fbpx

هنا القصة الثالثة

علاء رشيدي

علاء رشيدي

مقالات الكاتب

“لقد ابتلعني البحر”: قوارب المهاجرين وخيباتهم في مسرحية

تروي مسرحية “الشقف”، حكاية مهاجرين من شمال أفريقيا والشرق الأوسط في رحلة عبور البحر المتوسط إلى أوروبا. تدور الأحداث على متن قارب يجمع عدداً من المهاجرين. و”الشقف” كلمة تطلق باللهجة التونسية على قارب الصيد الصغير.

يروي العرض بحسب البيان التعريفي شخصيات مهاجرين: “8 شخصيات من بلاد تفرقها الحواجز وتقسمها الحروب، يتوحد هؤلاء اللاجئون غير الشرعيين على متن القارب. يجدون أنفسهم متشابهين بتلك المأساة الإنسانية العميقة والرعب العميق في نفوسهم. ولكن، وحينما تضرب العاصفة قاربهم الصغير، يبدأون بالتناحر. يتحدون بعضهم بعضاً، ويدافعون عن بقائهم على قيد الحياة. هكذا يعبرون عن الصراع العميق في داخل الإنسان بين الحياة والموت”.

صمم المسرحية المخرج التونسي عز الدين غنون، لكن رحيله حال دون تنفيذها، فعمل على إنجازها وتحقيقها في ما بعد، المخرج اللبناني مجدي بومطر والمخرجة التونسية سيرين قنون. والسينوغرافيا في المسرحية عبارة عن قارب مطاطي يحتل منتصف مساحة الفضاء المسرحي، تصعد إليه الشخصيات في بداية المسرحية، لتدور القصة داخل هذا الفضاء المصمم ليستوعب كامل أحداث المسرحية.

8 شخصيات من تونس ولبنان وسوريا وبنين. يعرفهم البيان الخاص بالمسرحية: “هم لاجئون غير شرعيين يركبون قارباً واحداً لعبور البحر، يتشاركون رغبة الهروب واللحاق بحلم”. وتتكفل أحداث المسرحية بروي حكاية كل منهم، ماضيه، أسباب هجرته، أحلامه المعلّقة.

الأوجاع إذ تلتقي…

بداية نتعرف إلى شخصية الشاب المثلي الجنس التونسي نبيل، الذي يحاول حتى آخر لحظة قبل الصعود في القارب الاتصال عبر الموبايل بحبيبه وليد، الذي يعلمه بانتهاء علاقتهما وقراره بالزواج من امرأة وفق الطريقة التقليدية. يصعد نبيل إلى القارب وهو في حال يأس، يؤدي مونولوغاً يبين فقدانه الرغبة في الحياة، ويحاول القفز من على متن القارب ليبتلعه البحر. لكن الركاب يتعاضدون محاولين إقناعه بالعدول عن ذلك. يذكره البعض بالحال الذي ستعيشها والدته حال موته، وأخرى تعرض عليه الزواج والارتباط، لكنهم جميعاً لا يفلحون، إلى أن يستعمل أحد المسافرين العنف لثنيه عن القفز إلى البحر. يمثل نبيل حكاية الهارب من التمييز الذي يعيشه في بلاد وثقافة حيث لا تُحترم ميوله الجنسية المثلية، التي يصبح التعبير عنها معارضةً للمجتمع ومعركة مع التقاليد.

“هم لاجئون غير شرعيين يركبون قارباً واحداً لعبور البحر، يتشاركون رغبة الهروب واللحاق بحلم”. وتتكفل أحداث المسرحية بروي حكاية كل منهم، ماضيه، أسباب هجرته، أحلامه المعلّقة.

شخصية السورية أم بشار تروي حكاية أخرى، فمنذ أشهر، ومذ هاجر ابنها بشار على متن القارب نفسه الذي تركبه الآن، إلى أوروبا، لم تستلم من ابنها أي رسائل ولم تصلها عنه أخبار. إنها تركب القارب في للوصول إلى إيطاليا ولقاء ابنها هناك. لكن مجريات المسرحية ستكشف لنا أن ابنها فارق الحياة غرقاً أثناء رحلة العبور، ولم يصل أبداً إلى إيطاليا. أم بشار هاربة من الحرب والعنف في سوريا، على أمل اللقاء في إيطاليا بابنها الذي لم تعرف بعد حقيقة موته.

