لبنان بين زمنين

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
شعرت أن القلب السوري كبر حقاَ بثورة اللبنانيين، التي هي امتداد طبيعي للثورة السورية، ومع ذلك نضع اليد على القلب، ونتمنى ألا يصيبها ما أصاب الثورة السورية اليتيمة من خيبات وانكسارات.

الانتفاضة اللبنانية هزّت كل شيئ وجعلت السوريين يتعرفون على لبنان آخر.. 

هذا النص حكاية عبور ما بين زمنين قبل 17 تشرين الأول وبعده..

زمن الشحن العنصري

زيادة التوتر التي تسبق المرور على شباك مراقبة الجوازات لا يكشفها الميزان، ولكنها تحيل إلى إحساس الثقل الذي كان يصيبك عادة عندما تحط الطائرة في دمشق. أما الأسئلة الأمنية اللاحقة، التي ستحاصرك كسوري قبل السماح لك بملامسة التراب اللبناني، فستعيدك حتماً إلى سيناريوهات الرعب التقليدية في مطار بلادك، التي تستقبلك عادة كمواطن متهم وإن لم تثبت إدانته.

 بضع كلمات تنطقها بلهجتك السورية، حتى تصنف بحسب محاورك في خانة الشقيق أو العدو، فأحياناً تكفي لفظة واحدة للنبش عميقاً في الذاكرة، ويا لها من ذاكرة مثقلة بالجروح تلك التي تضعك في خانة واحدة مع النظام الذي خبرت قمعه واضطهاده كما اللبناني وأكثر.

لهجتك لعنتك هنا، هي التي كانت جواز مرورك إلى القلوب في بلد كالمغرب يرحب فيه بلهجتك بعبارة مثل: “زيونة الهدرة ديالكم”، أو في مصر عندما يحيونك ب “أجدع ناس”.

أما الأسباب الكامنة وراء توتر العلاقة بين البلدين فهي كثيرة، بعضها قديم ويعود إلى زمن الوصاية السورية الأقرب للاحتلال، وبعضها حديث ويعود إلى أعداد اللاجئين السوريين الكبيرة التي دخلت لبنان، هرباً من أتون الحرب السورية.

ورغم الافتقار إلى دراسات دقيقة حول عدد اللاجئين، إلا أن هذا العدد يتزايد أو ينقص، حسب المزاج السياسي العام، وحاجة الطبقة الحاكمة إلى استدرار المساعدات الدولية من الخارج بسبب إفلاسها السياسي والاقتصادي، فتلجأ إلى الاستثمار في خوف اللبناني من مستقبل غامض عبر خلق عدو وهمي يتمثل باللاجئ الخائف بدوره من بطش نظامه وقمعه.

 

وأد الربيع فيما مضى في دمشق، لكنه فصل سنوي، يعاود المجيء مهما تلكأ.

 

السطور اللاحقة هي محاولة لفهم سيكولوجية الخوف هذه، والبحث عن الحقيقة التي تتحايل العنصرية بكل الطرق لإخفائها.

بالعودة إلى الوراء سنجد أن تاريخ العمالة السورية في لبنان قديم، ويرجع إلى سنوات إعادة الإعمار والحاجة إلى يد عاملة رخيصة. حينها لم يخل الأمر أيضاً من حملات تحريض ومحاولات لتطبيع صورة السوري كعامل بناء أو كرجل أمن، للاستثمار عميقاً في خوف اللبناني ممن يأكل لقمته أو يصادر حريته.

 ولا شك أن استخدام الخوف كآلية دفاع وهمية عن ذات متضخمة، فيه إنكار كبير لما يجمع الشعبين من تزاوج ومصاهرة وموروث ثقافي واحد، فما الاختلاف الحقيقي بين البلدين سوى سياسي ومرده إلى تباين نظام الحكم بينهما، ففي حين عرف لبنان هامش حرية مقبول، عاش السوريون في سجن كبير اسمه “سورية الأسد”.

