سمته “الثقافة الفرعية المثلية” في الكنيسة أو “مافيا اللافندر” أو “جماعات المثلية السرية”.

البابا فرنسيس قبل وصوله إلى قمّة مخصّصة للتباحث في التحرّش الجنسي بالأطفال

حتى البابا فرنسيس صار أكثر انتقاداً في الأشهر القليلة الماضية. ووصف المثلية الجنسية بأنها شكل من أشكال “الموضة”، وأوصى بعدم قبول الرجال ذوي “الميول المتأصلة تلك” في الأديرة، وناشد الكهنة المثليين بأن يتحلوا “بقدر كبير من المسؤولية، وأن يحاولوا عدم التسبّب بفضائح”.

يستضيف البابا فرنسيس قمّة طال انتظارها حول الاعتداءات الجنسية مع أساقفة من جميع أنحاء العالم. يعد النقاش بألا يدور حول محاسبة الأساقفة فقط، بل حول المثلية الجنسية نفسها.

“لم أكن أنا صاحب العار أبداً، بل كان عار الكنيسة. الكنيسة هي التي يجب أن تخجل لما فعلته معي ومع كثيرين من مجتمع المثليين”.

الأب غريغ غريتن

“لا تعرف عائلتي أنني أعاني من تلك المشكلة، فأنا لم أخبرهم أبداً. أنا أؤمن بتعاليم الكنيسة الخاصة بالزواج والهوية الجنسية، إلا أنني أحاول فقط أن أفهم ما يعنيه ذلك لي. قد يبدو الأمر غريباً نوعاً ما. أشعر بأن، ما أجاهد فيه بالفعل هو رغبتي في أن أكون قادراً على مساعدة الكاثوليك الآخرين حتى لا يفقدوا إيمانهم”.

“إنها حياتي”، هكذا قال كاهن أبرشية في شمال شرقي الولايات المتحدة، وأضاف “وكأن الجميع الآن يبحثون بضراوةٍ عن أشياء لم تفعلها”.

لم يكن هذا التحول متصوراً قبل بضع سنوات فقط. وعندما تفوه البابا فرنسيس بالسؤال الثوري، “من أنا لأحكم عليهم؟” عام 2013، أغرى باب الخزانة أن يفتح قليلاً. وخطا خارجها بحذر بعض القساوسة.

لكن إذا فُتح باب الخزانة قليلاً، فإن أزمات الاعتداء الجنسي الحالية تهدد بإغلاقه بقوة. وقد دفعت كباش الفداء الكثيرة بالكثير من الكهنة إلى الدخول بعمق إلى تلك الخزانة.

يقول الأب بوب بوسين، كاهن في بارك سيتي بولاية يوتا، والذي كُشف أمره قبل 12 سنة، بعدما أقام قداساً لمجتمع المثليين، “الغالبية العُظمى من الكهنة المثليين ليسوا في مأمن”. وأضاف: “الحياة في الخزانة أسوأ من أن تكون كبش فداء. إنها ليست خزانة، بل زنزانة”.

حتى قبل أن يُدرك الكاهن أنه مثلي، يكون على علمٍ بالخزانة. يتم تعليم هذه القاعدة في مرحلة مبكرة، غالباً ما تكون أثناء المدرسة الدينية. “لا بد ألا يجتمع اثنان من دون ثالث”، هكذا يُقال في التحذير، تحركوا في مجموعات من ثلاثة أشخاص، وليس في ثُنائيات. كما يُمنع أن يسير فردان معاً أو أن يذهبا إلى السينما. لطالما حذرت السلطات العُليا لسنوات: الصداقات بين الذكور خطرة للغاية، ويمكن أن تنزلق إلى شيء جنسي أو تتحول إلى ما سمته “صداقات خاصة”.

أوضح كاهن أطلق على أصدقائه في السابق لقب “الأصدقاء الخاصين”، أنه “لا يمكنك أن تحظى بعلاقة صداقة خاصة مع رجل، إذ يمكن أن ينتهي بك الحال مثلياً”. وأضاف: “ولا يمكنك أن تكوّن صداقة مع امرأة، لأنكما قد تقعان في الحب، وكلا الأمرين يتناقض مع عهود التعفف. مع من إذاً يمكن أن تكوّن صداقة يمكن اعتبارها علاقة إنسانية صحية”.