زركا التونسية تهاجر لأسباب أخرى، تشكو في مونولوغها من القمع الذي يطوّقها في بلادها لأنها امرأة، ومن تعامل السلطات الحاكمة معها كمواطنة. لم تكن تحكي سابقاً عن نفسها لأن الجميع كان يتكلم بدلاً منها، الأستاذ والشرطي والمسؤول. أما الآن وهي في وسط البحر، أصبح بإمكانها التعبير عن نفسها للآخرين. تريد السفر إلى باريس لتفتح “بوتيك” قريباً من برج إيفل، تتمنى الحصول على الأوراق التي تجعلها مواطنة فرنسية ثم العودة للسير في شوارع بلدها الأصل تونس، لكن هذه المرة مع الفخر الذي تمنحها إياها الأوراق الفرنسية. إشارة إلى وضع المواطنة في تونس الذي دفعها للحلم بالحصول على أوراق أجنبية لتسير في بلدها بحرية. هي ثقافة كاملة في التعامل بين السلطة والمواطن، وخصوصاً المرأة ما تكشف عنه شخصية زركا في مونولوغاتها.

خيبة رابعة

هي المرة الرابعة التي يركب فيها الشاب التونسي بيرم قارب البحر في رحلة الهجرة إلى إيطاليا. في المرة الأولى، توقف محرك القارب في عرض البحر، وقرر الركاب العودة إلى تونس للحفاظ على حياتهم. في المرة الثانية، وقبل الوصول بمسافة قصيرة إلى إيطاليا، قبضت شرطة الهجرة على القارب ومن فيه، وقادتهم إلى مأوى للاجئين. يصف بيرم المعاملة في مأوى اللاجئين والأيام التي أمضاها هناك، ثم يكتشف أن مصيره العودة إلى تونس، فيعترض بيرم على قرار السلطات الإيطالية ويصيح: “إلى أين ترسلونني؟ إلى مكان لا حرية، ولا عدالة، ولا مساواة فيه؟”. لكنه يتعرض للضرب، وتُضف إلى خساراته الكثيرة، كرامته التي تتلاشى بدورها.

أسباب هجرة الشاب بيروم هي خيبة الأمل من زيف الخطابات والوعود الكاذبة التي لم تتحقق مع ثورة عام 2011 في تونس، وينتقد الاغتيالات السياسية التي عاشتها تونس عام 2013. تركز مونولوغات بيرم على الوضع السياسي والاقتصادي في بلاده، على فقدان الأمل وانعدام فرص العمل، وصعوبة العيش في نظام فاسد.

شخصية ياسمين اللبنانية تصطدم أيضاً في طموحاتها مع الواقع الاجتماعي والثقافي من حولها، إنها تحلم باحتراف الرقص، تعارضها العائلة، وتمنعها النظرة الدونية إلى الفن والرقص، من تحقيق حلمها. تحاول السفر عبر تقديم طلبات الفيزا إلى السفارات، لكنها تُفاجأ بأن وضعها ليس أولوية بالنسبة إلى مكاتب السفارات في ظل الحروب والهجرة القسرية من المنطقة. يقود ياسمين اليأس إلى أن تحرق بصماتها بالمكاواة، ومن ثم تدعي أنها سورية، فلا تتوقف عن تكرار الحكاية التي تبنتها كسورية: “والدي مات في دمشق، وأمي ماتت في حلب، وأخوتي فارقوا الحياة على إثر قذيفة”.

حين يروي القبطان حكايته، ويُطلَق عليه اسم اللص أيضاً، ندرك أنه لا يستطيع النوم، ويعاني من كوابيس يسترجع فيها وجوه المهاجرين الذين ماتوا غرقاً في رحلات قاربه، يسمع نداءاتهم واستغاثاتهم، ويتذكر نظراتهم الأخيرة الشاخصة إلى السماء في لحظات الغرق والموت. من أجل المال يخفي على أم بشار أن ابنها مات غرقاً في رحلة هجرة القارب الذي قاده بنفسه، وما زال إلى الآن يتذكر كيف أمسك بشار بعنقه ورقبته طالباً المساعدة قبل الموت. القبطان – اللص يعاني من ذاكرته المحمّلو بوجوه من رآهم يموتون غرقاً في البحر المتوسط.

