fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - New York Times

مقالات الكاتب

للنساء اللبنانيّات شاطئهنّ الخاص

يُطلقون عليه اسم “شاطئ السيدات”. يبدو الاسم رزيناً؛ لكن المشهد ليس رزيناً بالضبط، على الأقل بمجرّد أن يجتزن ساحة انتظار السيّارات، والرجلَ الذي يتفقد التذاكر عند البوّابة الأماميّة، والممرّ المُعتِم الذي يتوهّج في نهايته البعيدة على الطرف الآخر مستطيلاً من البحر والرمال البرونزيّة.

الحجاب مفكوك من على الرؤوس، والنقاب مسحوب عن الوجوه. تختفي السراويل الجينز والعباءات، كاشفةً عن أربطة البيكيني، وسراويل السباحة القصيرة، وأزياء السباحة الخاصة بالنساء. تحت أكواخ الشاطئ الضيّقة بجانب الأمواج ذات اللون الأزرق السماويّ، تستلقي سيدتان وظهراهما للأعلى على كراسي الاسترخاء؛ وقد كان ظهراهما عاريَين، بما يعني ضمناً أن صدرَيهما كذلك. وحولهما في كلّ مكان تلمع غالونات من زيت التسمير على مساحات شاسعة من البشرات النحاسيّة.

عندما يصل إليهنّ أزيز دراجة مائية يركبها أحد الرجال، تحذّره إحدى حارسات الشواطئ من خلال إطلاق صوت صفارة متقطع.

قالت ندى، وهي مشرفة على حافلة مدرسيّة من مدينة بيروت، والتي كانت تتمشّى قبالة شاطئ البحر المتوسّط تماماً، “الرجال يَخنِقوننا”.

في لبنان، يقع جزء من البلاد على ساحل البحر الأبيض المتوسط حيث يلتصق عَرَق الصيف بجسدك مثل بلاستيك التغليف الرَّطِب؛ لذا يُعدّ الشاطئ شكلاً من أشكال المنفعة الضروريّة أكثر من كونه نوعاً من الرفاهية. من الصعب تخيُّل العيش بدونِه.

تصطفّ الشواطئ العامّة والشواطئ ذات الإيجار اليوميّ على امتداد الساحل من صور في الجنوب حتّى طرابلس في الشمال، ويبدو أنّ لوحةَ إعلانات من كلّ اثنتَين على الطرق السريعة المتفرّعة من بيروت مُخصَّصة لإظهار عارضة أزياء ترتدي البيكيني من أجل الترويج عن منتجات التسمير. (من الواضح أن عامل الوقاية من الشمس SPF لا يتماشى مع الموضة هنا).

لكن العديد من النساء المسلمات الملتزمات يعتبرن أنّ كشف أجسادهنّ أمام الرجال باستثناء أزواجهنّ -أو الأقارب المقرّبين، في بعض الحالات- حرامٌ. في حين تستر نساءٌ أخريات أجسادهنّ احتراماً لأسرهنّ ومجتمعاتهنّ المحلية المحافظة.

وبالنسبة لأولئك النساء، يجب تجنب أيّ شاطئ مُختلَط الجنس؛ وأولئك اللاتي يذهبن منهنّ بصحبة عائلاتهنّ إليها يحترقن في الشمس وهنّ بالحجاب الكامل والقمصان طويلة الأكمام والسراويل الطويلة أو العباءات، القفطان/الشادور الطويل الذي يغطّي كاملَ الجسد، والمنتشر في أوساط النساء اللبنانيات المسلمات المتديّنات.

“هنا، أنا حرّة لأكون ما أريد”

من هنا نشأت فكرة شواطئ السيدات، مثل هذا الشاطئ، “نادي شاطئ بلفيو” Bellevue Beach Club الواقع على ساحل مدينة الجية؛ وهو عبارة عن فجوة من المياه المالحة في الشاطئ، في منأًى عن نظرات الرجال المُحدقة، وفي مقابل 18 دولار لليوم الواحد، وهو يبعد مسافة 20 دقيقة فقط عن بيروت على طول طريق سريع مُعطَّر برائحة القمامة.

الشاطئ هو قطعة من الرمال مخصّصة للنساء المحافظات وسط المزيج الثقافي في لبنان، والذي يميل -مع طوائفه الدينيّة الثمانية عشر المعترف بها ومشهد الحفلات الصاخبة المستمرّة طوال الليل- إلى أن يكون متحرِّراً اجتماعيّاً أكثر من البلدان العربيّة الأخرى.

في منتجع بيلفو، يبدو أنّ هناك درجات مختلفة ومتفاوتة من الاحتشام الشحيح بقدر ما يوجد به من نساء. بالنسبة لبعض النساء، يحثهنّ الوازع الديني على مزيدٍ من الاحتشام. أما بالنسبة لأخريات، فإنّ الاعتبارات المتعلقة بالموضة ودرجة الحرارة تحثهنّ على التقليل من الاحتشام. كما حقّقت كلُّ امرأةٍ سلامَها النفسيَّ الخاصّ وفقاً للأبعاد والرؤى المختلفة.

