لبنان: ثورة المتعبين مستمرّة

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
"هذه ثورة الجوع وجوعنا عمره سنوات لا تعدّ"، قال أحد المتظاهرين رافعاً العلم اللبنانيين. وأضافت رفيقته: "مش رح نفل، هني اللي رح يفلوا".

بعد ليلة دماء وعنف ومواجهات مع القوى الأمنية، فاقت البلاد على المزيد من الحواجز الطائفية والسياسية التي هوت واحترقت، انتصاراً لوحدة ثورة الجوع والقهر. “لا رجعة إلى الوراء” يردد اللبنانيون في ساحات الاعتصام في مختلف المناطق اللبنانية. إنها ساحات حريّة عبّدها الجائعون والمقهورون والمتعبون والعاطلون من العمل والفقراء ومسلوبو الحقوق، عبّدوها بصراخهم ودمائهم.

ليلاً اتخذ القرار بالتصدي لتظاهرة رياض الصلح في وسط بيروت، وكانت الضحية عشرات المعتقلين والكثير من الجرحى، بينهم نساء ومسنون ومراهقون. كان منتظراً أن “ينضبّ” كل واحد في بيته بعد ليل دموي مؤسف، تخلله تكسير محلات تجارية ومواجهات عنيفة وقنابل مسيلة للدموع وأخرى صوتية وخراطيم مياه، استخدمته القوى الأمنية لتفرقة المتظاهرين وإنهاء حركة احتجاجهم. لكنّ بيروت استيقظت على المزيد من المتظاهرين، ومن كان في بيته أمس، نزل اليوم لينضم إلى المطالبين بإنهاء النظام الفاسد بكل أطيافه. 

“التيار الوطني الحر” اعتبر نفسه والعهد غير معنيّين بالمطالب، لأنه لطالما دعا إليها، وكذا فعلت أحزاب أخرى، داعية أنصارها إلى التظاهر… ضد السلطة التي هي فيها. لكن لا شيء ضبط نبض الشارع سوى الناس وحقوقهم المهدورة.

جنوباً بدا واضحاً أنّ هناك معركة رديفة بين الثنائي الشيعي، “حزب الله” و”حركة أمل”، وصور رئيس مجلس النواب ورئيس الحركة نبيه بري التي أنزلها المتظاهرون، تم الرد عليها بالرصاص الحي والعنف، وأجبر مناصرو الحركة المحتجين على فتح طريق الجنوب. وانقسم الشارع الشيعي بين حماة الصور والمطالبين بإسقاط المزيد منها بما تحمله من رمز وأبعاد. لكنّ من أنزل الآليات إلى ساحة رياض الصلح لردع المتظاهرين العزّل وقمعهم، لم يُصدر قراراً مماثلاً في الجنوب، حيث استخدم مدنيون مسلحون القوة لتفريق المتظاهرين. “إنما نهج تطويق المساكين لا يُستخدم طبعاً مع الزعران والبلطجية”، كما قال أحد الشبان الذي أكل نصيبه من العنف العشوائي. لكنّ ذلك كله، لم يهزّ ساحات الحرية التي بقيت تعج بأهلها من بيروت إلى الجنوب وطرابلس والبقاع. 

 

أمين عام “حزب الله” حسن نصرالله أكّد عدم إمكان إسقاط العهد أو الحكومة، فردّ عليه المتظاهرون بهتافات منددة، وتزايدت أعدادهم في الشوارع.

 

أُفرج عن المعتقلين في بيروت، بقرار سريع من المدعي العام، وقد بدت على أجسادهم علامات العنف الشديد، وقد عمد والد أحد الشبان المعتقلين إلى محاولة حرق نفسه بالبنزين، قبل إطلاق سراح ابنه.

“الحجات” والجميلات ملأن الشوارع بصراخهنّ ورسائلهنّ الصادقة الحرة، غير آبهات لا بزعيم الطائفة ولا برئيس الحزب. 

توحّد الجميع حول كلمة واحدة “ثورة” متعالين على كل شيء، فبدا المشهد مدعاة فخر واعتزاز، فالشعب الذي سكت طويلاً، انفجر وقرر ألا يتوقف عن الصراخ في وجه الفساد والسرقات.

