fbpx

هنا القصة الثالثة

أحمد عيساوي

أحمد عيساوي

مقالات الكاتب

لغز وفاة إيمان فاضل “الشاهد الملك” على حفلات البونغا-بونغا لبرلسكوني

في 29 كانون الثاني/ يناير الماضي، دخلت عارضة الأزياء المغربية إيمان فاضل أحد مستشفيات مدينة ميلانو الإيطالية. قالت إنها تشعر بآلام حادّة في المعدة وبتسمّم ناتج عن مواد خارجية. فاضل التي خرج اسمها إلى العلن وتصدّرت صورها يوميات الصحافة الإيطالية عام 2012، بعد إدلائها بشهادة ضد رئيس الوزراء الأسبق سيلڤيو برلسكوني في الفضائح الجنسية التي طاولته، بقيت نحو الشهر في المستشفى نفسه، قبل أن يُعلِن مدّعي عام ميلانو فرانشيسكو غريكو وفاتها في الأول من آذار/ مارس في ظروف غامضة.

بعد أسبوعين على إعلان الوفاة، أفردت صحيفة “الكورييري ديلا سيرا” صفحاتها لمتابعة ما سمّته “لغز وفاة العارضة الجميلة” التي تبلغ 33 سنة.

وكشفت الصحيفة أنّ فاضل جاءت إلى المستشفى في نهاية كانون الثاني، لإجراء فحوصات طبّية، بعد تدهور صحّتها بشكل مفاجئ، لكنّ النتائج الأولية للفحوصات لم تأتِ بتشخيص قاطع لآلام المعدة، ما استدعى إرسال عيّنات إلى مختبرات مختصة في مدينة باڤيا شمال البلاد.

في اليوم التالي للضجّة التي أحدثتها الكورييري، قالت الشرطة القضائية إنّ إيمان فاضل تعرّضت للتسمّم بخليط من المواد المشعّة من بينها الكوبالت، الكروم، الموليبدين والكادميوم. وأضاف بيان الشرطة: “إنّ نسبة المواد التي وجدت في جسمها تعادل النسبة التي قد نجدها في جسد أحد عمال المسابك بعد 30 سنة من الخدمة”.

من هي إيمان فاضل؟ وما علاقتها بالحفلات الماجنة في ڤيلا سان – مارتينو؟

مَثُل سيلڤيو برلسكوني أمام المحاكم ما يزيد عن 100 مرّة في حياته، ورفعت بحقه مئات الدعاوى وطلب البرلمان حجب الثقة عنه نحو 50 مرّة، وتمّت إدانته في عشرات القضايا أبرزها التهرّب الضريبي والاختلاس وسوء إدارة المال العام وشراء الأصوات الانتخابية، لكنّ الضربة القاضية التي تعرّض لها “الفارس” (Il Cavaliere) كما يلقّبه مريدوه وأنصاره، تمثّلت بتعدّد فضائحه الجنسية منذ عام 2008، واستضافته مئات الحفلات الماجنة “بونغا بونغا” في ڤيلا سان – مارتينو حيث كان يدفع مبالغ طائلة لشابّات يعملن في مجال الاستعراض، لقاء خدمات جنسية.

بدأت الأمور في ربيع عام 2009، عندما طلبت فيرونيكا برلسكوني الطلاق متّهمة سيلڤيو بترشيح صبايا الـShow girls، للانتخابات الأوروبية، إضافة إلى معاشرته قاصرات (عدد لو نوڤيل أوبسرفاتو 4 أيار/ مايو 2009 ملف: برلسكوني: الطلاق، قضية مؤلمة). حاول مؤسس حزب “فورزا ايطاليا”، الدفاع عن نفسه، قائلاً إنه “معادٍ للشيوعية” (هكذا عرّف بنفسه).

وحصل على دعم أولاده الخمسة، لكنّ الكورييري ديلا سيرا المقرّبة من تيار يمين الوسط الذي ينتمي إليه برلسكوني نفسه، كشفت بعد أسابيع عن توسّط رجل أعمال لومباردي لانتداب 4 بائعات هوى يعملن في الحقل الخاص (Escort girls)، من بينهنّ باتريزيا داداريو للحضور إلى منزل برلسكوني والمشاركة في “سهرة خاصة”.

انفجرت الأمور في أيار 2010، عندما تصدّر اسم كريمة المحروقي عناوين الصحافة الإيطالية، حتى سمع اسمها في باحات الجمعية العمومية وأروقة مجلس الوزراء. كريمة المحروقي، صبية مغربية لم تبلغ السن القانونية، تعمل في أحد ملاهي ميلانو تعرف باسم “روبي روباكيوري” ويطلق عليها العارفون لقب “سارقة القلوب”، سجّلت شهادتها في قضية الحفلات الماجنة التي كان ينظّمها حوت المال والإعلام وأغنى رجل في ايطاليا.

تشاء المصادفات في التحقيقات أن تستعيد الشرطة القضائية ملفّات السرقة – وهي كثيرة- ضد المحروقي فتقع على اتصال هاتفي أجراه برلسكوني بمدير شرطة ميلانو عام 2010، يطلب منه إطلاق سراح فتاة اسمها روبي في حال تم القبض عليها بعد سرقتها مبلغاً مالياً من أحد النوادي الليلية وقد علّل برلسكوني طلبه هذا بالقول “روبي هي ابنة صديقي حسني مبارك، أتمنى ألاّ تزجّ في السجن أو تخضع لتحقيق”.