قالت رباب أمهاز (35 سنة)، وهي ربّة منزل من سهل البقاع الداخليّ، “هنا، أنا حرّة لأكون ما أريد”. مشيرةً إلى زيّ السباحة الخاص بها، اللامع ذي نقشات الأزهار سماويّة اللون، والذي يومض في الماء.

سعياً منها للحصول على رأيٍ آخر بشأن زيارتها إلى الشاطئ، تشاورَت مع شقيقها، وهو مقاتل في صفوف حزب الله. لَم يُعطِها مباركتَه فحسب، بل أراها مقطعَ فيديو على موقع “يوتيوب” لرجل دين مسلم يشرح فيه أنّ أرتداءَ ملابس السباحة وسط النساء مقبول، طالما أنّ النساءَ يغطّين الجزءَ السفليَّ من أجسادهنّ.

رفضت ندى، التي ارتدَت الحجاب عندما تزوجت وهي في الرابعةَ عشرة من عمرها، هذا الرأي، قائلةً إنه يمكنك العثور على رجل دين يخبرك أيَّ شيءٍ تريد سماعَه.

متّبعةً قناعتَها الخاصّة الراسخة المتمثّلة في أنّ كلَّ هذه الأجساد المعروضة حولها كانت مُحرّمة -فمَن يعرف ربما كان هناك من يراقبهنّ من إحدى القوارب المتناثرة والتي تمر بالقرب منهم بشكل دوري، أو من وراء جدران المنتجع؟- نظرَت إلى نفسها في المرآة هذا الصباح وبدَّلت ملابسَها بملابس سفليّة أكثرَ اعتدالاً واحتشاماً. كما رفضت أيضاً الكشفَ عن اسمها الأخير لمراسلة، مفضِّلةً تجنُّب إمكانية عدم موافقة أهلها في المنزل على إجراء هذا الحوار.

لكن كانت ملابس السباحة هي ذاتها. في هذه الحالة، عبارة عن بلوزة منقوشة باللونَين الأبيض والأسود، مع سروال أسود قصير.

وقالت، “عندما ترينَني على فيسبوك، سأبدو مختلفة تماماً”، كان شعرها مفكوكٌ وفي حالة سيّئة وهو في الماء. وأضافت، “لن تستطيعي التعرُّفَ عليّ”.

وقالت إنّها بعد العام القادم، إذْ تخطّط لأداء الحج -وهو رحلة مقدَّسة إلى مكّة، يُفتَرَض أن يؤدِّيها كلُّ مسلم مستطيع مرّةً واحدة على الأقل- ستَتجنّب حتى زيارة شاطئ السيّدات؛ لأنّها -كالعديد من النساء اللواتي أدَّين فريضةَ الحج- سوف ترتدي ملابسَ أكثرَ احتشاماً وتواضعاً.

كما استهجنت أيضاً النساءَ اللواتي أحضرنَ أبناءَهنّ الذكورَ الصغار، إذْ يُسمَح للأطفال حتّى عمر 8 سنوات بالتواجد على الشاطئ. لم ترغب أن يَعتادَ أبناؤها أو أحفادُها الذكور على رؤية أجساد النساء.

لكن مع ذلك، قالت مبتسمةً ومازحةً بلا اكثراث، “أحبّ السباحة، لذا ليس لديّ خيارٌ آخر”.

اتفقت ندى وأَمهاز على نقطة واحدة؛ لا يمكن بكل تأكيد التقاط صور سيلفي على الشاطئ، ولا حتى من أجلِ إطلاع أزواجِهنّ عليها.

هتفْنَ بصوتٍ واحد، “لا، لا”.

قالت أَمهاز، “لا يحتاج زوجي إلى صورة، إنّه يرى كلّ جزء منّي على أيّة حال”.

الكاميرات محظورة على الشاطئ، كان ذلك من أجل توفير حماية أفضل لخصوصيّة واحتشام مرتادات الشاطئ، إلّا أنّ الهواتف الجوّالة ليسَت محظورة. لكن زياراتٍ إلى العديد من المنتجعات اللبنانية الأخرى -والتي تمّ القيام بها لأغراض صحفيّة بحتة- بيّنت بعضَ الاختلافات الأخرى القليلة بين الشواطئ المخصّصة للنساء فقط والشواطئ المختلَطة، تتجاوز تلك الاختلافات الواضحة بينهما.

