fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

خالد العكّاري

مقالات الكاتب

للّعنة اسمٌ برازيليّ: جايير بولسونارو

هل تظنّون أنّ دونالد ترامب أو فيكتور أوربان أو رودريغو دوتيرتي متطرّفون؟

مخطئون.

المذكورون، قياساً بجايير بولسونارو، الذي انتُخب قبل أيّام رئيساً للبرازيل، معتدلون. مارين لوبين، إيّاها، كانت تعتبر بولسونارو متطرّفاً. لقد استنكفت، أقلّه في العلن، عن التعامل معه. بعد انتخابه تغيّر موقفها بالطبع. هنّأته وتمنّت له الخير. ترامب عبّر مبكراً عن سعادته بانتخابه وغرّد بأنّ البلدين، أميركا والبرازيل، سيتعاونان في “التجارة والعسكر وكلّ شيء آخر”. المرحّبون به كثيرون: من ماتيّو سالفيني، وزير الداخليّة الإيطاليّ، إلى ريتشارد سبنسر، الأميركيّ النيو نازيّ. البورصة انتعشت. الموعودون بالاستثمار في البرازيل، بما فيها غابات الأمازون المحميّة حتّى اليوم، هلّلوا. الروائح تزكم الأنوف.

في المقابل، “الغارديان” البريطانيّة وصفته بـ “القائد الأكثر يمينيّة في العالم ممّن انتُخبوا هذا القرن”. “واشنطن بوست” قالت إنّ انتخابه “أكبر انعطاف دراميّ إلى اليمين بعد الحرب الباردة وما صحبها من ديكتاتوريّات في أميركا اللاتينيّة”. الكاتب البريطانيّ سيمون جنكينز رأى فوزه “انتصاراً للخوف والغضب”.

بولسونارو ضابط سابق في سلاح المظلّيّات. نائبه الذي اصطحبه على لائحته جنرال. حكومته ستعجّ، كما وعد هو نفسه، بالضبّاط والضبّاط المتقاعدين.

حبّه للحكم العسكريّ وملحقاته مُعلن. بولسونارو صريح في إبداء الحنين إلى زمن الديكتاتوريّة العسكريّة إبّان 1964-85. معجب ببينوشيه، ديكتاتور التشيلي، وبممارسة التعذيب في السجون، ومؤيّد لقتل الخصوم السياسيّين. بعض بنود برنامجه توسيع “الحقّ” في امتلاك السلاح، ورفع بعض القيود عن عمل الشرطة.

من آرائه الأخرى: اللاجئون “حثالة الأرض”. “أفضّل أن يموت ابني في حادث سيّارة على أن يظهر مع رجل بشاربين”. التصويت لا يحلّ أيّاً من المشاكل (…) التغيّر لا يأتي إلاّ بحرب أهليّة تفعل ما لم يفعله النظام العسكريّ [السابق]: إنّه قتل حوالى 30 ألفاً”. “أنا من أنصار الديكتاتوريّة (…) لن نحلّ المشاكل الوطنيّة الجدّيّة بهذه الديمقراطيّة غير المسؤولة”. “أنا مع التعذيب”. “السجون البرازيليّة أمكنة رائعة”… النساء والأقلّيّات والسكّان الأصليّون والأجانب والمثليّون لا يحظون إلاّ باحتقاره. ردّ على زميلة له في الكونغرس بقوله: “أنتِ لا تستحقّين أن أغتصبكِ”.

إنّه، بكلمة، خلاصة القاسم المشترك الأدنى بين جماعات بدائيّة وغريزيّة.

لكنّ بولسونارو مدعوم من لوبي الملاّكين الزراعيّين، وكان من أوّل أفعاله دمج وزارتي الزراعة والبيئة، أي نزع الحماية عن الأمازون وفتحها أمام استثمارات ذاك اللوبي واستثمارات سواه من كلّ راغب في الاستثمار. هذا يعني تدمير غابات الأمازون، أي تدمير أكبر منطقة استوائيّة جالبة للمطر في العالم.

