لبنان: هل من سهَّل عودة فاخوري هو من استدعى شربل للتحقيق؟

حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
سبتمبر 13, 2019
أيهما أكثر أهمية لحزب الله، أن يمنع عامر فاخوري من العودة إلى لبنان، أم أن يشعر أمينه العام حسن نصرالله بأن بإمكانه أن يعلن أن لبنان هو جزء من "مخيم" يقوده المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية؟
عامر فاخوري

غضبة الممانعين اللبنانيين التي رافقت عودة الضابط السابق في جيش لحد عامر فاخوري إلى ربوع جمهوريتهم القوية والمنتصرة، انطوت على قدر من التقية، هي مؤشر جديد على أننا حيال نزاعٍ أهلي أكثر مما نحن حيال حرب “قيم” على ما يحلو للممانعين تصويرها. ففاخوري عاد في ظل لبنان القوي والمنتصر، وفي ظل تصدر “المقاومة” كل المواقع والمناصب! لكن من الذي سهّل عودة الرجل؟ لم أجد في مقالات و”بوستات” كل الغاضبين إشارة واحدة إلى الجهة التي سهلت عودته! ألا يبدو ذلك غريباً؟ ويبدو أيضاً أن الإفصاح عن هوية من سهّل عودة الضابط السابق في الميليشيات الموالية لإسرائيل، لا يمكن إدراجه في النزاع الأهلي. فلو أن مسهل العودة كان سعد الحريري مثلاً لكنا قرأنا قصائد عن هذا “الخائن”، أما إذا كان سمير جعجع فكان تولى مهمة التخوين “مؤرخو” المقاومة الذين كانوا باشروا قصتهم عن فاخوري بتذكيرنا بتاريخ جعجع الميليشيوي.

ولكن يبدو أن عودة فاخوري هي سياق من علاقة بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” الذي باشر رئيسه جبران باسيل حملة لتسويق عودة “المبعدين اللبنانيين إلى إسرائيل”، فكيف يمكن التصدي للخطوة من دون تخوين أصحابها؟ سطوة “حزب الله” كبيرة على هذا الصعيد، والضغينة التي تكنها أطرافٌ ممانعة لباسيل سيتم ضبطها على نحو ما ضُبطت عندما باشر صهر الرئيس وممثله في الحكومة حملة “عودة المبعدين”، وأيضاً على نحو ما ضُبطت عندما أرسل باسيل أمن الدولة إلى مباني صحيفة “الأخبار”. وها نحن اليوم أمام صراخ مختنق، يُطلق أصحابه اتهامات لا يفصحون من تستهدف!

 

أيهما أكثر أهمية لحزب الله، أن يمنع عامر فاخوري من العودة إلى لبنان، أم أن يشعر أمينه العام حسن نصرالله بأن بإمكانه أن يعلن أن لبنان هو جزء من “مخيم” يقوده المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ عودة فاخوري تبدو هنا تفصيلاً طفيفاً في مقابل قبول “لبنان القوي” بالموقع الذي اختاره له الأمين العام للجمهورية القوية. 

 

باسيل في مأمنٍ عن الاستهداف والتخوين، فالرجل أهدى “حزب الله” الكيان كاملاً في مقابل صمت الحزب عن طموحاته الضيقة. و”حزب الله” يعرف أن الفواتير التي يدفعها لباسيل لا تساوي شيئاً لقاء ما يؤديه الرجل في خدمة الحزب. كرامة الممانعين تبدو تفصيلاً يمكن عدم الوقوف عنده. “المبعدون” سيعودون وهذا أمر لا يعني الحزب ولا يهمه، ذاك أن حرباً أهلية تفوق فيها الأخير بفعل اندراج الغالبية المسيحية في معسكره. فأيهما أكثر أهمية لحزب الله، أن يمنع عامر فاخوري من العودة إلى لبنان، أم أن يشعر أمينه العام حسن نصرالله بأن بإمكانه أن يعلن أن لبنان هو جزء من “مخيم” يقوده المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ عودة فاخوري تبدو هنا تفصيلاً طفيفاً في مقابل قبول “لبنان القوي” بالموقع الذي اختاره له الأمين العام للجمهورية القوية. 

