fbpx

هنا القصة الثالثة

سعيد ولفقير - صحافي مغربي 

سعيد ولفقير - صحافي مغربي 

مقالات الكاتب

 “لسنا من العدل والإحسان” :مواجهة بين الحكومة المغربية وطلاب الطب

منذ آذار/ مارس الماضي، دخلت كليات الطب والصيدلة في المغرب في إضراب شامل. لا دراسة، لا محاضرات، لا امتحانات. لا صوت يعلو فوق صوت المسيرات والاعتصامات والوقفات، وهي مستمرة حتى تحقيق المطالب، كما يؤكد الطلبة. والمطالب تتعلق بمنح اكاديمية، إلى  قانون الميزة المفروضة على شهادة الدكتوراه، ثم مشكلة السنة السابعة والتدريب، وأخيراً نظام الدراسة الجديد. 

لكن الاحتجاج الطلابي هذا تنظر اليه الجهات الرسمية بصفته تحركاً سياسياً ضدها، تحرّكه أكبر الجماعات الإسلامية في المغرب وهي “جماعة العدل والإحسان” المحظورة، التي تتهمها الحكومة بأنها تحرض على الاستمرار عليه بأي ثمن. 

هذا الاتهام يحاول الطلاب رده والتأكيد أن نشاطهم هو أكاديمي مطلبي. وتقول إحدى المشاركات “كوني ألبس حجاباً، أو زميلي لديه لحية، هذا لا يعني بالضرورة أننا ننتمي إلى هذا التنظيم، الذي يجهله عدد من زملائنا ويسألوننا تفسيراً”. 

أما المنسق الوطني لـ”تنسيقية الطلبة الأطباء”، أيوب أبوبيجي، فيقول في ظهوره الإعلامي المتكرر أن زملاءه ليسوا مسيسين أو مدفوعين من جهة سياسية، وأن همهم الأول هو تحقيق مطالبهم.

يتحدث أبوبيجي بنبرة هادئة، لا توحي بالارتباك، مدافعاً عن تنسيقيته قائلاً: “حْنَا ماعَنْدْناشْ مع السياسة، م َكَانْدِيرُوشْ السياسة، مَكَانْفًهْمُوشْ في السياسة، وما بْغِينَاشْ نْدِيرُوهَا” (نحن لا علاقة لنا بالسياسة، لا نمارسها، ولا نفهمها، ولا نرغب في ممارستها).

في المقابل، لم تلزم “جماعة العدل والإحسان” الصمت حيال الاتهامات الموجهة إليها، واعتبرتها “أسطوانة مشروخة”، وموقفاً يعبر عن “المهزلة”، وأيضاً ينم عن “الفشل المتوالي” للحكومة في “حل مشكلات البلد المتراكمة في كل القطاعات، ومحاولة للهروب من تحمل المسؤولية في إيجاد حلول منصفة للمشكلة المهنية والأكاديمية الصرفة”.

ويأتي سياق الاتهامات الحكومية، مع وصول هذا الملف إلى نفق مسدود، فطلبة الطب يصرون على تحركهم حتى الاستجابة للمطالب، في حين تؤكد الحكومة أنها قدمت “تنازلات”، وتعهدت الاستجابة لبعض المطالب “المشروعة والدستورية”، في إطار التزام يتضمن 14 قراراً، وُقِعَ بين وزارتي الصحة والتعليم، لكن الطلبة يرون أنها وعود لم تصل إلى تطلعاتهم.

ليست المرة الأولى 

في السنوات الأخيرة، ظل فعل الاحتجاج في نظر الحكومة في المغرب موصوماً بتهمة الانتماء إلى فصيل سياسي، خصوصاً عندما يكون “محظوراً” من طرف الدولة  مثل “جماعة العدل والاحسان”. وتحاول الحكومة أن تكرر خطابها في كل مناسبة احتجاجية على أن المحتجين “مُغَررٌ بهم”، أو أن الجماعة “تقف وراءهم”.

اتهام الحكومة لـ”جماعة العدل والإحسان” ليس بجديد، بل كان متجدداً في كل حراك، فعلى سبيل المثال اتهمت وزارة الداخلية هذا التنظيم الاسلامي إبان تأجج حراك جرادة عام 2018 بـ”استغلال” المطالب المشروعة المعبر عنها، و”تحريض السكان بشكل متواصل على الاحتجاج”.

ولم تسلم الحراكات ذات الطابع الفئوي من مزاعم الحكومة بأنها مُؤَجَجة من طرف الجماعة، فوزارة الداخلية وجهت لها من جديد أصابع الاتهام -بشكل غير صريح- بـ”التحريض” و”الوقوف” وراء تظاهرات الأساتذة المتدربين عام 2016، وقالت إن هناك “بعض الأطراف التي اعتادت الركوب على بعض المطالب الفئوية لإذكاء الفوضى”.