“في منتجع بلفيو، لم تكن هناك أيّة قيود دينيّة متعلّقة بملابس السباحة، وإنّما لكل امرأة قواعدها الخاصّة بها”

بغضّ النظر عن السياق، فإنّ الثرثرة والنرجيلة تُعطّر الأجواء. وتكون الوجبات الخفيفة والماء والأماكن الظليلة ذات أولويّة كبرى. وغالباً ما تكون مراقبة الناس مُثمِرة.

تقع العديد من “شواطئ السيدات” على حافّة الشريط الساحليّ جنوب بيروت، وتشتهر بأسماء الشواطئ الرمليّة البرّاقة المشهورة حول العالم (مثل شواطِئ لاغونا، وبوندي). بدأ “نادي شاطئ بيلفيو” في توفير أيام مُخصّصة للنساء فقط في منتصف التسعينيّات من القرن الماضي، بعد أن بدأت النساء المحجّبات في المطالبة بالخصوصيّة.

كان العمل في الأيام المخصّصة للنساء مربحاً، وأفضل حتّى من الأيام المختلَطة، وسرعان ما أصبحت كلُّ الأيّام مخصَّصة للنساء، طوال الوقت.

هناك رجلٌ هو مَن يجمع التذاكر، ولكن لا يسمح لأيّ ذكور آخَرين بالدخول. الموظّفات النساء هنّ مَن يعملنّ في دورات المياه وحمام السباحة. ومِن بين طاقم الموظّفات أستراليّة وفلبينيّة هما زوجتَى الأخوَين اللذين يديران الشاطئ، والذين يذهبون معاً إلى الشواطئ المختلَطة.

هناك منسِّقة أسطوانات DJ تعمل في الشاليه المسقوف بالقشّ بجانب حمام السباحة، حيث يتموّج مرتادو الشاطئ ويرقصون بشكلٍ منفعِل على أنغام المطربة المصريّة شيرين عبد الوهّاب والمغنّية اللبنانيّة مايا يزبك.

ربما يبدو لبنان، حيث يتقاسَم الناس من مختلف الطوائف مكاتب العمل والأحياء والأعمال التجارية ويزيد عدد الفتيات اللاتي يرتدين البلوزات القصيرة جدّاً أعداد المُحجَّبات في بعض أحياء بيروت، باعتبارها مُبتكِر طبيعيّ متوقّع لشواطئ السيدات. لكن تعدّ الساعات المُخصَّصة للنساء فقط على حمّام السباحة أو الشاطئ أمرًا شائعًا في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، بما في ذلك الإمارات العربيّة المتّحدة والبحرين، حيث تكون قواعد الملابس الخاصّة بالنساء المحلّيات منتظمة ومُوحَّدة بشكلٍ أكثر تحفّظاً.

في منتجع بلفيو، لم تكن هناك أيّة قيود دينيّة متعلّقة بملابس السباحة، وإنّما لكل امرأة قواعدها الخاصّة بها.

ترتدي ابنة ندى البالغة من العمر 21 عاماً ملابسَ رياضيّة محتشمة عندما تذهب إلى شواطئ مُختلَطة مع زوجها. أما في بيلفو، فكانت ترتدي بيكيني مع تنّورة قصيرة خاصة بالسباحة. وقد أحضرت معها صديقةً سورية، والتي اندهشَت من الطريقة التي ترتدي بها مرتادات الشاطئ الأخريات ملابسَهن، وفضّلت ارتداء بلوزة قصيرة فوقَ البيكيني.

ثم التقينا مع رنا غلاييني، وهي ممرِّضة من بيروت ارتدَت الحجاب لأوّل مرة عندما كانت في الثانية عشرة من عمرها، لتخلعه بعد وقتٍ قصير لأنّ عائلتَها رأت أنّها كانت صغيرة جداً لارتدائه. عندما تزوجت وهي في الثالثة والعشرين من عمرها، اتّفقت مع وزوجها على ضرورة ارتدائها للحجاب. لكنها عازمة على إبقاء بناتها الثلاث الصغيرات غيرَ محجَّبات حتى يبلغن من العمر 23 عاماً أيضاً.

وقالت، “الدين يسر، كما أنّ الحجاب اختيارٌ شخصيّ”. دوافعها لارتداء ملابس السباحة المحتشمة المكوّنة من قطعة واحدة على شاطئ بيلفيو كانت أكثر دنيويّة إلى حدٍّ ما. إذ قالت، “لو كنتُ نحيفة، لَارتديتُ البيكيني”.

مقال للكاتبتَين: فيفيان يي، مراسلة الشؤون الوطنية المتعلقة بالهجرة في صحيفة The New York Times، وهويدا سعد، مراسلة الصحيفة من لبنان. وللاطّلاع على رابط المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً:
“إنهم يدمرون الشاطئ”
“بي بي سي”: لبنان يغرق في نفاياته
نساء غير محجبات يترأسن لوائح الإخوان في تونس ويثرن تساؤلات

إقرأ أيضاً