غلاف صحيفة “نداء الوطن” الذي تسبب باستدعاء الزميل شربل للتحقيق

المشهد في يوم غضبة الممانعين على عودة آمر سجن الخيام إلى ربوع جمهوريتهم كان واضحاً وجلياً. فالمباحث الجنائية كانت منشغلة باستدعاء رئيس تحرير صحيفة “نداء الوطن” الزميل بشارة شربل بسبب مانشيت الصحيفة: “أهلاً بكم في جمهورية خامنئي”. هذه هي المعادلة اليوم، فالحساسية الرقابية موظفة لضبط أي مزاج احتجاجي على الموقع الذي اختاره الأمين العام للجمهورية، والثمن طبعاً سداد فواتير صغيرة من نوع عودة آمر سجن الخيام، ولاحقاً آخرين ممن ستوظف عودتهم في رصيد رئيس “التيار الوطني الحر”. صحيح أن كرامات ممانعين ستهدر على مذبح هذه العلاقة، لكن هناك ما هو أهم من هذه الكرامات، وذمة الممانعين واسعة، فمن سبق له أن “بلع فايز كرم” فلن “يغص بعامر فاخوري”، والغضبة التي نشهدها ستمر بعد أيامٍ قليلة تماماً كما مرت قصة فايز كرم وعاد بعدها رئيس “التيار الوطني الحر” جزءاً لا يتجزأ من المقاومة وأهلها.

تأديب صحيفة “نداء الوطن” مهمة أوجب من ملاقاة المحتجين على عودة فاخوري إلى جمهورية الممانعة. ذمة هذه الممانعة كبيرة وهي تتسع لما هو أكثر فداحة من عودة فاخوري. لقد اتسعت قبل أشهر لمشهد تسليم الحليف الروسي جثث جنود إسرائيليين كانت في دمشق، وقبل أن تتسع لفايز كرم سبق لها أن اتسعت لإيلي حبيقة. نحن حيال حربٍ أهلية، وهذه تفاصيل لا قيمة لها في سياق حسابات هذه الحرب.

إذا صح أن فاخوري كان وراء عمليات تعذيب في سجن الخيام، ويبدو أنه صحيح، فإن عودته ليست تفصيلاً طفيفاً في سياق “عودة المبعدين”، ذاك أن الرجل من المفترض أن يكون آخر العائدين لا أولهم، وأن يسبقهم في هذه العودة فإن ذلك يعني أن رئيس التيار قطع شوطاً كبيراً في مشروعه، وهذا سيكون صعباً ومؤلماً بالنسبة إلى “نخبة الممانعة”، إلا أنه ألم سبق أن خبروه وكابدوه ثم تجاوزه في سياق الحرب الأهلية التي يخوضونها لـ”تحرير فلسطين”. 

أما نحن، وفي الوقت الذي نعلن فيه تضامننا مع “نداء الوطن” ومع رئيس تحريرها، نطلب من مواطنينا في “الممانعة” أن يكشفوا لنا عن هوية من سهل عودة فاخوري.       

“الجاسوس”: قصة حبّ بين “نيتفليكس” و”الـ”موساد”

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
طردت “آيشتي” أكثر من مئة موظف وموظفة تعسفياً، بعد إجبارهم على التوقيع على استقالات للتنازل عن تعويضاتهم المالية، واقتطاع رواتبهم. المفارقة أن هذه الشركة تستحوذ على 80 في المئة من حصة السوق اللبنانية من الألبسة الفاخرة والماركات العالمية.
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
على رغم مرور أسابيع على انتفاضة 15 تشرين الثاني الإيرانية، إلا أن أعمال القمع والاعتقال العشوائية ما زالت سارية المفعول في المناطق العربية، خصوصاً في ماهشهر وجوارها
باسكال صوما – صحافية لبنانية
في البلاد التي تقودها السلطة المهذّبة، الشتائم مرفوضة والقتل مسموح إذاً، كما أنّ الحبّ ممنوع والحرب مسموحة.
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
لا شكّ في أنّه أمرٌ مؤلم أن يتمنّى لك رفيقك الموت حرقاً. لكن تعليقاً غاضباً كهذا هو مجرّد تفصيل أمام ما نعانيه منذ سنوات من تهديد وتهويل وحقد لا مثيل لها كمعارضين شيعة للأخ الأكبر.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
التلفزيونات اللبنانية لم تكن يوماً بعيدة من نظام الفساد والارتهان الذي باشر اللبنانيون الانتفاض عليه. رخص البث منحت لها من هذا النظام، وحصص الإعلانات وزعت عليها بناء على توازناته. موقعها الطبيعي هناك
زينب المشاط – صحافية عراقية
في بيت سميرة عاش الفتى المغدور هيثم علي اسماعيل الذي قُتل وتم التمثيل بجثته في ساحة الوثبة على مرأى من الجماهير، في حادثة اعتبرت من أبشع الجرائم التي ترتكب على هذا النحو في السنوات الأخيرة.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email