fbpx

هنا القصة الثالثة

نضال أيوب

نضال أيوب

مقالات الكاتب

لطالما أربكتني الأمومة

لطالما أربكتني فكرة الأمومة.

منذ الصغر، وكل ما نتلقّنه يتمحور حول تبجيلها لا تحليلها. قصائد تتغنّى بسمات الأمومة النقية. أغانٍ عن الأمّهات، أمثال وأقوال لا تنتهي.

تعلمنا في المدرسة أن الأمهات الأصليات هنّ كالقديسات، كائنات خارقة للطبيعة وقواعدها، مخلوقات ناكرات لوجودهن.

تعلمنا أن الأم هي من أوجد فعل التضحية، لا حياة للأم بعيداً عن أولادها. لا سعادة لها إلا سعادتهم. كانت الأم تبدو لي  ككائن خرافي، ارتقى من البشرية إلى الملائكية بمجرد امتلاء بطنها بجنين التناسل.

تولد، تحمل بين رجليها شرف العائلة، وعلى أكتافها مسؤوليات العالم كله. ستُلقَّن منذ الصغر كيف تغض النظر إن خانها زوجها، كيف تتحمل إن ضربها. ستصدق أنها ضعيفة وأن قوتها تكمن في العطاء بلا مقابل، وفي الحب اللامحدود.

يتم تقديسهن نظرياً، إلا أنه على أرض الواقع، يُهمّشن. تُبجلهنّ الأديان في كتبها، وتضطهدهنّ في محاكمها.

ولكن، فكرة التضحية التي عبثت بعقولهن وهنّ صغيرات، تجعلهنّ يتحمّلن  ويصبرن، هذه هي التضحية التي يجدر بالأمهات الحقيقيات تقديمها.

لذلك، يضحّين وهنّ راضخات وسعيدات.

أما هو، ملوحاً بعضوه الذكري وليس لديه أي مسؤوليات، بإمكانه أن يفعل ما يحلو له. بوسعه أن يتنمّر، ويشتم، ويضرب، ويتحرّش، ويغتصب، ويقتل، ثم وحين ينتهي، يذهب إلى أمّه شاكياً باكياً. يعطيها السكّين، تمسح عنها الدماء، تلمّعها، تخبئها ثم تذهب لتفعل كل ما يلزم للتستّر على الجريمة وحماية العائلة.

هـذه هي الأمومة الحقّة، عطاء من دون حدود، صبرٌ لا متناهٍ، حبٌ أعمى فائض يغضّ النظر عن كل شيء بغفران ناصع.  تستميتُ بالدفاع عن زوجها إن أخطأ وعن ابنها إن أجرم.

يقال إنه قلب الأم الحنون، أقول إنها إمّا مازوشية مكتسبة أو فصام مزمن. ولكن من أنا لأقول؟ أنا لست أماً.

“لما تصيري إم بتفهمي”، هكذا يقولون.

لا أعلم إن كنت أريد أن أصبح أماً أو لا، إلا أنني على يقين ممّا لا أريده.

لا أريد ابناً ذكراً يتطاول عليّ كلما شاء، إبناً يظنّ أن حياتي مكرّسة لخدمته، ولا يكلّف نفسه حتى عناء ترتيب سريره أو تنظيف صحنه أو طيّ ثيابه. لا أريد إبناً يملي عليّ ماذا أرتدي.

أرفضُ أن أكون أماً لرجل يحرم زوجته أطفالها حين ينفصلان.

أرفضُ أن أكون أماً لرجل يمارس ذكوريته في المنزل، ويخرج إلى المجتمع محاضراً في حقوق المرأة.

أرفضُ أن أكون أماً لابنٍ جاحد يتناسى من أين ولد، ويلقب رفيقه ب “الكساية” لأنه جبُن.

أرفض أن أكون أماً لرجل  خلق من “كس” امرأة، ورغم ذلك ما زال يعتقد ببلاهة أن المرأة خُلقت من ضلعه.

إن كانت الأمومة تقتضي بأن أدافع عن ابني ظالماً أو متحرّشاً أو معنفاً أو مغتصباً، أفضّل أن يُستأصل رحمي، وأن أُحرَم من “نقمة” الأمومة.

نحن دائما نلقي اللوم على الرجال، فالأم لا حول لها، ولكن لو دققناً جيداً لرأينا وجه الشبه بين الأم وابنها. أليست هي التي تربي؟!.

دفاعاً عن ابنها المعنف، قالت لي إحدى الأمهات، في محاولة منها لمعايرتي، تماماً كما فعل ابنها سابقاً، أنهم من عائلة “متماسكة”، بعكسي أنا، صاحبة “العائلة المفككة”، وسألتني أيضاً، من أكون أنا لأقوم بـ”هدم بيوت العالم”.

“أريد الآن أن أروي بعضاً من قصص عن العائلات “المتماسكة.

أمّ تتعرض للضرب كل يوم، أمام أعين أطفالها، إلا أنها لا تتكلم كي لا تتفكك العائلة، تتحمّل وقد تموت شهيدة لتماسك هذه العائلة.

رجلٌ يحاول منعَ حبيبته من كتابة نصّ عن العنف الجنسي الذي تعرّضت له، لأنه يخشى أن يعلم الناس ذلك، ولأنه يريد أن يبني معها أسرة “متماسكة”.

أم أخرى تجتمع حول مائدة العشاء مع ابنها المتحرّش وابنتها التي تم التحرش بها. جميعهم يعرفون الفعل، ومع ذلك يجلسون مجتمعين، الفاعل والمفعول بها والساكتة عن الفعل ويشربون نخب العائلة “المتماسكة”.

والآن سأجيبُ عن سؤال “من أكون”.

أنا الجرس المعلّق على مؤخرة البغل، أنا امرأة جاحدة، أنجبني أبي، وتربيتُ مع أخي، وحين كبرتُ بصقت بوجهيهما وتبرأت منهما.

أنا من عائلة “مفككة” لأني رفضتُ أن أكون فرداً من عائلة تضمّ متحرّشين ومعنّفين. عائلتي ليست نقطة ضعف لدي، كما ظننتم، بل هنا تكمن كل قوتي وأجمل وأصدق ما في.

عائلتي هي النساء اللواتي يقلن لا، من دون أن يخشين زعزعة صورة عائلتهن المتماسكة. هنّ اللواتي يرفضن تلميع صورة “الوحوش” والتستر عليهم. المستعدات دوماً لهدم كل بيت يقوم بإيواء أي معنّف أو مغتصب. عائلتي هي الأقوى، لأن نساءها لا يملكن ما يخسرنه، لأنهن لكمن الصمت علناً. ولأن الصمت الذي قتل ويقتل مرّة تلو المرّة، لا مكان له وسط عائلتي الحقيقية.

مشكلتي ليست فقط مع الرجال الذكوريين، مشكلتي الأكبر مع هـذا النوع من الأمّهات اللواتي يعتقدن أنهن يضحين، ويقمن بتنشئة الأجيال، إلا أنهن لا يفعلن سوى تربية وحوش وتغذيتهم للانقضاض علينا.

هؤلاء الأمّهات يشعرنني بالغضب دائماً، وبالغثيان أحياناً، إلا أني لا أكرههن، بل فقط أشفق عليهن.

 

“النسويّون الدجّالون” داخل الفقاعات الآمنة: في متناولهم أسلحة كثيرة سنقاومها كما الساحرات!

إقرأ أيضاً