يبدأ التدريب على الكهنوتية في الولايات المتحدة في الوقت الراهن أثناء أو الجامعة أو بعدها. لكن حتى عام 1980، كانت الكنيسة تستقدم أولاداً في الصف التاسع ليبدأوا التدريب – مراهقين في مخاض مرحلة البلوغ. وبالنسبة إلى الكثير من الكهنة والأساقفة الحاليين الذين تزيد أعمارهم على الخمسين عاماً، قيّدت تلك البيئة التطور الجنسي الصحي. إذ لا يُمكن للكهنة الزواج، لذا كانت الهوية الجنسية منذ البدء تتعلق بالطاعة والاستعفاف.

“كنتُ في منتصف الخمسينات عندما أعلنتُ هويتي الجنسية. دخلتُ المدرسة الدينية في الثامنة عشرة، كنتُ شاباً متحمساً، أبيض بكراً لا يعرف أي شيء، ناهيك عن كونه مثلياً أو مستقيماً. حملتُ هذا السر في داخلي لمدة ثلاث سنوات. ولم أكن أصلي أن يغيرني الرب، بل أن أموت قبل أن يكتشف أحد أمري”.

كان الأب غريتن في الـ24 حين أدرك أنه مثلي الجنس، وفكر حينها في القفز من نافذة مسكنه. لكنه آثر ألا يقفز، واعترف بسرّه إلى أحد زملائه. تبيّن أن هذا الزميل نفسه مثلي الجنس أيضاً

الأب بوب بوسين

“حينما كنت في الصف الثامن، كان هناك ثلاثة أمور يمكنني فعلها حين أكبر. أن أصبح سائق شاحنة مثل أبي. أو أن أصبح طبيباً، لكن لم أكن ذكياً بما يكفي لذلك. لكنّني كنت مثلياً، لذا كان الأمر الوحيد المتبقي هو أن أصبح كاهناً”.

بينما كانت الثورة الجنسية تضطرم خارج جدران الإكليريكية، ربما وصلت أصداؤها إلى القمر، وكذلك الإنجازات الوطنية البارزة في النضال من أجل حقوق المثّليين، مثل تظاهرات “ستون وول” التي ربما وصلت أصداؤها إلى المريخ.

قال أحد الكهنة في إحدى الأبرشيات الريفية إن القواعد ذكرته كيف أجبرت مدرسته الابتدائية الطلاب عُسر الأيدي بالكتابة بأيديهم اليمنى. “يُمكنك أن تتعلم التصرف باستقامة لتنجو”.

وتابع حديثه قائلاً: “ما زلت أتذكر أحد الطلاب في المعهد الديني يخرج من حجرة طالب آخر الساعة الخامسة فجراً، وقلت لنفسي حينها، أليس هذا لطيفاً؟ لقد تحادثا طوال الليل. لقد كنت ساذجاً جداً”.

عادة، يكشف الكهنة في أميركا هوياتهم الجنسية في سن أكبر من متوسط الرجال المثليين على المستوى الوطني، الذي يصل إلى 15 عاماً. تحدث كثر من الكهنة عن تدافعهم بين الإنكار والحيرة، وأخيراً يقرون لأنفسهم بميولهم في سن الثلاثينات أو الأربعينات.

كان الأب غريتن في الـ24 حين أدرك أنه مثلي الجنس، وفكر حينها في القفز من نافذة مسكنه. لكنه آثر ألا يقفز، واعترف بسره إلى أحد زملائه. تبيّن أن هذا الزميل نفسه مثلي الجنس أيضاً. لقد كانت مفاجأة مذهلة: كثيرون كانوا يدرسون ليُصبحوا كهنة وميولهم الجنسية مثّلية. كل ما في الأمر أن أحداً لم يكن يتحدث عن ذلك.

ولذا تواصل مع أحد الكهنة المُعلّمين والذي ظنَّ أنه ربما يكون مثلياً أيضاً.

