fbpx

هنا القصة الثالثة

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

موجة اعتقالات للحقوقيّات في السعودية: “لستِ وليّةَ نفسكِ”

لم تعد سمر بدوي ونسيمة السادة مطلوبتَين، ولا أمل الحربي، أو وداد منصور التي رجّح حساب “معتقلي الرأي” احتمال أن تكون السلطات السعوديّة قد ألقت القبض عليها في 2 آب 2018، خلال الأسبوع نفسه الذي أوقفت فيه سمر ونسيمة وأمل.

جميع هؤلاء بتن موقوفات.  فقد أنجزت السلطات السعوديّة فصلاً جديداً من سلسلة الاعتقالات التي يبدو أنّها ستطول وتشمل كلّ امرأة ورجل تجرّآ وغرّدا خارج السّرب في زمن “الإصلاح” الرّاهن، أو حتّى في زمن ما قبل تولّي الأمير محمّد بن سلمان زمام السلطة في المملكة وقبل إغداقه وعوداً بإصلاحاتٍ بالكاد أوجدها حتّى عاد عنها.

وقد أسفر هذا الواقع عن وقوع أزمة دبلوماسيّة بين المملكة السعوديّة وكندا، بعدما انتقدت وزيرة الخارجيّة الكنديّة ممارسات المملكة ودعتها إلى “الإفراج الفوري” عن المعتقلات، ممّا أدّى إلى تصعيد غير مسبوق من المملكة وقرارها بإمهال السفير الكندي 24 ساعة لمغادرة أراضيها بدءاً من 6 آب/أغسطس 2018، واستدعاء سفيرها في كندا للتشاور، وتجميد العلاقات التجاريّة والاستثماريّة بين البلدين، وردود شرسة على البيان الكندي عبر حساب وزارة الخارجيّة السعوديّة على تويتر، من دون أن يؤدّي ذلك إلى تراجع كندا عن مواقفها، وفي ظلّ توالي مواقف عربيّة داعمة للمملكة ومحتجّة على ما اعتبرته “تدخّلاً صريحاً وسافراً في الشؤون الداخليّة للمملكة”.

سمر بدوي

 بين 30 تمّوز/يوليو و2 آب/اغسطس 2018 أي خلال أيام قليلة، اعتُقلت الناشطات واحدة تلو الأخرى. انطلق الأسبوع بدفعة جديدة ممّا عُرف باعتقالات “عملاء السفارات”، وهو تعبير استخدمته وسائل إعلاميّة سعوديّة وجرى تعميمه في حملات على مواقع التواصل الاجتماعي. انضمّ إلى لائحة المسجونات سمر بدوي التي برز اسمها من خلال مسيرة نسويّة جريئة وعائلة لها موقف حقوقي واضح وتاريخ مع المضايقات والاعتقالات. فمنذ سنوات والسلطات السعوديّة تستهدف بدوي المعروفة بنضالها السلميّ من أجل حقوق المرأة السعوديّة، وقد احتجزتها سابقاً لفترة وجيزة. كانت بدوي تكافح من أجل إطلاق سراح زوجها، وليد أبو الخير، الذي يقضي حكماً بالسجن 15 عاماً بسبب عمله الحقوقي، وشقيقها الناشط والمدوّن رائف بدوي، مؤسّس “الشبكة الليبراليّة السعوديّة الحرّة”، الذي يقضي حكماً بالسجن 10 أعوام في قضايا رأي. ومع سمر بدوي، جرى اعتقال نسيمة السادة، الناشطة في المنطقة الشرقيّة من المملكة، وكلاهما طالبتا على مدى سنوات بإلغاء نظام ولاية الرجل على المرأة، ورفع حظر القيادة، وتعزيز المشاركة السياسيّة للنساء.

