fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد سليمان - صحافي وكاتب كردي عراقي

خالد سليمان - صحافي وكاتب كردي عراقي

مقالات الكاتب

لبنان جنة النفايات والتلوّث البيئي

للحصول على هواء غير ملوث في لبنان، عليك بالصعود إلى قمم الجبال أو التفكير بالخروج من البلد. أما في بيروت، فعليك نسيان الأمر. تواجهك على أطراف شوارعها، أشجار يتيمة ينفرد بها العطش والحرّ، والعزلة بطبيعة الحال، إنها تعاني من قلة الأوكسيجين أكثر من سكان المدينة أو زوّارها، ذاك أنها تُفترش قسراً، على أرض إسمنتية ويحيطها الباطون وتتنفس كاربون السيارات. لقد وصلت نسبة التلوث في بيروت بحسب “منظمة الصحة العالمية” إلى مستويات تتخطى الحد الأقصى المسموح به بثلاثة أضعاف. ويحتل لبنان بعد منغوليا وميانمار وأفغانستان وبنغلادش، المركز الخامس عالمياً في التلوث، وفق موقع NUMBEO العالمي لمراقبة التلوث في مدن العالم. وقد وصلت نسبة التلوث بحسب الموقع المذكور الى 78.39 في المئة، تاركاً بذلك وراءه نيجيريا ومصر والصين.

وعبّر ناشطون لبنانيون عبر “المنصة العالمية للتغير” تحت عنوان “أبعدوا خطر السرطان عن أطفالنا… لا للمحرقة!“، عن مخاوف جدية بخصوص إقامة محرقة للنفايات في مدينتهم، إذ من شأنها أن تعرّض الصحة العامة وصحة الأطفال تحديداً للخطر. وقال الناشطون في حملتهم الإعلامية إن الوضع الكارثي، والذي يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، يعود لأسباب عدة مثل انتشار المولدات الكهربائية عشوائياً وازدحام السير وانبعاث الملوثات الصناعية من دون رقابة، إضافةً طبعاً إلى سوء إدارة الملفات المتعلقة بالبيئة.

يحتل لبنان بعد منغوليا وميانمار وأفغانستان وبنغلادش، المركز الخامس عالمياً في التلوث

ويأتي جزء من مخاوف النشطاء اللبنانيين من سلامة تشغيل المحارق المزعوم إنشاؤها في بيروت، استناداً إلى سلامة تشغيلها في دول متقدمة في العالم، ذلك أن الحكومة اللبنانية بحسب بيانهم، “لم تنجح منذ عقود في معالجة ملفات أسهل بكثير، لا بتطبيق القوانين، ولا بالمراقبة الفعلية أو محاسبة المخالفين لتجنب التدهور البيئي والصحي الذي وصلنا إليه”. وأشار البيان إلى أن إقامة محرقة في المدور/ الكرنتينا ستعرض الأطفال في برج حمود والمدور والأشرفية وسن الفيل والحازمية والجديدة وغيرها من المناطق يومياً للملوثات المسرطنة. وذلك بالاعتماد على دراسة أعدّها الدكتور عصام اللقيس في الجامعة الأميركية في بيروت، تصور انبعاث الملوثات من داخون أو نافثة المحرقة وطريقة انتشارها في الهواء في حال إقامتها في المكان المذكور.

يعاني لبنان من مشكلات بيئية كثيرة وعوامل عدة ملوثة للبيئة والهواء، إنما يبقى للعوامل البشرية التأثير الأكبر، تحديداً في قطاع النفايات التي تعد العامل الرئيسي في انبعاث الغازات الدفيئة. وتعترف وزارة البيئة اللبنانية وفق بيانات يعود تاريخ جمعها وتسجيلها إلى عام 2011، بأن قطاع النفايات مسؤول عن 11 في المئة من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة الوطنية. ويعد هذا القطاع، بما فيه مياه الصرف، أكبر مصدر لانبعاثات غاز الميثان في لبنان، إذ يمثل 87.5 في المئة من إجمالي انبعاثاته الوطنية. والميثان من الغازات الدفيئة إلى جانب ثاني أكسيد الكاربون والغازات الأخرى. ولا تزال أساليب التخلص من النفايات الصلبة على الأرض بدائية، وهي بحسب وزارة البيئة اللبنانية، تنتج 94.3 في المئة من انبعاثات النفايات (أعلى فئة). وتنتج البلديات في لبنان 1.56 مليون طن من النفايات الصلبة كل عام.

