fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Foreign Policy

ترجمة - Foreign Policy

مقالات الكاتب

لماذا تخلت الإمارات عن السعودية في اليمن؟

أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة أنها ستسحب جزءاً على الأقل من وحداتها العسكرية المتمركزة في اليمن، ما يُشير إلى مشكلة خطيرة في علاقة البلاد بالمملكة العربية السعودية.

جاء الإعلان في الثامن من تمّوز/ يوليو، عندما أشارت الإمارات إلى أنها ستغير استراتيجيّتها “العسكرية أولاً” إلى نهج أكثر ديبلوماسية، وصرَّحت أيضاً بأنها ستخفّض عدد قواتها الموجودة في المنطقة. وأكد مسؤول يمني هذه الأنباء، مشيراً إلى أن الجنود الإماراتيين قد “أخلوا تماماً” بالفعل قاعدةً عسكرية في مديرية الخوخة التي تبعد نحو 80 ميلاً جنوب مدينة الحُدَيدة على البحر الأحمر. فضلاً عن ذلك، أكد مسؤولون إماراتيون أنهم ناقشوا عملية الانسحاب مع السعودية العام الماضي، وقالوا إن الانسحاب لن يتسبب في إحداث فراغ، نظراً لأنّ الإمارات قامت بتدريب حوالى 90 ألفاً من أبناء القبائل اليمنية ورجال الأمن السابقين وعناصر الميليشيات في الجنوب ممّن يمكن أن يَملَأوا هذا الفراغ.

على رغم أنه لم يصدر عن المملكة العربية السعودية أيُّ تصريح خاص بشأن الانسحاب، فقد ذكرَت صحيفة “نيويورك تايمز” أن المسؤولين في الرياض “توسّطوا لدى القادة الإماراتيين في محاولة لِثَنيهم عن قرار الانسحاب”. وبعدما فشلت هذه الجهود، تولّت القوات السعودية أخيراً قيادة مديرية الخوخة ومدينة المُخا الساحلية في جنوبها. كما أرسلت الرياض قوات إلى مدينة عدن الجنوبية وجزيرة ميون المجاورة لها، والواقعة في مدخل مضيق باب المندب الاستراتيجي. ونظراً لأنّ الاستحواذ على هذه المناطق والسيطرة عليها قد تطلَّب من الإمارات خوضَ معارك طاحنة من قبل، فإن رحيلها عنها يُعَد أشدَّ خطورةً مما أشارت إليه التصريحات الأولية.

ثَمَّة أيضاً مشكلة بالغة الخطورة تتمثّل في أن رحيل الإمارات سيخلِّف وراءه نوعاً من المنافسة والصراع المحتمل بين الميليشيات التي تولت مهمة دعمها وتعزيزها في المناطق التي سيطرت عليها من قبل. فقد صار الآن “المجلس الانتقالي الجنوبي”، الذي يرأسه حاكمُ عدن السابق عيدروس الزبيدي الذي أقاله الرئيس عبد ربه منصور هادي عام 2017، يتولّى -لأسباب عملية- المهمات الحكومية في عدن، ويخطط لإجراء استفتاء من أجل الاستقلال.

قد تواجه الرياض صعوبةً في استيعاب رغبات المجلس وإدارة الميليشيات الأخرى التي دعمتها الإمارات، مثل قوات الحزام الأمني، وقوات النخبة الشبوانية، وقوات النخبة الحضرمية -وجميعها تعتبر جزءاً من الجيش اليمني شكليّاً- إضافة إلى ألوية العمالقة السلفية، ولواء أبو الفضل العباس. كان السبب المزعوم الذي قدمته المملكة العربية السعودية للتدخل في اليمن هو إعادة هادي إلى السلطة، والمساعدة في الحفاظ على وحدة اليمن. لذا فإن الاعتراف بخصومه في الجنوب والتعاون معهم من شأنه أن يقوِّض المبررَ الأساسيَّ الذي قامت المملكة العربية السعودية بشنّ الحرب لأجله وأن يضرَّ بصدقيتها.

تُثير هذه الحقائق المُرة تساؤلاتٍ حول سبب قرار الإمارات الانسحابَ في المقام الأول؛ بيد أن هناك بعض الاحتمالات.

من جانب، فربّما قرّرت الإماراتُ العربيّة المتّحدة أخيراً -مع تعرّضها لتباطُؤ في النموّ الاقتصاديّ محلّيّاً- التراجُعَ عن معركةٍ متأزّمة بوضوح ضدّ خصمٍ عنيد. فقد أدركَت الإمارات أنّ الميليشيات المتحالفة معها ستواصل سيطرتها على الجزء الجنوبيّ من اليمن، وأنّ المملكة العربيّة السعوديّة، وإن أغضبها هذا الانسحاب، لن تحرمها من الوصول إلى المرافق البحريّة التي تعتبر ضروريّة وجوهريّة لهدفها الاستراتيجيّ الذي يتمثّل في السيطرة على القواعد البحريّة، بدءاً من المحيط الهنديّ إلى البحر الأبيض المتوسّط. على رغم غضب صنّاع القرار السعوديّين من الانسحاب الإماراتيّ، فإنّه من غير المرجَّح أن يقرّروا حرمان الإمارات من استخدام المرافق اليمنيّة، لأنّهم بحاجة إلى دعم أبو ظبي في مواجهة إيران، وفي النزاع المتواصل مع قطر.

في المقابل، لو أدّى هذا المأزق وانسداد الأفق إلى تقسيم اليمن، فإنّ المصالح الإماراتيّة ستظلّ مقدَّمة ومَرعيّة. وإذا نجح الحوثيّون في السيطرة على أجزاء من جنوب اليمن، ومن ثم توفير موطئ قدَم لإيران في المنطقة، فإنّ تهديدهم الإمارات، وهي البعيدة جغرافيّاً، سيكون محدوداً. في الوقت ذاته، فإنّ استقلال جنوب اليمن مع سيطرة سياسيّين وقوّات موالية للإمارات عليه، سيكون معتمداً على دعم أبو ظبي، التي من يمكن حينئذٍ أن تحظى بحرّيّة غير مقيّدة للوصول إلى مرافق الجنوب وأراضيها.

تقع الإمارات، التي لا يزال لديها قلق كبير بشأن التحدّي الإيرانيّ في الخليج- تحت مزيد من الضغوط غير المسبوقة لحماية الجبهة الداخليّة. فقد اعتقدَت في السابق أنّ بإمكانها الاعتماد على الولايات المتّحدة للمساعدة في احتواء إيران، ولكنّ مع تراجع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب عن توجيه ضربة لإيران بعد إسقاطِها طائرة تجسّس أميركيّة، فإنّ الإمارات الآن تفضّل أن تجمع جنودها ليكونوا أقرب إلى الجبهة الداخليّة في الوطن.

 

أصبح القادة الإماراتيّون منزعجين جدّاً من مستوى النقد الموجّه ضدّ الإمارات العربيّة المتّحدة والمملكة العربيّة السعوديّة في أرجاء الكونغرس الأميركيّ، بشأن الفظائع المرتكَبة بحقّ المدنيّين في اليمن

 

بالمثل، أصبح القادة الإماراتيّون منزعجين جدّاً من مستوى النقد الموجّه ضدّ الإمارات العربيّة المتّحدة والمملكة العربيّة السعوديّة في أرجاء الكونغرس الأميركيّ، بشأن الفظائع المرتكَبة بحقّ المدنيّين في اليمن. فقد أقرّ مجلس النواب ومجلس الشيوخ تشريعاتٍ تحدّ من إمدادات الأسلحة الأميركيّة إلى البلدَين، وحتى الآن ليس سوى نقض ترامب هو ما دعم استمرار مبيعات الأسلحة إلى أبو ظبي والرياض. من الضروريّ، على المدى الطويل، أن تُبقي الإمارات على علاقة جيّدة مع الكونغرس من أجل علاقات إماراتيّة – أميركيّة جيّدة.

كلّ هذا يدعم قرار الانسحاب، ولكن أيّاً كان السبب الحقيقيّ الكامن وراء قرار الإمارات بالرحيل عن اليمن، فإنّ هناك أمراً واحداً واضح، ألا وهو أنّ المملكة العربيّة السعوديّة في مأزق، إذ لا يُمكنها مواصلة الانخراط الأبديّ في اليمن من دون شركاء لديهم القدرات والوسائل العسكريّة كالإمارات، ولا يمكنها أن تجمع قوّاتها وترحل، لأنّ هذا قد يمثّل هزيمة استراتيجيّة ستؤدي إلى استقرار الميليشيات الحوثيّة المتحالفة مع إيران والتي تفرض سيطرتها على شمال اليمن.

لذا، فليس من الصعب تصوّر السعوديّة وهي تعيد التفكير في علاقتها مع جارتها الصغيرة، وهو الأمر الذي قد يضرّ بالمصالح الإماراتيّة. إذ تحتاج الإمارات، كدولة صغيرة، إلى دعم المملكة في جبهتين على الأقلّ: مواجهة المنافسين داخل مجلس التعاون الخليجيّ، مثل قطر وعُمان، ومقاومة أنشطة إيران في منطقة الخليج.

 

هذا المقال مترجم عن foreignpolicy.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

اليمن على حافة الهاوية: كيف تستفيد الإمارات من فوضى الحرب؟

 

إقرأ أيضاً