التّهم الغامضة الموجّهة إلى المعتقلات قد تشبه في مضمونها التّهم غير المؤكّدة أيضاً التي وُجّهت إلى الحقوقيّات اللّواتي سبقنهنّ إلى ما وراء القضبان، وقد تجاوز عدد المعتقلين/ات  منذ 15 أيّار/مايو 2018 الـ15 معتقلاً/ة، وفق ما جاء في بيان لمفوّضية الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان، والعدد مرجّح للارتفاع. من بين هؤلاء، الناشاطات النسويّات لجين الهذلول وعزيزة اليوسف وإيمان النفجان ونوف عبد العزيز ومياء الزهراني وهتون الفاسي المعروفات بنضالهنّ الحقوقيّ من أجل حقّ المرأة في القيادة وإسقاط نظام الولاية في السعوديّة. ومن بين المعتقلات السابقات، رقيّة المحارب التي تُعدّ من أبرز الشخصيّات الدعويّة النسائيّة، وهي اليوم منسيّة في سجنها الانفرادي منذ عشرة أشهر.

من أبرز التّهم التي تلصقها النيابة العامّة بالموقوفات، “العمل المنظّم للتجاوز على الثوابت الدينية والوطنية، والتواصل المشبوه مع جهات خارجية”، وهي تهمة يُخشى أنّها تُرمى جزافاً على كلّ من رغبت المملكة بالانتقام من نشاطه الحقوقي والسياسي أو مواقفه المغايرة، فتنعته تلقائيّاً بالخائن، أو العميل لطرف أجنبي، كدولة قطر مثلاً، أو المتورّط في قضايا إرهاب.

نسيمة السادة

قد تكون الزنزانة التي تقبع فيها الناشطات من إحدى المساحات القليلة في المملكة التي ينتفي فيها شرط مرافقتهنّ الجبريّة من قبل أحد الأوصياء الشرعيّين الذكور. قد يتنقّلن بين زواياها الضيّقة حرّات للحظات، ولكن سرعان ما سيتذكّرن أنّ خروجهنّ المنشود منها غير ممكن ما لم يحضر الوليّ الذكر لاصطحابهنّ وإجراء المعاملات الرسميّة نيابةً عنهنّ، أكان زوجاً أو أباً أو جدّاً أو أخاً، أو حتّى ابناً. في ما خلا الحقّ المُكتسب في قيادة السيّارة، وحضور الأنشطة الرياضيّة والترفيهيّة، والمشاركة في المجالس المحليّة، تبقى الوجهة الأساسيّة للمعركة الجوهريّة والشاقّة والطويلة في المملكة هي التخلّص من نظام الولاية على الأنثى، وهو ما صوّبت نحوه دوماً الناشطات المعتقلات ورفعنه مطلباً أساسيّاً ومحقّاً في مناسباتٍ عدّة على رغم درايتهنّ الكاملة لما يترتّب عن ذلك من عواقب وخيمة. وقد جاهرن بهذا المطلب مراراً عبر حساباتهنّ الخاصّة على مواقع التواصل الاجتماعي، دفاعاً عن حقّ النساء السعوديّات البديهي في أن يُعاملن كنساءٍ قادرات وفاعلات، لا كقاصرات أزليّات أو راشدات مع وقف التنفيذ. 

لا بدّ هنا من التفاتةٍ إلى الظهور الملحوظ لمحاولات إصلاحيّة لإحداث بعض الخروقات في نظام الولاية الراسخ في المجتمع السعودي. وقد برزت في هذا الإطار خطوةٌ جديرٌ التوقّف عندها لعضوة مجلس الشورى الدكتورة إقبال درندري التي رفعت أمام المجلس توصيةً مهمّة وجّهتها إلى عددٍ من الوزارات. فدعت مثلاً وزارة الداخليّة إلى إطلاق سراح السجينات فور انتهاء مدّة محكوميتهنّ دون اشتراط موافقة أو استلام وليّ الأمر. كما طالبت بأن تضمن وزراة العدل الحقوق الماليّة للنساء المطلّقات، وأن تضع حدّاً لشكاوى “التغيّب والهروب والعقوق” ضدّ النساء والفتيات التي يستغلّها وليّ الأمر ويرفعها كشكاوى “كيديّة” مقابل أي شكوى إيذاء ترفعها المرأة ضدّه، لتصبح هي المتّهمة بجرم الهروب أو التغيّب، أي عدم الطاعة، وينجو هو بفعلته. وكم من امرأة هربت، إلى ما وراء الحدود حتّى، حفاظاً على حياتها، لتُعاد قسراً بحكم هذا المبدأ القانوني إلى ذويها المُعنِّفين. إلى ذلك، نادت درندري في توصيتها أمام مجلس الشورى بعدم وجوب حصول المرأة السعوديّة على إذنٍ من ولي أمرها لتتمكّن من السفر خارج البلاد، معتبرةً أنّ هذه القاعدة “تتعارض مع النظام الأساسي للحكم الذي لم يفرّق بين الجنسين في الحقوق والواجبات”، ولافتةً إلى المادة 36 من النظام التي تنصّ على أنّه “لا يجوز تقييد تصرّفات أحد أو توقيفه أو حبسه إلا بموجب أحكام النظام”.  