روبي

كذب برلسكوني، واضطرّت الشرطة إلى تصديق الرجل الذي اشترى ذمم مئات الآلاف في البلاد التي طرح نفسه فيها ذات يوم من بداية التسعينات إبّان عملية “الأيادي النظيفة” (Mani puleti) – التي قضت على شخصيات تاريخية في الحياة السياسية الإيطالية في التيار الديموقراطي المسيحي وفي الحزب الاشتراكي الإيطالي، وصاحبتها موجة اغتيالات عنيفة حصدت عشرات المحامين- كرجل متموّل خارج الإصطفافات التقليدية، ذو خلفية قانونية وتجارية وصاحب باع طويل في مراكز المال والإعلام. الرجل الذي سيرتبط اسمه بقضايا “ميدياسيت” (شركته التي تضم محطات إعلامية ونادي آي سي ميلان العريق) و”دافيد ميلز” (المحامي المرتشي الذي حصل على مبلغ نصف مليون يورو من برلسكوني إزاء إدلائه بشهادة زور) وSME (المجموعة الغذائية التي اشتراها وباعها بشكل استعراضي غريب)، لن يتوقّف عن إثارة الجدل في السياسة والإعلام والرياضة.

في معمعة التحقيقات مع روبي، تم تسريب اسم إيمان فاضل للمرة الأولى. عارضة الأزياء التي تردّدت مراراً إلى مصيف برلسكوني أكّدت في جلستها الأولى ما ذكرته روبي حول حلقة رقص التعري (Strip Tease) التي قامت بها نيكول مينيتي (مستشارة محلية) في إحدى سهرات البونغا بونغا.

على رغم المعلومات المهمة والشهادات المتعددة والمتابعة القضائية الحثيثة، أقفل ملف السهرات لفترة محدّدة وتم تحويل الأنظار إلى ملفات التهرّب الضريبي التي أدين فيها برلسكوني، وتمّ إعفاؤه من المهمات البرلمانية وأُلزم العمل في الخدمة الاجتماعية العامة على مدى سنتين في دار للمسنّين.

متابعة ملف السهرات الماجنة حتى وفاة فاضل

اختفى اسم روبي فجأة ليعود ويظهر في مقابلة صحفية أجرتها معها “لا ريبوبليكا” مطلع عام 2012، بعد نشر “ال سيكولو” (يومية جنوى المحلية) خبراً مفاده أنّ روبي وضعت مولوداً من شاب اسمه لوكا ريسو الذي قال “أتمنى أن تشبه صوفيا أمها في الشكل الخارجي، وأن تكون أقرب إلي في جمالها الداخلي”. (ليبراسيون، مقال ريمي ديميكليليس “روبي وشمس الشمال” في 20 أيار 2013). في تلك المقابلة، بدت روبي أو كريمة أكثر نضجاً، سيّدة عاقلة تتكلّم عن أخطاء الماضي وتطلّعاتها لحياة طبيعية في المستقبل.

بعد شهادات مجهولة (لم تكشف التحقيقات عن أسماء الأشخاص الذين تقدّموا بالإدعاء آنذاك)، سنعرف لاحقاً أنّ إيمان فاضل كانت واحدة من هؤلاء، مَثُل برلسكوني أمام القضاء بتهمة واضحة: الابتزاز والدعارة والاعتداء على القاصرات جنسياً. وذكرت التحقيقات أنّ برلسكوني دفع عبر وساطة رجل الأعمال الشهير الاشتراكي والتر لاڤيتولا (ناشر يومية آفانتي الذراع الإعلامية للحزب الاشتراكي الإيطالي)، مبالغ وصلت قيمتها إلى عشرة ملايين يورو على شكل شيكات مصرفية وسيارات ونفقات إقامة لحوالى 80 شخصية، تورّطت بالسهرات التي كان يقيمها، لقاء تغيير شهادات هؤلاء في التحقيق.

أدين الرجل الذي اشتهر بسخريته من اليسار والنساء ومثليي الجنس وأصحاب البشرة الداكنة – حتى جمعت نكاته وأبرز العبارات الهازئة اللاذعة في كتاب صدر عام 2012، تحت عنوان Berlusconneries – في تلك المحاكمة وحكم عليه بالسجن 7 سنوات بتهم استغلال السلطة وإغواء القاصرات وابتزازهنّ. لكنّه استأنف الحكم عام 2015، وتم إخلاء سبيله بحجة أنّه لم يكن يعلم أنّ روبي قاصر!

تبدو قضية وفاة إيمان فاضل أقرب إلى المشهد الأخير من فيلم طويل جداً عن ملذات برلسكوني ومغامراته الجنسية التي لا تنتهي. عارضة الأزياء التي تحدّثت عن مبلغ 2000 يورو كان يدسّه برلسكوني شخصياً في جيبها عند خروجها بعد كل سهرة تحضرها، كانت تعمل على نشر مذكّرات تلك الحلقات المجنونة في سان – مارتينو، إذ دأبت منذ أشهر على جمع مذكراتها في كتاب، يفترض أن ينشر هذا العام، لكنّ وفاتها أو “قتلها” المحتمل سيفتح أسئلة كثيرة عن أسرار لم تكشف بعد في حياة الرجل الثمانيني، الذي كلّما تقدّمت به الحياة، ازداد شباباً وكثرت خطاياه.

 

إقرأ أيضاً:

مجزرة مسجد نيوزيلندا: كيف غذّى اليمين الفرنسي المتطرّف دوافع منفّذ الهجوم؟

 

إقرأ أيضاً