وتبقى عملية استرداد الطاقة Energy Recovery، من النفايات على رغم أهميتها من جميع النواحي البيئية، شبه غائبة، وذلك وفق بيانات صدرت عن الحكومة اللبنانية في شهر كانون الثاني/ يناير 2018. وينتج لبنان 6500 ألف طن من النفايات الصلبة يومياً، نصفها من المواد العضوية. وتقول مصادر حكومية إن 50 في المئة من هذه النفايات يرمى عشوائياً في المكبّات، ويتم دفن 35 في المئة منها صحياً في برج حمود، منطقة مصب نهر الغدير وزحلة، فيما 15 في المئة من الكمية المتبقية تذهب إلى التدوير. ولا يمكن التأكد من البيانات العلمية التي تثبت “الدفن الصحي”، وذلك لصعوبة فرز النفايات قبل الدفن، فضلاً عن أن الدفن لا يعتبر صحياً في الأساس. ولأن البلد يفتقد إلى سياسة ايكولوجية من شأنها تصنيف المكبّات، تختلط المواد العضوية بالبلاستيك والمواد الصلبة، ناهيك بالمواد الخليوية مثل البطاريات والإلكترونيات، وقد تدخل هذه المواد إلى السماد ‌أو إلى الأنهار والأحواض المائية العذبة.

ينتج لبنان 6500 ألف طن من النفايات الصلبة يومياً، نصفها من المواد العضوية.

إلى جانب النفايات المنزلية الصلبة، ينتج “البلد الصغير” 50 ألفاً من النفايات الصلبة الخطرة كل عام، منها نفايات صناعية كيماوية خطرة، نفايات الكترونية، أدوية/ مواد صلبة منتهية الصلاحية، نفايات ناتجة عن المؤسسات الصحية، زيوت وإطارات وبطّاريات مستعملة، ملوثات عضوية ثابتة في قطاع الطاقة أو غيره، إضافة إلى نفايات أخرى مثل النفايات الصلبة الناتجة عن قطاع صناعة زيت الزيتون، نفايات المسالخ، نفايات البناء والردم والنفايات ذات الأحجام الكبيرة. إن المعالجة البيئية السليمة لهذه النفايات الصلبة الخطرة، غائبة هي أيضاً، ويستمر رميها عشوائياً. ويضاف إلى كل ذلك، عدد كبير من السيارات الشخصية القديمة ومركبات النقل الداخلي في جميع أنحاء لبنان، التي تنتج كميات هائلة من الكربون بسبب قدمها وبقائها في الخدمة لسنوات طويلة.

بناءً على ما تقدم، يمكن القول إن تفاقم التلوث وتركزه العالي في العاصمة اللبنانية بيروت، أمر يتم بفعل فاعل وتتحمل النخب السياسية مسؤوليته. ولو عدنا قليلاً واستعدنا مشهد رمي القمامة في الشوارع والأزقة صيف 2015، لاتضحت ملامح صورة اليوم أكثر؛ ولا فرق بين رائحة قمامة مرمية في الشوارع وأخرى متفحمة في المحارق، ذاك أن “الريحة طالعة” في جميع الأحوال.

تم انجاز هذه المادة بدعم من مؤسسة روزا لوكسمبورغ 

ما خلف “موت” العاملات الأجنبيات في لبنان… انتَحَرن أم انتُحِرن؟

إقرأ أيضاً