تصريحات الدرندري وتوصياتها التي عارضتها اللّجنة الأمنيّة في مجلس الشورى لم تأتِ من عدم ولن تمرّ مرور الكرام. موجة الاعتقالات القمعيّة والترهيبيّة الأخيرة لم تُشن بناءً على معطيات وأدلّة جرميّة ولا يبدو أنّه ستُحترم خلالها، في المدى المنظور، إجراءاتُ “أضعف الإيمان” المتمثّلة بالسماح للمعتقلات بالتواصل مع أفراد أسرهنّ أو المحامين. فما شهد عليه صيف 2018 مرتبط عضويّاً بما حدث في صيف 2016، وها هي المملكة تبثّ اليوم رسائلها الإعلاميّة والأمنيّة التخويفيّة إلى كلّ معارض لتقول له إنّها لا تنسى. ففي تمّوز 2016، أطلقت ناشطات سعوديّات حملةً جريئةً لاقت انتشاراً وجدلاً واسعَين بعنوان “سعوديّات نطالب بإسقاط نظام الولاية”. وما زال الوسم منتشراً على حسابات عددٍ من الناشطات والمعتقَلات، يرافقه تصريح “أنا وليّة نفسي”، وهو جوهر القصّة وأحد مكامن خلاف النظام الأساسي مع الحقوقيّات.

اليوم، تتعرّض المعتقلات لحملات تشهير وافتراءات تُطلَق عليهنّ يميناً وشمالاً لتشيح النظر عن كون نشاطهنّ الثقافي والحقوقي السلميّ المحفّز الأساسي لملاحقتهنّ. فيُعمد إلى نبش كتاباتهنّ القديمة وتاريخهنّ الشخصي والسياسي لتُحوَّل الأنظار عن القضيّة الأساسيّة المتمحورة أوّلاً وآخراً حول حركتهنّ النسويّة التغييريّة. وقد علّقت في هذا السياق منظّمة مراقبة حقوق الإنسان على المسألة بالقول إنّه يبدو “أنّ الجريمة الوحيدة التي ارتكبتها الناشطات والنشطاء هي رغبتهم في قيادة النساء السيّارة قبل أن يسمح محمد بن سلمان بذلك”؛ فيما اتّهمت منظّمة العفو الدوليّة الحكومة السعوديّة بقيامها “بحملة تشهير مروّعة لتشويه سمعتهم (المعتقلين/ات) على أنّهم “خونة”. وكأن وليّ العهد يريد بذلك إفهام المعارضين/ات، على طريقته الأبويّة، أنّه هو الذي يقرّر ويعطي ولا فضل لهم، مهما سخوا بتضحياتهم.

حصرت الحكومة إذاً، ومعها جزءٌ كبير من الرأي العام السعودي، أسباب اعتقال الناشطات – والناشطين – باقترافهنّ أعمالاً مضرّة بالمصلحة الوطنيّة، وبتعاملهنّ مع الخارج… على أساس أنّ هيئة البيعة والحكومة لا يتعاملون معه إطلاقاً. لكن كلّ هذا لا يهمّ أمام “أنا وليّة نفسي” التي ترنّ في أذن المملكة كنشيد “عمالة” داخليّة أخطر عليها وعلى بنيتها من كلّ العمالات.

 

 

 

 

 

 

 

إقرأ أيضاً