fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسمين ابراهيم

ياسمين ابراهيم

مقالات الكاتب

لحظة “إمبرياليّة” في السلوك الطائفيّ اللبنانيّ

النظام الطائفيّ في لبنان – الذي نلعنه ألف مرّة في اليوم الواحد – يقوم على فرضيّات ضمنيّة كثيرة. إحدى هذه الفرضيّات هي التالية: لا يجوز لطائفة ما أن تتدخّل في التمثيل الوزاريّ لطائفة أخرى. هذا ما يشير إلى نوع من الخَفَر الطائفيّ حين يتعلّق الأمر بطوائف الآخرين.

هذا الإحجام عن التدخّل جزء لا يتجزّأ من سلامة اشتغال النظام الطائفيّ بسيّئاته وحسناته: كلّ طائفة عالم مصغّر قائم بذاته ومالك لقراره بالتالي، فيما الإحجام عن التدخّل من إحدى ضمانات “التعايش” بين الطوائف تلك.

أمّا نقد هذه المعادلة التي تطعن بوحدة الدولة، وتحوّل الطوائف إلى دويلات شبه مستقلّة، فلا يستقيم إلاّ حين يصدر عن طرف غير طائفيّ يملك نقداً جذريّاً للتركيب الطائفيّ بأمّه وأبيه، وليس فقط لتوزيع حصص الطوائف.

ما يحصل اليوم نقلة كبرى في اتّجاه آخر: طرف طائفيّ (ودينيّ أيضاً) يملي إرادته على تمثيل طرف طائفيّ آخر. هذا ما جاء الكلام الذي صدر مؤخّراً عن أمين عامّ “حزب الله” حسن نصر الله ليقطع فيه. لقد قال ما معناه: نحن الشيعة نريد للسنّة أن يتمثّلوا بفلان وفلان وإلاّ فلن تتشكّل حكومة. نائبه نعيم قاسم كان قد سبقه إلى إبداء هذا الرأي.

 

مع نصر الله وقاسم، هناك سلاح “حزب الله” وصواريخه. هذا ما يسمح لطائفة ما بالتمدّد إلى خارج حدودها الطائفيّة والتدخّل في “العالم الطائفيّ” لسواها. إنّها لحظة “إمبرياليّة” في حياة الطوائف اللبنانيّة وعلاقاتها.

 

هذه التدخّليّة تتعارض مع الدستور اللبنانيّ الذي ينيط تشكيل الحكومة برئيسي الجمهوريّة والحكومة، بقدر ما تتعارض مع العرف المُستَمدّ من مبدأ عدم التدخّل. تبعاً لهذا العرف يُترك للطائفة نفسها أن تقرّر ممثّليها. لكنّ التدخّليّة هذه – والتي يُرجّح أنّ اعتبارات إقليميّة هي التي فرضتها – ما كانت ممكنة التصوّر لولا الاختلال الكامل في توازن القوى بين الطوائف: الطائفة الشيعيّة في ذروة قوّتها على الأصعدة جميعاً، بما في ذلك تناسق طرفيها القياديّين: “حزب الله” و”حركة أمل”، فيما الطائفتان المارونيّة والسنّيّة، طائفتا رئيسي الجمهوريّة والحكومة، تحتلاّن مواقع ضعف وتفكّك بادية للعيان.

هل هناك سابقة من هذا النوع، وماذا تقول السابقة؟

نعم، إنّها ما فعلته “الحركة الوطنيّة اللبنانيّة” بزعامة كمال جنبلاط في السنتين اللتين سبقتا اندلاع الحرب الأهليّة – الإقليميّة في 1975. يومذاك حاولت “الحركة” المذكورة أن تُحلّ بعض الرموز السنّيّين الملتحقين بها (محمود طبّو…) في مواقع حكوميّة ضدّاً على مواقف ورغبات القادة التقليديّين للطائفة السنّيّة (صائب سلام…). الخطوة التالية كانت مطالبتها بـ “عزل حزب الكتائب”، المارونيّ، وإخراجه من دائرة التمثيل المسيحيّ. المسيحيّون تضامنوا يومذاك مع “حزب الكتائب”.

صحيح أنّ جنبلاط كان أحد الأقطاب البرلمانيّين، وهو ما لا يصحّ في نصر الله وقاسم، كما أنّ “الحركة الوطنيّة” لم تكن طائفة بالمعنى المعهود في الطوائف. مع هذا لم يكن خافياً عن أحد أنّ تلك “الحركة” تعبّر عن توسيع مُداوِر للطائفة الدرزيّة، وتُحاول من موقعها الأقلّيّ هذا المزايدة على السنّة في الراديكاليّة الإسلاميّة والفلسطينيّة. في الحالات جميعاً، كان العداء ما يربط بين هذه “الحركة” وبين المسيحيّين، وكان الحذر والريبة ما يربط علاقتها بالسنّة.

القاسم المشترك بين هاتين التجربتين هو السلاح. مع كمال جنبلاط و”الحركة الوطنيّة” كان هناك السلاح الفلسطينيّ، سلاح “جيش المسلمين”. مع نصر الله وقاسم، هناك سلاح “حزب الله” وصواريخه. هذا ما يسمح لطائفة ما بالتمدّد إلى خارج حدودها الطائفيّة والتدخّل في “العالم الطائفيّ” لسواها. إنّها لحظة “إمبرياليّة” في حياة الطوائف اللبنانيّة وعلاقاتها.

إقرأ أيضاً