يتذكر الأب غريتن حديث هذا المُعلّم معه، وكلماته حين قال، “سيمر عليك وقتٌ في حياتك وتتذكر كل ذلك وتُحب نفسك لكونك مثلي الجنس”. وأضاف “فكرت حينها لا بد أن هذا الرجل مجنون تماماً”.

لكنه اكتشف المفارقة الغريبة للخزانة الكاثوليكية – إنها لم تكن سراً على الإطلاق.

يوضح الأب غريتن قائلاً، “هي مثل خزانة مفتوحة، بيد أنها لا تصبح قضية شائكة إلا عند إعلانها والحديث عنها علناً”.

يتذكر كاهن، لم تكن أبريشيته على علم بكونه مثّلي الجنس، إحدى حفلات الكوكتيل منذ سنوات، حين كان يتحدث مع بعض زملائه الكهنة بأمور “دنيئة” عن قس مثلي الجنس. تدخل في الحديث وكشف ميوله الجنسية لهم. خسر ليلتها 3 أصدقاء. “لقد كسرت الميثاق بإعلاني أنّني مثلي الجنس. لقد خرقت مؤامرة الصمت”، يقول.

لهذا السبب لا يكشف كثيرون عن ميولهم الجنسية إلا لبعض الأصدقاء المقرّبين. فقد علمتهم الشائعات مَن هم الكهنة مثليّو الجنس في أبريشياتهم ومن يمكنهم الوثوق به، ومن ينبغي عليهم أن يحذروا منه.

“ليست هذه القصة الكاملة لهويتي. لكن إن لم تكن ترغب في معرفة هذا عني، هل ترغب حقاً في معرفتي؟ أدعو رجال الدين إلى التفكر ملياً في هذا السؤال”.

تُظهر الدراسات المتتالية، أن المثليّة الجنسية ليست مؤشِّراً للتحرش الجنسي بالأطفال، وهذا ينطبق أيضاً على الكهنة

الأب ستيف وولف

“كان عمري 40 سنة تقريباً حين كشفت ميولي الجنسية لعائلتي ولبعض الأصدقاء المقربين. قبل ذلك كشفت ميولي لبعض زملاء الدراسة. أدركت أن هذا أمر لا يتعلق بي، بل بحقوق الإنسان. إذا وشى أحد سري لم أكن لأكذب. ولكن لا يزال هناك الكثير من رهاب المثلية في الكنيسة”.

يجب أن يتصارع الكهنة مع عهود العفة، والقلة الذين كشفوا ميولهم علناً أعلنوا صراحةً أنهم لم يمارسوا الجنس.

وعلى رغم ذلك، اعترف كهنة كثيرون بممارستهم الجنس مع رجال آخرين، ليكتشفوا هويتهم الجنسية. وشاهد بعضهم أفلاماً جنسية ليروا كيف ستبدو ممارسة الجنس بين رجلين. في النهاية شعروا بالحسرة والمعاناة أكثر مما شعروا بالمتعة.

مارس أحد الكهنة الجنس للمرة الأولى في حياته عندما بلغ 62 سنة، مع رجل لا تربطه به أي علاقة سوى أنه قابله على الإنترنت. بيد أن العلاقة اكتُشفت ووصل الخبر لإلى الأُسْقُف، ولم يمارس الجنس منذ ذلك الحين. بل الأدهى من ذلك، عندما سُئل كاهن آخر إن كان فكر في اتخاذ رفيق له من قبل، تعجب مما يعني ذلك. وصمت لبرهة، قبل أن يذكر أحد أصدقائه المميزين للغاية. وقال: “لقد أُغرمت أكثر من مرة برجال، وعرفت من البداية أن هذا لم يكن ليدوم”.

على رغم فتح الخزانة، إلا أن وجودها من الأصل يعني أن كثراً من الكهنة احتملوا القصص الأشد إيلاماً بين صدورهم لعقود: طالب اللاهوت المُنتحر، والذي عُثر على علبة ثقاب من حانة لمثليي الجنس في غرفته بعد ذلك. اصدقاء الكاهن الذين ماتوا جراء إصابتهم بالإيدز. وشعور العودة كل ليلة إلى صومعة خالية.