لكن ما يثير القلق في الوقت الحالي هو أننا أصبحنا نعيش في عالم فقد انسانيته، وتسيطر عليه قوى شعبوية متطرفة، تكره الآخر المختلف إثنياً أو دينياً، ولا تتوانى عن بناء جدران فصل عنصري، أو معاقبة قبطانة سفينة لأنها أنقذت روح لاجئة من الغرق.

ومن هنا لم يعد مستهجناً اليوم أن ترفع لافتة لبنانية تحرم التجول على العمال السوريين ليلاً، أو أن ينشر رسم كاريكاتوري عنصري يحيل اكتظاظ المدارس إلى تلامذة غير لبنانين “سوريين، أفغان وزنوج”، نعم هكذا كتبت كلمة زنوج المحرمة ثقافياً وأخلاقياً من دون أي حياء، وفي نفس السياق لطالما ألصقت السمرة بالسوري على سبيل المذمة، حيث مازالت ذائقة لبنانية ترى في البياض معياراً للتحضر، فيما تذكرها السمرة بما تريد إنكاره، أي الانتماء للشرق اللعين.  

غني عن القول إن لون البشرة هنا مجازي، فالسورييون يوصفون عادة بأنهم الأكثر بياضاً بين الشعوب العربية، ولكن العنصرية تحتاج إلى “سود” دائماً تسقط عليهم تنميطها و”تفوقها الجيني”، حتى لو كانوا شديدي البياض. كذلك يحتاج الخطاب العنصري إلى مغالطات وأكاذيب للتحريض ضد الآخر، فأسباب الركود الاقتصادي الحقيقية في لبنان تعود إلى  فساد السلطة وشبكات المحسوبية التابعة لها، بالإضافة إلى أن الأزمة الاقتصادية الحالية هي انعكاس لأزمة مالية دولية يعيشها العالم اليوم، كذلك فأن اللجوء السوري ليس السبب في تراجع السياحة والصادرات في لبنان، بل هي تبعات الحرب في بلد كان بمثابة رئة لبنان البرية، هذا من دون أن يغيب عن الذهن مساهمة طرف لبناني فعال في الحرب السورية، وكل ما ترتب عن هذا  من تهجير للسوريين من مدنهم وقراهم. 

وبما أن العنصرية تعيش على الأكاذيب وتقنّع المشاكل ولا تحلها، يبدأ الحل في فضح الأكاذيب التي تتعلق باللجوء السوري، والكشف عن الحقائق التي تتعلق مثلاً بالأموال السورية المستثمرة في المصارف اللبنانية، وما تدفعه البورجوازية السورية في لبنان من إيجارات وطبابة، وكذلك الكشف عن خسارات الاقتصاد اللبناني بسبب أجواء الكراهية المشحونة، فالمستثمرون السوريون الذين لم يعثروا على البيئة الحاضنة في لبنان، انتقلوا بمشاريعهم إلى الدول المجاورة الأخرى، كذلك حذا حذوهم الكثير من المثقفين الشباب الذين أغنوا يوماً الحياة الثقافية في لبنان، واضطروا فيما بعد مرغمين إلى الهجرة إلى أوروبا، حيث فضاء الحرية والابداع أوسع والمستقبل أكثر أمناً.

كما خسرت المخيمات منذ عام 2014 الكثير من العاملين السوريين في مجال الإغاثة والصحة والتعليم، وذلك بسبب فرض القيود على إقاماتهم وإجازات عملهم، وترك اللاجئون وحدهم في ظل فراغ قانوني ومؤسساتي كامل.

وهكذا انتهى المشهد السوري في لبنان كما تشتهي السردية اللبنانية الرسمية الرافضة للسوريين، حيث لم يبق منهم سوى الأكثر هشاشة وفقراً والأقل تعليماً، والذين يحرم عليهم العمل إلا في نطاق الزراعة والبناء أو الزبالة، كي يتمكنوا في نهاية الشهر من دفع أجرة بؤسهم خيمة لجوء، ويحلمون كما فلسطيني الشتات بالعودة إلى بيوتهم المحتلة.

