fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

لبنان ممراً لطائرة متوجهة لقصف أهداف في دمشق

الزعيم الدرزي طلال أرسلان

بينما كان متظاهرون دروز لبنانيون مناصرون للزعيم الدرزي الموالي لـ”حزب الله” طلال إرسلان، يقطعون الطريق الذي يصل الجنوب بالعاصمة بيروت، احتجاجاً على قتل دروز من مواطنيهم الموالين للزعيم الدرزي وليد جنبلاط اثنين منهم، مساء يوم الأحد الفائت، عبرت من فوق رؤوسهم طائرات حربية إسرائيلية متوجهة إلى دمشق لقصف مواقع إيرانية في محيط العاصمة السورية.

ليست المصادفة وحدها هي ما جعل من هذا المشهد ممكناً. وعلى غير ما يمكن أن نعتقد، المشهد شديد البساطة والانسجام. مناصرون لـ”حزب الله” من الدروز يقطعون الطريق على جنوده الآتين من قراهم في جنوب لبنان. وطائرات تمر من فوق رؤوسهم متوجهة للقصف في دمشق. وعلى بعد كيلومترات قليلة، صعوداً نحو الجبل كان وزير التربية أكرم شهيب يفاوض الأجهزة الأمنية لتطويق الاشتباك الذي أفضى إلى مقتل اثنين من مناصري خصمه الوزير في الحكومة ذاتها، صالح الغريب.

الطيار الإسرائيلي المتوجه بمهمة واضحة ومحددة، أشاح بنظره حين لاح له مشهد ازدحام السيارات على مداخل العاصمة. فالمهمة تقتضي تركيزاً يجب عدم تبديده بترهات “الشعوب” اللبنانية. هذا ما فكر به، على رغم أنه يدرك تماماً أن ما يحصل أسفل طائرته ليس هذياناً. إنه حكاية ناس وجماعات. كما أنه في المسافة الوسطى تماماً بين المطار الذي انطلق منه، وبين الهدف الذي يتجه إلى تدميره! وقبل وصول الطائرة إلى سماء خلدة، كان ناشط على السوشيل ميديا من الشيعة المعارضين لـ”حزب الله” يقيم في قرية حدودية، ألغى منشوراً كان يهم بكتابته عن الاشتباك الدرزي – الدرزي، واستبدله بآخر قال فيه: “طائرات إسرائيلية عبرت سماء قريتنا متجهة نحو الشرق”.

لم يجرف هواء الطائرة المندفعة إلى دمشق وجهة المشاعر اللبنانية المحتدمة. بقيت خلدة وكفرمتى مركزي الانشغال. حتى طابور السيارات الهائل الآتي من الجنوب، لم تشغله طائرة متوجهة لقصف مواقع ربما تضم عناصر من الأهل والأقارب. لقد هاجم دروزٌ دروزاً، وعلى الشيعة أن يباشروا الإفصاح عن تمسكهم بسلطة الدولة، وبضرورة سحب السلاح من أيدي مناصري وليد جنبلاط. فهل يعقل أن تتسلح طائفة دون غيرها من الطوائف؟

لم يجرف هواء الطائرة المندفعة إلى دمشق وجهة المشاعر اللبنانية المحتدمة. بقيت خلدة وكفرمتى مركزي الانشغال.

المشهد من السماء كان على النحو التالي: آلاف السيارات متوقفة على المدخل الجنوبي للعاصمة. أصحابها لا يشعرون بالضجر على نحو ما يشعر عادة المختنقون بالأزمات المرورية. الشيعة أمضوا أوقاتاً من التشويق مساء يوم الجمعة. الطائرات الإسرائيلية لم تنغص عليهم تمضية ذلك الوقت على المدخل الجنوبي للعاصمة. الموارنة بدورهم بدوا حائرين. الحرب لم تنل منهم، على رغم أن جبران باسيل هو من تسبب فيها. مدونو “14 آذار” الجدد اتهموا الزعيم الجديد بالوقوف وراء فتنة الدروز. قالوا إن قرار بلدية الحدث بمنع بيع المنازل أو تأجيرها للشيعة ولغير المسيحيين، أنتج قابلية لفيدراليات طائفية، أفضت بدورها إلى واقعة كفرمتى. هذا فيما حذر مدونون من الجماعة ذاتها من الفتنة الدرزية – المارونية، وأثرها على خيار “الجبل اللبناني”.

الدقائق القليلة التي استغرقتها رحلة الـ”أف 16″ من الجليل إلى دمشق شهدت كل هذا العصف العاطفي والمذهبي. والطيار كان عليه أن يخترق كل هذا الهذيان لكي يصل إلى هدفه.

الشيعة يقاتلون في دمشق، وهم اليوم، في لحظة عبور الطائرة، محتجزون أمام “دارة خلدة” حيث المير طلال إرسلان يستعد لإلقاء خطاب عن نائب “الدماء”، وإلى جانبه وزير “حزب الله” في الحكومة محمود قماطي يعلن أن زمن الميليشيات والسلاح غير الشرعي ولى إلى غير رجعة! في هذا الوقت كان صاحب إمارة الجبل وليد جنبلاط خارج البلاد. نصب كميناً وغادر البلاد.

لبنان المختنق بأهله وبجماعاته، ليس أكثر من ممرٍ لطائرة متوجهة لقصف مواقع إيرانية في دمشق.

لبنان المختنق بأهله وبجماعاته، ليس أكثر من ممرٍ لطائرة متوجهة لقصف مواقع إيرانية في دمشق. كل هذا الضجيج لم يخفف من اندفاع الطائرة، ولم يثر رغبة لدى قائدها لمعرفة المزيد. الطريق سالكة، من الحدود إلى الحدود. خبر هدير الطائرة الذي سمعه المدون الشيعي في قريته الحدودية، وصل إلى بيروت أسرع من صوت الطائرة، لكن الخبر لم يحدث ذهولاً. بقي اللبنانيون منجذبين إلى أصوات الرصاص المنبعثة من الجبل القريب.

قتيلان شابان. هل من شيء أوضح من هذا الخبر، وأكثر شفافية منه؟ وهل من شيء أوضح من أن يفصح مثقف عن خوفه على “الهوية الجبلية” من التقاتل الدرزي – الماروني؟

الطيار الإسرائيلي لم يجد إلا محمود قماطي، لكي يتبادل معه ابتسامات شفقة على “الهوية الجبلية”، ذاك أن كليهما يدرك أن الحرب ليست هنا، وأن طوائفنا ليست سوى معبر لحروب خارج الحدود.

تقمص الأدوار : من اشتراكيي كمال إلى علمانيي عون

إقرأ أيضاً