لذا وجدوا أساليب لتشجيع بعضهم بعضاً. إذ يتبادلون كتباً مثل كتاب الأب جيمس مارتن الثوري “بناء جسر Building a Bridge” الذي يدور حول العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية والمجتمعات المثلية. ووقع بعضهم عريضة ضد برامج علاج التحويل التي تهدف إلى تغيير التوجه الجنسي، والمدعومة من قبل الكنيسة، أو اجتماعهم في صوامعهم الخاصة بعد معرفة كيفية اخفاء ذلك عن الكنيسة. وبين الحين والآخر، قد يزيل كاهن رابطة عنقه ويقدم عرضاً لمباركة زواج مثليين بشكل غير رسمي.

قال أحد الكهنة، “قد يصف البعض ذلك على أنه تمرد، ولكن هذه ليست جمعية سرية، بل مجموعة دعم”.

منذ ما يزيد عن عام، بعد لقائه مجموعة من الكهنة المثليين، قرر الأب غريتن أن الوقت حان لإنهاء صمته. وخلال العظة في قداس الأحد، أخبر رعية أبريشيته أنه ذو ميول مثلية، ولا يمارس الجنس. قفز أهل الرعية على أقدامهم وصفقوا له.

انتشرت قصته على نطاقٍ واسعٍ وبسرعةٍ فائقة. اتصل به كاهنٌ يبلغ من العمر 90 سنة، ليقول إنه عاش حياته كلها داخل الخزانة (الأبرشية) ويتوق إلى مستقبلٍ مختلفٍ، في حين، وجهت له سيدة من ولاية ميسيسيبي رسالة لتطلب منه، أن ينتقل إلى عندهم في الجنوب، ليكون كاهنهم الخاص.

بالنسبة إلى بعض قادة الكنيسة، قد يُشكِّل هذا الدعم المنهمر تهديداً أكبر حتى مما يحوم حول حياته الجنسية. ارتكب الأب غريتن الخطيئة الكبرى، إِذْ فتح الباب للنقاش. أصدر رئيس الأساقفة، جيروم ليشتكي من ميلواكي، بياناً يقول فيه إنَّه تمنّى عدم خروج قضية الأبّ [غريتن] إلى العلن، في وقت انهمرت الرسائل التي تصفه بأنه “شيطانيّ” و” مثْلِيّ قذر” و”وحش” مارس اللواط مع الأطفال.

إقرأ أيضاً: “إنهم شياطين”: قاديروف يطارد ويعتقل مثليي الشيشان

“علينا أن نتصرّف على النحو الصحيح عندما يتعلق الأمر بالمسائل الجنسية”.

تظل فكرة أن الكهنة المثليين مسؤولون عن الاعتداء الجنسي على الأطفال اعتقاداً راسخاً، لا سيما في الكثير من الدوائر الكاثوليكية المحافظة. كما ساد ارتباكٌ عميقٌ لسنواتٍ عدة، بين قادة الكنيسة، حول العلاقة بين الرجال المثليين والانتهاكات الجنسية. ومع الكشف عن كل قضية اعتداء جنسي جديدة، تزداد الخيوط المتشابكة للثقافة الجنسية في الكنيسة، تعقيداً واستعصاءً على الحل.

تظهر الدراسات المتتالية، أن المثليّة الجنسية ليست مؤشِّراً للتحرش الجنسي بالأطفال، وهذا ينطبق أيضاً على الكهنة، وفقاً لدراسة مشهورة أجرتها كلية “جون جاي للعدالة الجنائية”، في أعقاب الكشف عام 2002 عن حالات الاعتداء الجنسي التي تعرض لها الأطفال في الكنيسة. توصل البحث الذي أجرته كلية جون جاي، بتكليفٍ من قادة الكنيسة، إلى أن تجارب الجنس المثليّ لا تجعل الكهنة أكثر ميلاً للاعتداء على القاصرين، وأن أربعة من كل خمسة أشخاص، شاركوا في البحث، وذكروا أنهم كانوا ضحايا، هم من الذكور. ولم يجد الباحثون سبباً وحيداً يفسِّر هذا الاعتداء، لكنهم توصلوا إلى أن الاحتكاك المفرط بالأطفال، من قبل القساوسة الذين اقترفوا تلك الاعتداءات الجنسية، شكّل عاملاً حاسماً في اختيارهم الضحايا.