قال أحدهم: “بشار الأسد قتل نصف شعبه ليبقى في الحكم، ونحن مستعدون للموت جميعاً حتى يرحل كل من في السلطة”. والـ72 ساعة التي منحها رئيس الحكومة سعد الحريري لنفسه، زادت المتظاهرين اندفاعاً واتحاداً. فالعلم اللبناني ظل يرفرف وحده، وقد قرر الشعب إسقاط الأعلام الأخرى كلها. حتى أن مناصري الأحزاب التي دعت إلى المشاركة في التحركات، نزلوا بالأعلام اللبنانية فقط. 

مظاهر إقفال الطرق استمرت، لكن خفت وتيرة إشعال الإطارات، وأوجد المتظاهرون وسائل بديلة لإيقاف الوجع الممتد بين المناطق. في سنّ الفيل أقفلت الشوارع بالشتول والورد، وفي الزوق وقف الناس مصلين تارةً، ومغنين طوراً، كما وزّعوا الحلويات احتفالاً بشرارة الثورة. في البقاع، أقفلت قرى عدة بحلقات الدبكة والسيارات، وقد ترك الناس انتماءاتهم السياسية والطائفية في بيوتهم، وانحازوا تماماً إلى لقمة عيشهم دون شيء آخر. وفي لندن أيضاً، نزل لبنانيون إلى الشوارع، مطالبين بإسقاط النظام الحاكم برمته.

أمين عام “حزب الله” حسن نصرالله أكّد عدم إمكان إسقاط العهد أو الحكومة، فردّ عليه المتظاهرون بهتافات منددة، وتزايدت أعدادهم في الشوارع. وقالت متظاهرة: “ليه ما بدا تسقط؟ لأن هوي داعما؟ بدا تسقط وبدو يسقط معا”. 

“هذه ثورة الجوع وجوعنا عمره سنوات لا تعدّ”، قال أحد المتظاهرين رافعاً العلم اللبنانيين. وأضافت رفيقته: “مش رح نفل، هني اللي رح يفلوا”.

السلطة السياسية ربما تعوّل الآن على تعب المعتصمين واستسلامهم، وربما تستثمر في ذلك لكسب المزيد من الوقت، بعدما فشلت الدعوات الحزبية في إعادة الناس إلى أدراجهم واصطفافاتهم. لكنّ ما لا تعرفه تلك السلطة أن الناس أيضاً يعوّلون على التعب، لكنه تعبٌ أكبر بكثير مما يسببه الوقوف في الشارع، إنه تعب الجوع والفقر والعجز والأموال المنهوبة والجيوب الفارغة… هذا النوع من التعب قد لا يستسلم صاحبه أبداً…

حائط عار احتجاجات “لبنان ينتفض”: من هم أبطاله؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

دلوفان برواري وفريق “استقصاء الموصل”
“حتى قبل أن يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مراراً: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش… تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل”.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
“راتبي لا يتعدّى الـ800 دولار، فكيف أعيش الآن؟”
زهير جزائري – كاتب عراقي
اللعبة بين بلدين هما أيران والعراق، وبينهما حدود طولها 1400 كيلومتراً. والجيرة لا تحمل علاقات الألفة وحدها, فالحرب وجهٌ من وجوه العلاقة. مراقبة لعبة كرة القدم في ساحة التحرير، تحمل ألفا من المعاني والرموز
ترجمة – New York Times
مئات الوثائق الإيرانية المُسربة تكشف صورة تفصيلية عن كيفية سعي طهران الدؤوب لترسيخ نفسها كأحد الأطراف الفاعلة في الشؤون العراقيّة، وعن الدور الفريد الذي اضطلع به اللواء قاسم سليماني
عبداللطيف حاج محمد – صحافي سوري
“بعدما ضربت ابنتي كان الأمر طبيعاً حيث أكملنا يومنا، وفي اليوم الثاني ذهبت الطفلة إلى المدرسة وأبلغتهم بذلك وما كان من المدرسة إلا أن أبلغت السوسيال، ليتطور الأمر إلى خلاف، ما أدى إلى قرار سريع من السوسيال بسحب الفتاة”
ترجمة – Foreign Policy
يقول الخبراء إن أردوغان نجح في خداع ترامب مرة أخرى فيما يتعلق بقضية منظومة إس-400