fbpx

هنا القصة الثالثة

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

لجين الهذلول ونسرين ستودة:حكاية نظامي طهران والرياض

تزامنت أخبار كل من الإيرانية نسرين ستوده والسعودية لجين الهذلول، وتصدرت معاناة كل منهما المشهد العام الحقوقي هذه الأيام. ستوده تلقت حكماً قاسياً يقضي بسجنها لـ38 عاماً وجلدها148 مرة، فيما تلقت لجين نصيبها من التعذيب والإهانة والسجن بتهم فضفاضة تتعلق بالخيانة والتعامل مع دول أجنبية…

لكن ماذا “ارتكبت” هاتان المرأتان؟

لكل من لجين ونسرين معركتها مع نظام بلادها، لكن دوافعهن تكاد تكون واحدة. بإمكانات متواضعة سعت كل منهما إلى دفع سلطات بلدها للاعتراف ببعض الحقوق العادية…

ستودة المحامية دافعت عن  السيدات الإيرانيات اللواتي اعتقلن بسبب احتجاجهن على الحجاب القسري، وجاهرت برفضها عمليات إعدام القصَّر، إذ تعد إيران من أكثر بلدان العالم تنفيذاً لعمليات إعدام القصَّر، بل وباتت متهمة بإهانة النظام ومرشده الأعلى لأنها طالبت بالحقوق.

أما لجين، فسعت لتنال السعوديات حقوقهن المبدئية كالحق في قيادة السيارة وفي العيش من دون سطوة ولي الأمر. قادت سيارتها قبل أن يسمح ولي العهد محمد بن سلمان بذلك، وقبل أن تتجرأ نساء كثيرات على تحدي القرار.

تلقت لجين بحسب ما كتبت شقيقتها عليا في مقال في “نيويورك تايمز” مكالمة من مسؤول في البلاط الملكي يمنعها من التعليق أو التحدث على مواقع التواصل الاجتماعي حين صدر قرار السماح بالقيادة. من دون مقدمات سجنت لجين وناشطات أخريات بتهمة الخيانة، وتم تشويه سمعتهن ونقلت شهادات العائلة ومنظمات دولية تعرضها والسجينات الأخريات للضرب والتعذيب والإهانة.

 

تختصر محنة كل من نسرين ولجين نمطاً من الاضطهاد والملاحقة التي يعاني منها المعتقلون والمعتقلات وهناك نوع من العقاب الاستباقي، بحيث لا يسجن الناس بسبب ما يفعلونه، ولكن بسبب من هم.

 

للتشابه بين محنتي لجين ونسرين بعدٌ رمزي، ذاك أنهن استهدفن من قبل نظامين يعيشان فصولاً من الخصومة والصراع وسبّبا انقساماً هائلاً في المنطقة، إلا أنهما يلتقيان على اعتبار من ينادي بالحقوق الفردية والسياسية، خائناً وإرهابياً. وهذا تشابه لم يقع مصادفة، ذاك أن صراع الأشباه أشد قسوة وعبثية من صراع من لا يجمعهم التشابه. ولعل ذلك تماماً ما يحول ضحاياهما إلى متشابهين أيضاً.

تجسد كل من ستوده والهذلول معنى النضال من أجل حقوق المرأة في كل من إيران والسعودية، إضافة إلى كونهما مثالاً على القمع الداخلي الهائل الذي يفرضه النظامان. محاولات التجميل الدعائية في السعودية من قبيل منح المرأة حق القيادة وتعيين شخصيات نسائية والسماح بحريات محدودة قابلها، خنق لأي تعبير سياسي أو حقوقي جدي، وما الجريمة الوحشية التي أودت بالصحافي جمال خاشقجي سوى دليل على العقلية الفعلية في تعامل النظام مع معارضيه، فتتم الاستعانة بالكلام الدعائي عبر وسائل الإعلام وشركات الدعاية، لكن الواقع أمر مختلف. تماماً كما يفعل النظام الإيراني حين يقول وزير خارجيته “المبتسم” دوماً جواد ظريف إن بلاده تتمسك بمعايير حقوق الإنسان، فيما تلك الحقوق تهدر على نحو يومي في سجون إيران على مذبح ولاية الفقيه وفي ظلها.

قضيتا لجين ونسرين ليستا فرديتين، فهما نموذجان لحالات كثيرة نعرفها ولا نعرفها. ففي ظل هذين النظامين من الصعب الرهان على ضغوط دولية وعلى رأي عام عالمي، لدفع السلطات إلى التراجع عما اقترفته، فهذه الضغوط ربما تزيد من تعنتها، وكلما حظيت شخصية باحتضان إعلامي عالمي، خصوصاً إذا كانت معارضة، ازدادت دواعي تأديبها وسهلت إدانتها.

غض النظر المخيف الذي يمارسه المجتمع الدولي إزاء انتهاكات حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ساعد الحكومات على اقتراف مزيد من الانتهاكات الفظيعة خلال 2018. ويُظهر تقرير منظمة العفو الدولية أن حملة قمع المعارضة والمجتمع المدني ازدادت حدة بشكل كبير في كل من إيران والسعودية خلال 2018. وتمثل هاتان الدولتان نموذجاً لقصور الرد الدولي على الانتهاكات المتفشية التي ترتكبها الحكومات. ليستا وحدهما طبعاً، فهناك دول كثيرة في المنطقة، تمتلىء سجونها بالمعارضين والمعارضات، لكن رمزية الصراع السعودي – الإيراني في ظل تلاقيهما على قمع معارضة الداخل، يعطي للمشهد صورة سوريالية. مع غياب قيادة عالمية قوية يبقى مستقبل المنطقة معلّقاً بما تُعرّفه القوى الإقليمية بأنه “أولوياتها”. يمكننا رد ما يحدث الآن في الشرق الأوسط إلى سلسلة أحداث أوّلها كان مع الربيع العربي عام 2011، والذي أثار رغبة لدى الشعوب بتغيير ديموقراطي، ورغبة مضادة لدى الحكومات بإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل 2011.

يعتقد معسكر الثورات المضادة، أنه ولكي تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الثورات، على المستقبل أن يكون أكثر قتامة وقسوة من أي وقت مضى. الأولوية بالنسبة إلى الأنظمة المضادة للثورات، هي أن تمنع تكرار ثورات عام 2011، وتعتقد أن الطريقة الأجدى لفعل ذلك هي أن تستمر في القمع.

السجون السعودية والإيرانية باتت من الأسوأ، وتعج بالمدافعين عن الحريات والحقوق الفردية والعامة. إيران في المرتبة السادسة عالمياً من حيث عدد المعتقلين وأساليب التعذيب، من دون تمييز بين الجنسين ولا بين الأطفال والراشدين.

تختصر محنة كل من نسرين ولجين نمطاً من الاضطهاد والملاحقة التي يعاني منها المعتقلون والمعتقلات وهناك نوع من العقاب الاستباقي، بحيث لا يسجن الناس بسبب ما يفعلونه، ولكن بسبب من هم. هي نفسها فكرة “العدو الموضوعي”، ذاك أنك أيها “البريء”، مرشح لأن ترتكب، بحكم ما أنت مقتنع به لا بحكم ما أقدمت عليه.

هذا يذكرنا بالمقولة السوفياتية القديمة “أعطنا السجين وسوف نجد الجريمة”.

صمت السجون السعودية: معتقلات ومعتقلو الرأي يخرقون “إصلاحات ولي العهد”

رسالة من سجينة إيرانية: “بدأت أنسى ملامح أطفالي”

 

إقرأ أيضاً