المضحك المبكي في الحكاية هو عندما يصبح على السوري في لبنان أن يثبت ألا جذور فلسطينية له، حيث تحت ذريعة الخوف من التوطين تمنع القوانين اللبنانية الفلسطينيين من التملك، وهو حق قد يمنح “للسوري الأبيض” صاحب الثروة، بشرط أن ينفي شبهة الدم الفلسطيني.

 وكأن لا مثيل لبؤس السوريين سوى بؤس الفلسطينيين في لبنان، الذين يولدون في مخيمات لا تتسع مساحتها لهم مهما امتد الزمن ومهما توالدت الأجيال، وهكذا يتراكم البؤس فوق البؤس، ولا أمل سوى في الطيران ولو بجناحين مكسورين من قفص “المخيم” إلى قارات بعيدة. فالمفاتيح المورثة لم تعد قادرة على فتح أية أبواب سوى أبواب الذاكرة، ولا حق في العودة لفلسطيني الشتات ولا حتى في تابوت. 

 

 

شعر السوريون منذ اللحظة الأولى بأنهم معنيون بما يحدث في لبنان، لأن حريتهم من حرية لبنان، فصفوا قلوبهم وتماهوا مع المتظاهرين اللبنانيين الذين أسقطوا قناع العنصرية وداسوا عليه بأقدامهم

 

زمن انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر

سأعترف أن النص السابق كتب وكان معداً للنشر قبل تاريخ 17 تشرين الأول/أكتوبر، والغصة والعتب فيه هما على قدر المحبة للبلد الجار، الذي لم تعرف الثورة السورية أصدقاء أوفياء لها كما في لبنان، كما لم تعرف أعداء أكثر شراسة من أعدائها هناك.

أما ما حدث بتاريخ 17 تشرين الأول/أكتوبر، فقد كان أشبه بزلزال هزّ كل شيء بما فيها قناعاتنا الثابتة، وقلب الطاولة على الزعامات السياسية وخطابها الطائفي، الوجه الآخر للخطاب العنصري، ولكنه موجه ضد الآخر في الوطن.

وهكذا بدأ اللبنانيون مع هذه الثورة التحررية بالتعرف على بعضهم بعيداً عن الانتماء الطائفي الضيق، وكأنهم نفضوا قلوبهم عندما انتفضوا واجتمعوا تحت راية وطنية واحدة، مسقطين الزعامات التي استخدمت الطائفية والعنصرية قناعاً لتغطية الفساد والنهب الذي كان ينخر في مؤسسات الدولة اللبنانية.

ومن طرفهم بدأ السوريون أيضاً يتعرفون على لبنان آخر، بعيد عن المنظومة الطائفية التي صنعت الخطاب العنصري وأججته، وجعلت من اللاجئين شماعة تعلق عليها فشلها وسوء إدارتها.

ولهذا شعر السوريون منذ اللحظة الأولى بأنهم معنيون بما يحدث في لبنان، لأن حريتهم من حرية لبنان، فصفوا قلوبهم وتماهوا مع المتظاهرين اللبنانيين الذين أسقطوا قناع العنصرية وداسوا عليه بأقدامهم، موجهين جلّ غضبهم على الطبقة السياسية التي نهبتهم وأفقرتهم، وكان لافتاً أيضاً خلو الاحتجاجات من أية شعارات عنصرية او تحريضية ضد السوريين، بل رفعت لافتات اعتذار وترحيب، وبدا وكأن الثورة السورية التي أفشلها الجميع، لم تكن إلا تمهيداً لثورات كثيرة قادمة.

