fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - New York Times

ترجمة - New York Times

مقالات الكاتب

لماذا يكنّ قوميو أوروبا الوسطى هذا الحب كله لإسرائيل؟  

لطالما اتسمت فترات التحول السياسي الكبير بصعوبات جمة، لا سيما بالنسبة إلى اليهود، واللحظة الراهنة ليست استثناءً من هذه القاعدة. فقد شهدت نعرات معاداة السامية تصاعداً في أوروبا، ويخشى كثيرون أن تؤدي عودة ظهور النزعة القومية، إلى تفاقمها.

بيد أن الآونة الأخيرة شهدت تطوراً غير متوقع: فقد واكب تصاعد معاداة السامية في أوروبا افتتان متزايد بين صفوف اليمين المتشدد في إسرائيل، وعلى وجه الخصوص، رئيس وزرائها بنيامين نتانياهو. وصل هذا الافتتان أشده بشكل خاص بين الأحزاب الشعبوية القومية الحاكمة في أوروبا الوسطى، وهي المنطقة التي وجدت فيها تاريخياً معاداة السامية أرضاً خصبة.

ينظر زعماء أوروبا الوسطى إلى نتانياهو باعتباره حليفاً مقرباً. ففي العام الماضي، أعلنت مجموعة “فيشغراد”، وهي منظمة للتعاون الثقافي والسياسي بين دول وسط أوروبا، عن خطط لعقد اجتماع في إسرائيل، وهو أول اجتماع لها خارج حدود القارة العجوز. بيد أن هذه الخطة فشلت في نهاية المطاف بسبب الخلاف بين بولندا وإسرائيل حول الهولوكوست، ومع ذلك فقد حملت رمزية الحدث أهمية كبيرة، وقام قادة من البلدان الثلاثة المتبقية في مجموعة فيشغراد -التشيك، والمجر، وسلوفاكيا- بزيارة إلى إسرائيل.

في المقابل، سعى نتانياهو إلى توطيد العلاقات مع الزعماء الشعبويين في أوروبا الوسطى. ووصف فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر، بأنه “صديق حقيقي لإسرائيل”، فيما واجه أعضاء بارزون من الجالية اليهودية في بودابست انتقادات إلى الزعيم المجري بسبب خطابات معاداة السامية التي علت خلال حملته ضد جورج سوروس.

ما السبب في افتتان الشعبويين في أوروبا الوسطى بإسرائيل في ظل قيادة نتانياهو، بالطريقة ذاتها التي افتتن بها اليساريون في أوروبا الغربية خلال حقبتي الستينات والسبعينات من القرن الماضي، بالزعيم الكوبي فيدل كاسترو؟

مما لا شك فيه أن السياسة الواقعية هي الدافع وراء ذلك. إذ تعتبر إسرائيل أحد الأطراف الفاعلة التي تتسم بالعقلانية، وهي كأي طرف عقلاني آخر، تسعى إلى عقد تحالفات. يرى نتنياهو في حكومات أوروبا الوسطى، مدافعين يُمكنهم القيام بدور محتمل داخل الاتحاد الأوروبي، من شأنه أن يساعد في تخفيف الضغوط التي تمارسها بروكسيل على إسرائيل بسبب سجلها في حقوق الإنسان المثير للشكوك. وتحقيقاً لهذه الغاية، زار المنطقة مراراً وتكراراً. وأتت جهوده بثمارها، إذ منعت الجمهورية التشيكية والمجر ورومانيا بياناً للاتحاد الأوروبي ينتقد فيه الولايات المتحدة، بسبب خطتها لنقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس.

ترى حكومات أوروبا الوسطى علاقتها الخاصة مع إسرائيل، وسيلة مميزة للاستفادة من اقتصاد إسرائيل النشط، وطريقة للتقرب من الرئيس ترامب وإدارته الموالية لإسرائيل. كما يُعتقد على نطاق واسع في المنطقة، أنه لكي يحصل زعيم دولة صغيرة في وسط أوروبا على دعوة لزيارة البيت الأبيض، ينبغي عليه إما شراء الكثير من المعدات العسكرية الأميركية أو أن يقوم نتانياهو بالضغط من أجل الزيارة.

بيد أن التحالف الشعبوي مع إسرائيل، يحمل بين طياته ما هو أكثر من مجرد زواج مصالح وحسابات استراتيجية.

أوضح شلومو أفينيري، العالم الإسرائيلي الليبرالي الكبير، ذلك قائلاً، “في حين أن إسرائيل جغرافياً توجد في الشرق الأوسط، فإن سياساتها غالباً ما تكون في أوروبا الشرقية. ليس هذا فحسب، بل يعتبر الاتحاد السوفياتي السابق، المصدر الأول للهجرة إلى إسرائيل هذه الأيام، على رغم أن ذلك، أيضاً، يبدو أنه يؤثر في سياسة البلاد. والأدهى من ذلك كله، فقد كان كثر من مؤسسي الدولة اليهودية من أوروبا الوسطى والشرقية، وتشكل خيالهم السياسي من خلال سياسات الدول المستقلة حديثاً، التي نشأت في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى”.

