fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسمين ابراهيم

ياسمين ابراهيم

مقالات الكاتب

لماذا نكره المدينة ونعبد الريف؟

حدّثتني جنى التي تعمل هي وزوجها لإعالة نفسيهما وأطفالهما الثلاثة، قالت: “بالـ 850 دولاراً التي هي مجموع ما نكسبه شهريّاً، نحسّ أنّ بيروت تطردنا في كلّ لحظة. لقد طردتنا حين كنّا نبحث عن عمل، وطردتنا حين رحنا نبحث عن بيت للإيجار. لكنّني أكثر ما أحسّ بالطرد في أيّام عطل الأطفال، فأين آخذهم كي يلعبوا وأنت تعلم كم تفتقر المدينة إلى الحدائق والمساحات الخضراء! مدن الملاهي الصغرى مكلفة جدّاً جدّاً، فضلاً عن كونها تفصل الأطفال عن الطبيعة أكثر ممّا تصلهم بها أو تعرّفهم إليها”.

هكذا تقرّر جنى أن تصطحب عائلتها في كلّ عطلة إلى القرية. هناك يستطيع أن يلعب الصغار “في الطبيعة”، بينما يتّسع لهم بيت أهلها على نحو قد لا يكون مريحاً تماماً إلاّ أنّه لا يقلّ راحة عمّا يوفّره بيتهم البيروتيّ: “على الأقلّ هناك نتنشّق هواء نظيفاً، وأمّي وأختي تساعدانني في أمور الأطفال والمسؤوليّة عنهم”.

ما تفعله جنى ويفعله كثيرون وكثيرات مثلها يشكّل إحدى الحقائق البارزة في الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة اللبنانيّة. فهو ينمّي شعوراً بعدم الانتماء إلى المدينة، إن لم يكن العداء لها: “فنحن مضطرّون بسبب العمل لأن نعيش في بيروت”. وهذا الانفصال الذي تعزّزه أسباب اقتصاديّة أيضاً، لا سيّما الغلاء والبطالة، إنّما ترسّخه طبيعة المدينة الشرقيّة نفسها حيث يقيم ساكن المدن في حيّ الأهل والأقارب أكثر ممّا يقيم في “المدينة”. أمّا علاقة الأحياء والحارات في ما بينها فيصعب أن تقوم على قاعدة من تبادل أو تكامل، ناهيك عن الودّ. لا بل يجوز الظنّ بأن تلك العلاقة تؤكّد مسافة التمايز والفصل القابلة، في أزمنة التوتّر، أن تنقلب عداءً.

لكنّ هذا الطرد المتعدّد الأشكال من المدينة يكمّله توطيد لحمة الانتساب إلى القرية. فإذا كانت العطلة تُقضى في القرى، وإذا كانت المدينة تُعاش مع المهاجرين من أهل القرية والقرى المجاورة، فهذا يعني أنّ القرية هي “الوطن”. إنّها المكان الذي يتمسّك به المواطن ويدافع عنه ويعتبره الملاذ والملجأ والاحتياط. المدينة هي الآخر، إن لم تكن العدوّ.

الوجه الآخر للترييف الذي تؤدّيه السياسة فهو لغة السياسيّين التي لا يزال التلفزيون وبرامجه القناة الأنشط في إيصالها إلى السكّان وفي “تثقيفهم” بها. فهؤلاء إذ يخوضون حملاتهم الانتخابيّة، وإذ يتهاترون في ما بينهم، إنّما يغرفون من مخزون لغويّ ريفيّ (كثيراً ما عبّر عنه الزجل)، مخزونٍ ينضح بالمباهاة والتضخيم الاستعراضيّ والنرجسيّ المرفق بالحطّ من الخصم (مش عارف حالك مع مين عمتحكي… ما حدا بيزايد علينا… أقزام وعمالقة…).

وأسباب عبادة الريف في لبنان كثيرة، إذ فضلاً عن الأصل والفصل اللذين يعاد إنتاجهما بصور موسّعة وعلى نحو دائم، هناك القرب الجغرافيّ الذي يجعل الوصول إلى أبعد القرى في أقصى الشمال أو الجنوب لا يستغرق أكثر من ساعتين ونصف. هذا علماً بأنّ نصف ساعة تكفي للوصول إلى عدد كبير من القرى في جبل لبنان أو في محيط صيدا. يترافق هذا القرب مع التزوّد المتواصل بالمآكل التي تُطهى في بيوت الأهل، ولكنْ أيضاً بـ “مُوْنتنا” من الخضار والفاكهة والزيت وسوى ذلك. أمّا السياسة فتخدم هذا الميل الترييفيّ من وجهين على الأقلّ: ذاك أنّ الانتخابات النيابيّة، وعلى تعدّد قوانينها في الجمهوريّتين الأولى والثانية، تعيد المقترع إلى مسقط رأسه في الريف، بدل أن يصوّت حيث يسكن ويعمل ويدفع الضريبة. هناك، في القرية، ينتخب بموجب تصويت عائلته الأكبر التي تنشدّ إلى العصبيّة الموروثة و/أو إلى الخدمات والتنفيعات التي قدّمها لها هذا الزعيم أو ذاك. وهذا التصويت للزعيم الفلانيّ ضدّ ذاك الزعيم إنّما يصوغ مشاعره حيال الشأن العامّ ويحكمها.

بيد أنّ الوجه الآخر للترييف الذي تؤدّيه السياسة فهو لغة السياسيّين التي لا يزال التلفزيون وبرامجه القناة الأنشط في إيصالها إلى السكّان وفي “تثقيفهم” بها. فهؤلاء إذ يخوضون حملاتهم الانتخابيّة، وإذ يتهاترون في ما بينهم، إنّما يغرفون من مخزون لغويّ ريفيّ (كثيراً ما عبّر عنه الزجل)، مخزونٍ ينضح بالمباهاة والتضخيم الاستعراضيّ والنرجسيّ المرفق بالحطّ من الخصم (مش عارف حالك مع مين عمتحكي… ما حدا بيزايد علينا… أقزام وعمالقة…).

… ولا يبقى لجنى، والحال هذه، إلاّ أن تحلم بيوم لا تعود فيه “مضطرّة” إلى الإقامة في بيروت: “لا أعرف متى يأتي الخلاص… ونعود كلّنا لنعيش في الضيعة”.     

إقرأ أيضاً