خلفيات الصراع

وتعود خلفيات الخلاف بين الطرفين (الدولة والجماعة) منذ سنوات التأسيس في سبعينات القرن الماضي، عندما وجه مؤسس التنظيم عبد السلام ياسين رسالة إلى الملك الراحل الحسن الثاني بعنوان “الإسلام أو الطوفان”، نصحه فيها باتباع النموذج “العادل الخالد” للخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، أو ما يصطلح عليه في أدبيات هذا التنظيم بالخلافة الراشدة التي تلي الحكم الجبري، وقد تسببت هذه الرسالة في سجن ياسين ثلاث سنوات وستة أشهر من دون محاكمة.

حسن بناجح – العدل والاحسان

تعتبر الدولة “جماعة العدل والإحسان” بمثابة “تنظيم يضر بأمن  البلد” ويسعى إلى “زعزعته” لمآرب سياسية تخص أدبياته الايديولوجية، وتنظر إلى تحركاته بعين الترقب والحذر، لأنه غير مؤسساتي. ولم يتم احتواؤه كبقية الأحزاب والتنظيمات السياسية، لذلك تلصق تهمة “تحريضه” التنسيقيات الاحتجاجية دون غيره من الفصائل، إذ ما زال كياناً سياسياً مغلقاً ومتصلباً في مواقفه تجاه النظام وأجهزته ومؤسساته، ويرفض الانخراط في العملية السياسية ضمن نسق السلطة الحاكمة.

اتهامات غير مجانية                                                                             

يرى مناصرون للجماعة أن هذه الاتهامات التي تطال التحرك الاحتجاجي ليست مجانية، وتُستَثمرُ بغرض إلغاء أي تعاطف مع المحتجين، وبالتالي نزع شرعية مطالبهم أو حتى التضامن معها. 

حسن بناجح، القيادي في “جماعة العدل والإحسان”، يرى من ناحيته بأن اتهامات الحكومة المتجددة لجماعته “أمر يثير الشفقة”.

يقول بناجح لـ”درج”: “القول إن طرفاً سياسياً أو مجتمعياً وراء ظاهرة اجتماعية بهذا المستوى يثير الشفقة والسخرية، وهو ما قوبل به هذا الزعم، عن جدارة واستحقاق، على منصات التواصل الاجتماعي!”. 

ويؤكد بناجح أن الاحتجاج في المغرب “يكاد يصبح جزءاً من الهوية الوطنية يمارسه المغاربة يومياً في مئات الأماكن وبشتى الأشكال”، مذكراً بأن الاحتجاجات والحراكات في البلد ليست بسبب “تحريض” تنظيم سياسي معين، بقدر ما هي نتاج  لأوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة ترزح تحت وطأتها فئات عريضة من المغاربة.

بيد أن المحلل السياسي، رشيد لزرق، يرى أن “الجماعة لها نصيب في تحريك الاحتجاجات وتحريض المحتجين على التظاهر، بل وحتى “الركوب” على نضالاتهم”. يقول لزرق لـ”درج”: “حرص تنظيم جماعة العدل والإحسان على إبراز نفسه و لدى مريديه وفي الشارع المغربي وفي كل القضايا والملفات، ولم يترك وسيلة لتشويه الدول والتحريض عليها إلا وقد سلكها، كما حرص على إظهار نفسه كقوة إسلامية معتدلة أمام دوائر التأثير والرأي العام المغربي، وبخاصة بعد أحداث 20 شباط/ فبراير، ثم تراجعت ضمن خطط مدروسة لتحقيق الأجندات السياسية للتنظيم”.

ويضيف لزرق: “سارعت جماعة العدل والإحسان إلى ركوب الموجة وتوظيف مجريات الأحداث لمصلحتها، حتى استطاعت التسلق والوصول إلى بعض المؤسسات النقابية، في محاولة لفرض هيمنتها والاستحواذ على أجهزة الدولة”. 

أما بناجح فيؤكد: “العدل والإحسان ما فتئت تنبه إلى خطورة الأوضاع الاجتماعية في البلد، ويكفي الاطلاع على تقاريرها والبيانات الصادرة عن دائرتها السياسية. إن الذي ينبه للخطر قبل وقوعه ويحث المسؤولين على التعامل مع الأزمات قبل تراكمها وتعقدها، لا يمكن اتهامه بالركوب على تلك الأزمات!”.

الجماعة كورقة لـ”تسييس” المطالب

كثيراً ما توظف الحكومة المغربية ورقة “جماعة العدل والإحسان” سبيلاً لـ”تسييس” مطالب المحتجين وتخوينها، خصوصاً عندما يتأزم ملفهم المطلبي ولا يصل إلى حل.

يرى لزرق، أن “الحكومة التي يرأسها حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الاسلامية توظف ورقة العدل والاحسان في خطاباتها شماعة لتحسين موقعها التفاوضي مع بقية الفرقاء السياسين”، إذ يؤكد أن الحزب الاسلامي يلعب على وتر التوازنات السياسية بما يرضي مصالحه بـ”البقاء في الحكومة وقيادتها ” أو “التحالف مع العدل والإحسان” في حال دخوله معترك المعارضة.

فرض تراخيص على تظاهرات الجامعات المغربية… تضييق أم احتواءٌ للعنف؟

إقرأ أيضاً