 

تتشابه الحركة الصهيونية والسياسات القومية التي هيمنت على وسط أوروبا وشرقها، بين الحربين العالميتين في الكثير من النواحي، بل قد تكون نسخة مطابقة لها – والتي غالباً ما كانت معادية للسامية. ربما السبب في افتتان الشعبويين في أوروبا الوسطى بإسرائيل اليوم، هو حلمهم القديم الذي تحقق: فقد صارت إسرائيل دولة  ديموقراطية، لكنها ديموقراطية عرقية. إذ تُعرف نفسها بأنها دولة لليهود بالطريقة نفسها التي يتخيل بها الأوروبيون الشرقيون بلدانهم، كدولة للبولنديين أو المجريين أو السلوفاك. فقد حافظت على روح التضحية البطولية باسم الأمة التي يصبو السياسيون القوميون لإيجادها في مجتمعاتهم.

 

ثم هناك التركيبة السكانية. إذ  ينظر المواطنون في وسط أوروبا وشرقها إلى إسرائيل، باعتبارها المجتمع الغربي الوحيد الذي يكسب الحرب السكانية، من خلال عكس اتجاه التراجع السكاني. في الوقت الذي تعد فيه أوروبا الشرقية أسرع مناطق العالم من حيث تناقص السكان، نجحت إسرائيل في إقناع اليهود في الشتات بالعودة، وتبدو قدرتها على إقناع الإسرائيليين بإنجاب المزيد من الأطفال، وكأنها معجزة.

يشترك الشعوبيون في أوروبا الشرقية أيضاً مع نتانياهو في انعدام الثقة في أي شيء يبدو أنه ينتمي إلى ما بعد القومية أو يحمل إشارات اللاقومية. إنهم يتفقون مع يورم حزوني، الفيلسوف السياسي الإسرائيلي المحافظ ومؤيد نتانياهو، وهو مؤلف كتاب “فضائل القومية” المؤثر، الذي يقول إن الصدام السياسي الرئيسي في تاريخ العالم ليس بين الطبقات ولا الأمم، بل بين القوميين الذين يؤمنون بأن الدولة القومية هي أفضل أشكال التنظيم السياسي، والإمبرياليين الذين يدافعون عن الإمبراطورية العالمية. يعتقد حزوني وأتباعه، أن الإمبراطورية الرومانية وإمبراطورية هابسبورغ والاتحاد السوفياتي والاتحاد الأوروبي وحتى الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة، هي مجرد نماذج مختلفة لفكرة الإمبراطورية العالمية. ومسؤولية القوميين الحقيقيين هي الكفاح من أجل تدمير تلك النماذج.

يُقدم نتانياهو نموذجاً جذاباً للسياسة بطرائق أخرى أيضاً. إذ إنه يخوض الانتخابات كما لو كانت حروباً شعواء، وناخبوه مستعدون للتسامح مع اتهامات الفساد الموجهة إليه. يجد فيكتور أوربان الكثير مما يثير إعجابه في إسرائيل. وفي الوقت نفسه، فهو على استعداد للتغلب على الانتقادات من بقية العالم، بينما يحتفظ بحقه في الشعور بأنه ضحية – وهي استراتيجية يحاكيها “حزب العدالة والقانون” البولندي. على رغم أن  إسرائيل بلد صغير، فبفضل قوتها الاقتصادية والعسكرية، تلعب دوراً في عصبة القوى العظمى، وتُظهر قدرة على تحدي الولايات المتحدة.

يُساعد تفهم افتتان القوميين في أوروبا الوسطى بإسرائيل على فهم أحلامهم السياسية، لكنه يكشف أيضاً حدودهم. تستند أسس السياسة القومية لإسرائيل ومقاومتها الضغوط الدولية، إلى الذريعة الإسرائيلية بأن البلاد تواجه تهديدات وجودية. وبالفعل، يستغل السياسيون الإسرائيليون تلك التهديدات استغلالاً خبيثاً  في بعض الأحيان،  لكنها لا تزال تُمثل تهديدات حقيقية. لا يمكن أن يقال الشيء ذاته بالنسبة إلى أوروبا الوسطى، التي تشهد الآن مذ صارت جزءاً من الاتحاد الأوروبي، أكثر فترة سلمية في تاريخ المنطقة.

يعتبر القادة الشعبويون في أوروبا الوسطى إسرائيل نموذجاً للكيفية التي يُمكن من خلالها إقامة دولة صغيرة ذات سيادة وبطولات. ولكنه حلم الحياة الطبيعية، وليس خيال التضحية البطولية، هو ما يحفز معظم مواطني أوروبا الشرقية في نهاية المطاف.

بعبارة أخرى، سهل أن تُعجب بإسرائيل، لكن من الصعب أن تقنع مجتمعك بالاقتداء بها.

 

إيفان كراستيف

هذا المقال مترجم عن nytimes.com ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً