fbpx

هنا القصة الثالثة

نصري حجاج - سينمائي فلسطيني

نصري حجاج - سينمائي فلسطيني

مقالات الكاتب

لماذا تحجّبت فاديا حمدي؟

مرت قبل أيام الذكرى الثامنة لقيام التونسي محمد البوعزيزي بحرق نفسه، وما تبع ذلك من احتجاجات تواصلت بعد خبر موته، متأثراً بحروقه، وانهار إثر ذلك نظام الرئيس زين العابدين بن علي. هرب بن علي إلى السعودية في ثورة شعبية سيكون لها تأثير في البلدان العربية التي شهدت هي الأخرى حراكات شعبية، نجح بعضها في إسقاط الأنظمة القديمة، بغض النظر عن مآلات هذه الحراكات في مصر وليبيا واليمن، فيما ما زال البعض الآخر يصارع نظاماً ما  برح قائماً حتى اليوم، بسبب الدعم الخارجي من أكثر من جهة إقليمية ودولية كما يحصل في سوريا.
هنا محاولة للنظر إلى بدايات ما اتفق داعمو الثورات على تسميته بالربيع العربي، فيما يسميه داعمو الأنظمة المؤامرة.
تلك اللحظة، لحظة الصدام بين الشرطية التونسية والرجل التونسي التي أشعلت ناراً تحت الرماد هي اللحظة التي أحبُ أن أنظر إليها .
صورتان للشرطية البلدية التونسية فاديا حمدي التي صفعت محمد البوعزيزي على وجهه بعد مشادة لفظية بينهما، دفعته إلى إضرام النار بنفسه، فأصيب بحروق بليغة أدت إلى وفاته، ما زاد من اشتعال الاحتجاجات في تونس ضد النظام وبدأت الثورة الشعبية وسقط نظام الرئيس بن علي.

فاديا حمدي قبل الحجاب وبعده

الصورة الأولى  لفاديا حمدي قبل الثورة وسقوط النظام والثانية بالحجاب بعد الثورة .

لا أدري ما طبيعة الأسباب التي دفعت الشرطية إلى التحجب، ولا أعرف إذا  كانت أسباباً شخصية، تأثراً بالحضور الكثيف في المجتمع التونسي لحركة النهضة الإسلامية أم الشعور بالذنب تجاه موت البوعزيزي ورغبة بالتطهر من الذنوب وإراحة الضمير وسعياً إلى الغفران من الله، أم لأسباب أخرى مهما كانت شخصية لا بد أن يكون لموت البوعزيزي أثر عميق فيها.

هناك أسئلة معقدة وشائكة في كثرتها وتداخلها كنت أحبّ أن أطرحها في فيلم وثائقي بعنوان (باب بنات المفتوح)، وباب بنات هو أحد أبواب مدينة تونس العتيقة، كتبت له سيناريو عام 2012 وحاولت أن أجد له إنتاجاً في تونس ولم أوفق.

هل نستطيع أن نلجأ إلى الخطاب” الفمنستي” الراديكالي في حكاية فاديا والبوعزيزي؟. بمعنى أنه لو أردنا أن نتجاوز، رغبة في النقاش فقط، حالة الظلم الاجتماعي والقهر الطبقي والفساد القائم قبل الثورة وما الى ذلك من تفاصيل تتعلق بأسباب الثورات في بلادنا هل نستطيع أن نحصر النقاش حول الصدام بين الرجل البوعزيزي والمرأة فاديا حمدي، الذي أدى إلى ما أدى إليه من تغيير في أحوال المجتمع التونسي ومن ثم في أحوال المجتمعات العربية في مصر وسوريا واليمن وليبيا، إلى محض نقاش حول الذكورية الجريحة التي أدمتها صفعة المرأة الأنثى المعنفة  لفظياً كامرأة من رجل من عامة الشعب وهي التي تمثل (مصادفة) السلطة؟

 

هل تحمل اللحظات الأولى للثورات العربية التي ولدت في تونس بداية نقاش جدي حول وضع المرأة العربية ووضعها التراجيدي من قتل واغتصاب وخطف وسبي ومهانة دائمة؟

 

هل نذهب مع النقاشات الفمنستية الراديكالية إلى التعاطف مع فاديا حمدي التي تعرضت إلى عنف لفظي بإيحاءات جنسية ما أثار حفيظتها الأنثوية فصفعت البوعزيزي فاستفز ذكورته المهانة التي هي مهانة أصلاً  في إنسانيتها وفي ما تمثله، من النظام السياسي الإجتماعي الطبقي الذي يعاني منه كل تونسي وكل تونسية مع تكثيف المهانة لدى الرجل نتيجة الثقافة الذكورية المضخمة لذات الذكر؟

وحجاب فاديا حمدي، هل صار رمزاً للسلطة  المهزومة التي اختفت خلفه وهل حجاب النساء الذي انتشر انتشاراً  أفقياً هائلاً في تونس ما بعد الثورة، هو محاولة لا واعية للتسلل في تفاصيل الحياة التونسية لسرقة ما كان يحلم به التونسيون من تغيير نحو ديموقراطية أوسع وأقوى وأوضح؟

ثم هل يمكننا اللجوء إلى التحليل النفسي لتأمل ظاهرة الإرهابيين الإسلاميين التونسيين في تونس وسوريا وليبيا وإرجاعها إلى تلك اللحظة المدماة عندما هوت المرأة فاديا حمدي بكفها على وجه الرجل محمد البوعزيزي فقام بالانتحار، كما يقوم هؤلاء الإرهابيون بالانتحار ونحر الآخرين بلا وازع أو ضمير؟
هل تحمل اللحظات الأولى للثورات العربية التي ولدت في تونس بداية نقاش جدي حول وضع المرأة العربية ووضعها التراجيدي من قتل واغتصاب وخطف وسبي ومهانة دائمة؟ وهل يمكننا أن نقول إن ظاهرة الإرهابيين الإسلاميين التونسيين البارزة في أكثر من ساحة محاولة لا واعية للانتقام من المرأة نفسها التي رفعت القوانين المدنية في تونس من شأنها، معززين في تشكلهم بالتعاليم الدينية الأصولية التي تجعل المرأة في الحضيض من المقام الاجتماعي؟

 

إقرأ أيضاً:

الخوف من المقارنة بين عنف الأسد وعنف إسرائيل

لماذا لم ينقذوا نيراز سعيد من القتل؟

إقرأ أيضاً