وتفيد الأرقام التي نشرتها مفوضية الأمم المتحدة بأن 2000 – 3000 مهاجر يغرقون سنوياً في البحر المتوسط في رحلة العبور إلى أوروبا.

من بين شخصيات الرحلة، لدينا أيضاً الأم التي تحمل رضيعها معها، تحاول حمايته من كل ما يحصل على القارب، ووصوله إلى البر بأمان. لكن حين تروي حكايتها نكتشف أن ابنها هو حصيلة عملية اغتصاب تعرضت لها على يد مسلحين، كان اغتصابها نوعاً من التعذيب الذي تعرضت له، وها هي تحمل رضيعها إلى البرّ الأوروبي لتؤمن له حياة أفضل.

تفيد الأرقام التي نشرتها مفوضية الأمم المتحدة بأن 2000 – 3000 مهاجر يغرقون سنوياً في البحر المتوسط في رحلة العبور إلى أوروبا

من دولة بنين شخصية غي، الذي تتهمه أم الرضيع بأنه شارك في الماضي باغتصابها. كان غي طفلاً حين تعرضت منطقته في بلاده للاعتداء والنهب والاغتصاب، فاضطر صغيراً إلى حمل السلاح والانضمام إلى جماعات مقاتلة. يشكو غي من حياته، من طفولته التي حمل خلالها السلاح واعتاد على الحروب وأجبر على القتل. إنه ضحية مثل الشخصيات الأخرى، قادته ظروف الحرب والنزاع المسلح في بلاده إلى أن يتحول محارباً بلا رحمة منذ الصغر.

الحروب في بوتقة واحدة

يعتمد الأسلوب الإخراجي على التناوب بين المشاهد الجماعية، التي تتخذ أغلبها طابعاً حركياً، والمونولوغات الفردية التي تؤديها الشخصيات. وعبر روي كل شخصية حكايتها، تتنوع الموضوعات التي تتطرق لها المسرحية، من الأحداث السياسية: حرب لبنان، الحرب السورية، الصراع المسلح في بعض الدول الأفريقية، وكذلك حال المواطنة وغياب العدالة والمساواة. أما الأوضاع الاجتماعية والثقافية فتتعلق بالتمييز المبني على أساس الجنس، التمييز المبني على أساس الميول الجنسية، التمييز المبني على الرأي السياسي والطبقة الاقتصادية. هكذا يحاول العرض الإحاطة بالكثير من الموضوعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تعاني منها الدول التي تأتي منها شخصيات اللاجئين.

يعتمد الأسلوب الإخراجي على التناوب بين المشاهد الجماعية، التي تتخذ أغلبها طابعاً حركياً، والمونولوغات الفردية التي تؤديها الشخصيات.

في الثلث الأخير من المسرحية، يكتشف ركاب القارب أن منسوب مياه البحر يرتفع ليغرقهم، وأن عليهم التخلص من أحدهم للتخفيف من حمولة القارب، تدور بينهم صراعات على اختيار الضحية. هناك نبيل الذي لم يكن راغباً في الحياة بعد خسارة علاقته العاطفية، وغي من بنين الذي يحمل سلاحاً ولا بد من التخلص منه. وهناك القبطان – اللص، قائد القارب والأكبر سناً من بين أفراد المجموعة، الذي يقول: “تذكروا أنني لا أموت، لقد ابتلعني البحر أكثر من مرة وأعادني حياً في رحلاتي السابقة”.

وحين تعلم أم بشار من القبطان – اللص أن ابنها مات غرقاً في البحر، تطلب من الركاب أن يضحوا بها لأنها لم تعد تحتمل الحياة بعد فراق ابنها. وفي اللحظات الأخيرة، في ذروة الأزمة الحكائية، تصل سفن إنقاذ المهاجرين الإيطالية، وتشرع في نقل المسافرين عبر الطائرات وقوارب الإنقاذ.

الرقص الشرقي: خلاص أنثوي وهلع سلطوي

إقرأ أيضاً