تسببت الفكرة القائلة إن هوية جنسية معينة تؤدي إلى سلوكٍ مسيءٍ، في إضعاف الروح المعنوية للكهنة لعقود من الزمن. وبعد أيامٍ من تقاعد أحدهم، لا يزال يتذكر ما قاله رئيس أساقفة في فترة السبعينات، لجمهور الكهنة الجدد، قبل توجههم إلى مهماتهم الأبرشية الأولى. إِذْ قال لهم رئيس الأساقفة “لا أريدكم أن تتصلوا بي لِتبلغوني عن راعي أبرشيتكم، ما لم يكن مثلياً أو alchie”، في إشارة منه إلى مدمن خمر. “لم يكن يعرف حتى ما كان يقصده عندما قال مثلياً، لأننا كنا جميعاً كذلك. كان يعني مفترساً!”.

لا يزال هذا التصور سائداً حتى اليوم في المعاهد الدينية الكاثوليكية البارزة. يقول أحد الطلاب المثليين الذين يخشون الظهور للعلن، إن القليل جداً، يتحدثون عن الهوية الجنسية، في معهد مونديلين في ولاية إلينوي، أكبر معهد من نوعه في الولايات المتحدة. ومنذ الصيف الماضي، عندما ظهرت إلى العلن قضية اعتداء مكاريك جنسياً على الشبان، تم تدريب الطلاب على قواعد العزوبة، وتحذيرهم من شرور الاستمناء والصور الإباحية.

قال الطالب: “سيقول الزملاء، لا تقبلوا المثليين. ويتمثل موقفهم في أن الكهنة المثليين هم الذين يعتدون جنسياً على الشباب الأصغر سناً”.

يسأل الكهنة في جميع أنحاء البلاد عما إذا كانت تضحياتهم تستحق العناء. ويسأل الأب مايكل شاناهان، وهو كاهنٌ من مدينة شيكاغو ظهر علانية قبل 3 سنوات: “هل سأترك الكهنوت لأنني سئمتُ من مثل هذا الاتهام؟”، قبل أن يضيف “هل سأصبح أكثر بعداً من رواد الأبرشية؟ هل سأضطر للاختباء؟ هل سأصبح متصلباً وعجوزاً؟”.

من تظاهرة للمطالبة بالعدالة للناجين من اعتداءات جنسية على يد كهنة- روما، شباط 2019

من شبه المؤكد أن لوم الرجال المثليين على التحرش الجنسي سيكون موضوعاً رئيسياً في الفاتيكان، وذلك في قمة منتظرة ستدوم  4 أيام لمناقشة التحرش الجنسي. كان البابا فرنسيس دعا أكثر أساقفة العالم تأثيراً إلى روما، من أجل توعيتهم إلى مشكلة التحرش، وذلك في أعقاب قضايا تحرش تضمنت شخصيات شهيرة في الولايات المتحدة وأستراليا وتشيلي وبلدانٍ أخرى.

“لماذا أبقى؟ إنها حياة رائعة. أنا منبهر بجدية أبناء الأبرشية وإخلاصهم… هذا الكرم الجمّ. هذه السلبية التي تملأ العالم الخارجي، لا تتوافق مع ما أقابله في حياتي اليومية عندما أرى طيبة الناس. أنا أسعى إلى تقفي هذه الطيبة، لأنها تبقيني حياً” (الأب مايكل شانهان).

“بعد وصولي إلى أبرشيتي، أتذكر أنني فكرت، إذا كان علي أن أعترف بهويتي الجنسية الآن، فهذا هو المكان الذي قد يمكّنني من ذلك. هذا بعيد من بالي في الوقت الحالي. من الواضح لأصدقائي أنني لا أخفي ذلك. لكن في المناخ الذي نعيشه، لم أكن لأعرّف نفسي أبداً بأنني قسّ مثلي الجنس”.