فها هي أناشيد الثورة السورية يغنيها المتظاهرون في الساحات، وكأن أرواح شهداء ساحة الساعة في حمص، بعثت من جديد في ساحة النور الطرابلسية، وكأن ساحات الأمويين والعباسيين في دمشق، التي منع المتظاهرون من الوصول إليها، انتقلت إلى ساحتي الشهداء ورياض الصلح في بيروت، وورود غياث مطر، الذي قتل تحت التعذيب، عادت لتوزع في بيروت.

وكأن حنجرة القاشوش التي اقتلعت في حماة، استعادت أوتارها مع الهتافات التي بدأت تصدح في بيروت.

“يلا ارحل ميشيل عون”، على مقام “يلا ارحل يا بشار”.

وشجاعة المحامية رزان زيتونة التي اختطفت في دوما، استعادت في عنفوان الصبايا اللبنانيات زخمها.

وكحال السوريين شعر الفلسطينيون في المخيمات اللبنانية بأن انتفاضة الجائعين ومسلوبي الحقوق هي انتفاضتهم، وشعروا بانتمائهم للبنان، ربما لأول مرة، فحلق العلم اللبناني عالياً في المخيم محيياً المحتجين، الذين كانت حناجرهم تصدح حينها بتحية إلى سورية وفلسطين والسودان والجزائر.

وكأن شعارات الوحدة العربية التي سئمنا لغتها الخشبية، تجسدت على أرض الواقع في ثورات عربية تتلاقح وتتوالد ثورة تلو أخرى، معلنة أن الربيع العربي لم يمت ولن يموت.

ولأن لبنان هو خاصرة سورية اليسرى حيث القلب، أختم بعبارة “كبر القلب”، عبارة باللهجة اللبنانية سمعتها أول مرة في الاحتجاجات الأخيرة، وشعرت أن القلب السوري كبر حقاَ بثورة اللبنانيين، التي هي امتداد طبيعي للثورة السورية، ومع ذلك نضع اليد على القلب، ونتمنى ألا يصيبها ما أصاب الثورة السورية اليتيمة من خيبات وانكسارات.

ولكننا نبقى محكومون بالأمل الذي يطل على سورية من نافذة لبنان، وكما كتب سمير قصير سنة 2005 قبيل اغتياله من قبل النظام السوري وحلفائه في لبنان:

“ربيع العرب حين يزهر في بيروت، يعلن أوان الورد في دمشق”.

وهكذا فإن وأد الربيع فيما مضى في دمشق، لكنه فصل سنوي، يعاود المجيء مهما تلكأ.

“نصرالله واحد منهن” 

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

دلوفان برواري وفريق “استقصاء الموصل”
“حتى قبل أن يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مراراً: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش… تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل”.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
“راتبي لا يتعدّى الـ800 دولار، فكيف أعيش الآن؟”
زهير جزائري – كاتب عراقي
اللعبة بين بلدين هما أيران والعراق، وبينهما حدود طولها 1400 كيلومتراً. والجيرة لا تحمل علاقات الألفة وحدها, فالحرب وجهٌ من وجوه العلاقة. مراقبة لعبة كرة القدم في ساحة التحرير، تحمل ألفا من المعاني والرموز
ترجمة – New York Times
مئات الوثائق الإيرانية المُسربة تكشف صورة تفصيلية عن كيفية سعي طهران الدؤوب لترسيخ نفسها كأحد الأطراف الفاعلة في الشؤون العراقيّة، وعن الدور الفريد الذي اضطلع به اللواء قاسم سليماني
عبداللطيف حاج محمد – صحافي سوري
“بعدما ضربت ابنتي كان الأمر طبيعاً حيث أكملنا يومنا، وفي اليوم الثاني ذهبت الطفلة إلى المدرسة وأبلغتهم بذلك وما كان من المدرسة إلا أن أبلغت السوسيال، ليتطور الأمر إلى خلاف، ما أدى إلى قرار سريع من السوسيال بسحب الفتاة”
ترجمة – Foreign Policy
يقول الخبراء إن أردوغان نجح في خداع ترامب مرة أخرى فيما يتعلق بقضية منظومة إس-400