fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

لماذا لن تقع الحرب الأميركية – الإيرانية الآن؟

تتضاعف يوماً بعد يوم احتمالات نشوب حرب بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية. الاستعدادات العسكرية من الطرفين، إضافة إلى التهديدات الاستفزازية المتبادلة، وغيرها من المؤشرات، تدل على أن هناك حرباً على وشك أن تندلع بينهما.

على رغم ذلك ما زالت شرارة الحرب العسكرية تحت الرماد، فيما بدأت حرب التصريحات تأخذ بعداً أكثر خطورة، بعد إعلان إيران بدء خفض سقف التزاماتها باتفاق جنيف مع الدول الستّ، ونيتها استئناف إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب، الأمر الذي أزعج الدول الأوروبية الداعمة للتهدئة، وقد يحولها إلى دول داعمة للحرب.

هذا في السياسة، أما في العسكر، فيعتبر عدم وجود حدود مشتركة بين دولتين، أحد أكثر الأسباب التي تؤخر اندلاع حرب بينهما. فالحدود المشتركة تسمح بترجمة التوتر السياسي بين الطرفين المتخاصمين، بشكل مباشر وسريع، إلى مناوشات عسكرية. تنتفي عملياً هذه النظرية، ما بين الولايات المتحدة وإيران، على رغم تمركز القوات البحرية الأميركية في مياه الخليج، وانتشار قوة عسكرية إيرانية في السواحل المقابلة.

بين طهران وواشنطن، توتر سياسي وعسكري دائم، منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، لكن ذلك، لم ينسحب على تجاورهما العسكري في كثير من بلدان المنطقة. ففي العقد الأخير، تجاورت القوات البرية لكلا البلدين في عدد من القواعد العسكرية في المنطقة (سوريا والعراق) في حربهما ضد “داعش”. وعلى رغم اختلاف أجندة كل منهما في كيفية التعامل معه، إلا أن ذلك لم يؤد إلى أي مواجهة عسكرية بينهما. قبل ذلك، في أفغانستان، كانت المعارك ضد طالبان، تحصل وفق تعاون وتنسيق ما بين الجيش الأميركي والحرس الثوري.

ين طهران وواشنطن، توتر سياسي وعسكري دائم، منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، لكن ذلك، لم ينسحب على تجاورهما العسكري في كثير من بلدان المنطقة.

على سواحل الخليج من الجهة الإيرانية، تنتشر القوات البحرية لتنظيم الحرس الثوري في خمس مناطق استراتجية: بندر عباس، بوشهر، ماهشهر، عسلوية وبندر لنكه، وهي تتحكم بطرق الدخول والخروج إلى منطقة الخليج عبر مناطق جزر أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى. في المقابل، يتمركز عند سواحل البحرين، الأسطول الخامس للبحرية الأميركية، الذي يضم حاملة طائرات ووحدات من القوات الخاصة الأميركية والقطعات البحرية الكبيرة والصغيرة. إضافة إلى القاعدة العسكرية الضخمة للجيش الأميركي في قطر، التي تفرض هيمنتها العسكرية، على مياه الخليج وبحر عمان وصولاً إلى أفغانستان ومناطق آسيا الوسطى وجزء من شمال أفريقيا. وعلى رغم انتشار قوات البلدين على نطاق واسع في الخليج، إلا أنهما لم يتواجها، منذ 31 سنة، أي منذ آخر مواجهة في أعقاب انتهاء الحرب الإيرانية العراقية. وعلى رغم حصول تماس بين زوارق الحرس والبحرية الأميركية في مياه الخليج، مع بداية صعود دونالد ترامب، لكن كل ذلك، على رغم حساسيته، لم يؤد إلى حصول أي صدام مباشر بين الطرفين.

​ المواجهة العسكرية بمعنى الحرب الكاملة، مفهوم يتجاوز الاشتباك العسكري المحدود والضربات الجوية أو الهجمات الصاروخية أو حتى إسقاط طائرة استطلاع من دون طيار. الحرب الكاملة تحتاج عادة إلى استخدام عديد ضخم من القوات البرية. لا تمكن رؤية الولايات المتحدة ولا إيران في هذا الوضع حالياً. فلم تستقدم الولايات المتحدة عدداً كبيراً من قواتها البرية إلى المنطقة بعد، كما فعلت في حرب الكويت وفي غزو أفغانستان والعراق. كذلك إيران، لم تستقدم حتى الآن المزيد من قواتها البرية، إلى المناطق الجنوبية التي تعد ساحة المعركة الرئيسية، بما يكفي للبدء في الحرب الكاملة.

من عادة الجيوش النظامية، التي تتحضر للدخول في حرب، أن تبدأ تدريبات عسكرية ضخمة، وتقوم بمناورات تحاكي ساحة المعركة. على مدار العقد الماضي، بخاصة السنوات الخمس الماضية، نفذت القوات البرية الإيرانية والحرس الثوري عدداً لا يحصى من المناورات القتالية على الشواطئ الجنوبية وكانت تبلغ دول المنطقة عنها. لذلك لا تعد التدريبات التي نشهدها اليوم، تحضيراً للحرب المفترضة، ذلك أن دواعيها اليوم، لا تختلف عما كانت عليه في السنوات العشر الماضية. الشيء نفسه ينطبق على مناورات البحرية الأميركية وحلفائها، فالتدريبات العسكرية التي تشهدها الضفة الأخرى للخليج، لمواجهة سياسة تفخيخ مضيق هرمز، لا يمكن اعتبارها تحضيراً لعمل هجومي ضد إيران، إنما هي انعكاس لرغبة الولايات المتحدة في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً.

​ المواجهة العسكرية بمعنى الحرب الكاملة، مفهوم يتجاوز الاشتباك العسكري المحدود والضربات الجوية أو الهجمات الصاروخية أو حتى إسقاط طائرة استطلاع من دون طيار.

من المؤكد أن الكلام عن الاستعداد للدخول في الحرب لا يعني بالضرورة الدخول فيها. فتبادل التهديدات بين قادة دولتين متخاصمتين لا سيما العسكريين، إشارة لبدء صراع عسكري بينهما، لكنه يشير بالقدر ذاته إلى أقصى درجات التحذير لثني الطرف الآخر عن شن حرب. في علم الحروب، تعتبر أحياناً، زيادة العديد والعتاد في المنطقة المتوترة، وكذلك زيادة التحذيرات العسكرية، بمثابة تنبيه للجانب الآخر من الحرب ومخاطرها، ولا يمكن أن تفسر دائماً على أنها تهديد بالحرب، بل ربما لمنع وقوعها.

تشير المعطيات إلى أن هذا التوصيف ينطبق على الولايات المتحدة وإيران، حتى هذه الساعة. فالجانبان يعطيان انطباعاً بأنهما مصممان على الدخول في الحرب، لكن لم تظهر منهما إشارة حقيقية تؤكد أن أحدهما يرغب فعلياً في بدء الحرب. بطبيعة الحال، بالنظر إلى التوتر الحاد الحاصل بينهما، وفي غياب السيطرة وتراجع الديبلوماسية وسياسة ضبط النفس، فإن أي اشتباك محدود يندلع في أي وقت بين الطرفين، مرشح ليتحول في أسرع وقت إلى صراع حقيقي وحرب بحرية ثم غارات صاروخية وجوية.

المواجهة الأميركية – الإيرانية: كل شيء مسموح في الحب والحرب

إقرأ أيضاً