أثار الحدث قلق القساوسة المثليين. بعد سنوات من فضيحة 2002، منع الفاتيكان المثليين من حضور الحلقات الدراسية والرسامات. وعندما أُثيرت أزمة التحرش مجدداً في الصيف الماضي، اتهم السفير البابوي السابق لدى الولايات المتحدة، المطران كارلو ماريا فيغانو، “شبكات المثليين” من الكرادلة الأميركيين، بالعمل سراً لحماية المتحرشين. وصدر هذا الأسبوع كتاب صادم بعنوان “Sodoma” في أوروبا، (“في خزانة الفاتيكان In the Closet of the Vatican” في الولايات المتحدة). ويدَّعي الكتاب أنه يكشف عن ثقافة مثلية واسعة الانتشار في الفاتيكان.

اتخذت مجموعة من القساوسة المثليين في هولندا أخيراً، خطوة جريئة ومستَغرَبة تمثَّلت في الكتابة إلى البابا فرانسيس، يحثّونه على السماح للرجال المثليين العزاب بالارتسام.

قال جون كو (63 سنة)، وهو شمَّاس دائم في ولاية كنتاكي، اعترف بميوله السنة الماضية، متحدثاً عن القمة “عوضاً عن تحميل مزيد من المسؤولية على الأساقفة، قد يتحول الأمر مجدداً إلى إدانة للمثليات والمثليين والمتحولين جنسياً في الكنيسة”.

فكَّر الأب غريتن ملياً في هذا كله، وهو جالس في غرفة المشاورات الصغيرة في أبرشيته. وتمنى لو أن باستطاعته التحدث مع البابا فرانسيس نفسه، ليقول له “استمع إلى قصتي، إلى الكيفية التي آذتني بها الكنيسة نفسياً لكوني رجلاً مثلي الجنس”.

وقال بينما يحتدُّ صوته مرتفعاً “لا يتعلق الأمر بأزمة التحرش الجنسي فقط، إنهم يروِّعون ويؤذون جنسياً جيلاً آخر مقبلاً. علينا أن نقف ونقول لا مزيد من التحرش الجنسي، لا مزيد من الترويع الجنسي، لا مزيد من الإيذاء الجنسي. علينا أن نزيد مستوى الوعي بالهويات الجنسية”.

كان الأب غريتن حينها يستعد لرحلته الـ15 إلى الهندوراس برفقة أطباء ولوازم طبية. وعلى الجدار، كان هناك صندوق ظل معلقاً فوقه، يحتوي قطعة قماش مُحاكة أرجوانية اللون، لا تزال الإبرة معلقة بالجزء العلوي منها. وهو يسميها “الهدية غير المكتملة”.

وسأل: “ماذا لو كان مسموحاً حقاً لكل قسيس بأن يعيش حياته بحرية وصدق تبعاً لإرادته؟”، وأردف: “هذا هو حلمي”.

بقلم: إليزابيث دياس

هذا المقال مترجَم عن موقع New York Times ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

خلف يوسف أبو خلف: رحلة داعية أردني من السلفية إلى الإلحاد والمثلية الجنسية

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تعتقد الغالبية أن الانتخابات الرئاسية ستجرى بالحد الأدنى من المشاركة الشعبية. وهذا بسبب انخفاض درجة الحماسة لدى المواطنين للمشاركة في التصويت نتيجة التشكيك في جدية الانتخابات ونزاهتها.
ترجمة- The Nation
امتدت الاحتجاجات في الأسابيع الماضية إلى 5 قارات – أغلب العالم – من لندن وهونغ كونغ الثريتين حتى تيغوسيغالبا والخرطوم الفقيرتين.
يارا بدر – صحافية سورية
باستخدام اللغة، حركة الكاميرا، وتركيب التفاصيل لإنتاج مشاهد القتل الهادئ السريع المأخوذة من صور الحكايات القديمة، يُقدّم سكورسيزي واحداً من أفضل النماذج للفن المُقارن.
محمد خلف – صحافي عراقي
إلى أين يمكن أن يصل غضب المحتجين في العراق ولبنان؟ هذا السؤال جاهدت صحف ومراكز بحث غربية في البحث عن إجابات له بعد صمود شباب البلدين وثباتهم في الساحات والشوارع.
هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email