بولسونارو، وأحد ألقابه “ترامب المناطق الاستوائيّة”، لم يكذب. في حملته الانتخابيّة وعد بأن يحذو حذو ترامب وينسحب من معاهدة باريس للبيئة. هذا لم يحصل حتّى الآن، لكنّه ممكن.

في السياسة الخارجيّة، أعلن بوضوح أنّ البلدان الثلاثة الصديقة التي سيبدأ عهده بزيارتها، لأنّها تشاركه قيمه نفسها، هي الولايات المتّحدة وإسرائيل والتشيلي.

55 في المئة من المقترعين البرازيليّين، أي عشرات الملايين، صوّتوا لهذا الوغد التافه الذي سيحكم بلداً عدد سكّانه 210 ملايين إنسان ومساحته 8،5 مليون كيلومتر مربّع. ليس هذا فحسب: فبولسونارو سيكون مدعوماً في البرلمان الجديد بأكثريّة موالية له، وبحكّام الولايات الثلاث الأهمّ في البلاد: ساو باولو وميناس غيراس وريو دو جانيرو. وهو، في ميوله العسكريّة والديكتاتوريّة المتطرّفة، قد يعيد بلاده إلى الديكتاتوريّة التي عافتها قبل ثلاثين سنة.

لكنْ كيف حصل ذلك؟

كما في كلّ سيناريو فاشيّ، أو شبه فاشيّ، هناك أزمة عميقة، غالباً ما تقيم في الديمقراطيّة نفسها، تستدعي مخلّصاً كاذباً يعد بإيصال السكّان إلى برّ الأمان. البرازيل ليست استثناء.

الديمقراطيّة ناشئة وضعيفة التقاليد. لكنّ حكم الاشتراكيّين الذي امتدّ من 2003 إلى 2016 فعل فعله. صحيح أنّ الحكم المذكور حمل إلى السلطة حساسيّة ملحوظة حيال الفقراء وقدّم لهم مكاسب ملموسة. لكنّ الفساد والتضخّم الذي شهدته السنوات الخمس الأخيرة، ثمّ التقشّف، قضمت تلك المكاسب. فوق هذا كان الفلتان الأمنيّ الذي لم يكفّ عن التصاعد: 60 ألف جريمة قتل في السنة.

حملة بولسونارو في تركيزها على ضبط الأمن ومكافحة الفساد خاطبت رغبات حقيقيّة عند السكّان. أقنعتهم بأنّ هذا الرجل يملك مفاتيح الجنّة على الأرض. محاولة اغتياله إبّان حملته الانتخابيّة، والتي أصيب من جرّائها إصابة بالغة، خلقت نوعاً من التماهي بينه وبين أولئك السكّان المتضرّرين من التدهور الأمنيّ.

ثمّ إنّ بولسونارو، الذي يتبعه خمسة ملاين شخص على فيسبوك، كان أوّل رئيس برازيليّ يستخدم التواصل الاجتماعيّ بكفاءة، ويجعل الإنترنت، لا التلفزيون، وسيلة اتّصاله وتعبئته. خصومه اتّهموه باستخدام واسع للأخبار الكاذبة. مع معركته، ضرب الإعلام الاجتماعيّ من جديد لمصلحة تحكيم الرعاع هجاءً وتلفيقاً وتشهيراً بلا رقيب.

على هذا النحو تستقرّ البرازيل اليوم: احتمال النكوص عن الديمقراطيّة إلى الديكتاتوريّة العسكريّة. احتمال تدمير للطبيعة لا حدود له. مناهضة لحقوق الإنسان في كافّة أشكالها…

وحين نقول البرازيل نكون نقول البلد الأكبر مساحة وسكّاناً في أميركا اللاتينيّة، والذي تحدّه تسعة بلدان لا بدّ أن تتأثّر به. وإذا كان الانحطاط مُعدياً بطبيعته فهذا زمن للانحطاط وللعدوى قلّ نظيره.

إقرأ أيضاً