fbpx

هنا القصة الثالثة

سعيد ولفقير - صحافي مغربي 

سعيد ولفقير - صحافي مغربي 

مقالات الكاتب

“لا شأن لكِ بكرة القدم”: المرأة المغربية ضحية التنميط

“سيري طيبي، وبعدي من المنتخب… سيري تفرجي ف شوميشة… بعدي من الكرة وخليها لماليها” (اذهبي إلى مطبخك، وشاهدي برنامج شوميشة للطبخ، لا شأن لك بكرة القدم…)، بهذه العبارات رَدَّ المذيع عادل العماري على رسالة إحدى مُستمعات برنامج “العلما د مارس” المذاع على راديو “مارس” قبل أسابيع قليلة.

يبدو أن المستمعة استفزت المذيع، لأنها عبرت عن رأي مختلف عما هو سائد، إذ تمنت هزيمة المنتخب المغربي في مباراته أمام منتخب بنين، لحساب الدور ثمن النهائي كأس أفريقيا للأمم.

أثار خطاب المذيع نقاشاً متجدداً حول نظرة المغاربة إلى المرأة والصورة “النمطية” التي يرسمها الإعلام المحلي عن نساء البلاد.

لغة المذيع لم تسلم من أصوات منتقدة، إذ اعتبرت كلماته تلك مثقلة بـ”العنصرية” والتمييز، والحط من قَدْرِ المرأة، واختزال أدوارها بالمطبخ والأعمال المنزلية.

بيد أن المذيع غَيَّرَ نبرة خطابه، وقدم اعتذاراً للمستمعة بعد أيام من القصة، معبراً عن اعتزازه بأدوار المرأة في المجتمع، وبرر ما قاله سابقاً بأنه كان يتحدث بشكل عفوي وتلقائي، من دون نية تجريح أو استهداف سلبي للمرأة.

لغة المذيع لم تسلم من أصوات منتقدة، إذ اعتبرت كلماته تلك مثقلة بـ”العنصرية” والتمييز، والحط من قَدْرِ المرأة

ولم تلزم إذاعة “مارس” (المتخصصة في الرياضة) السكوت، بل أوقفت المذيع عن العمل، وقدّمت اعتذاراً عن “ما بدر منه من أقوال”. وأوضحت أن تعليقه جاء “بشكل عفوي وتلقائي” على من يتمنى إقصاء المنتخب من كأس أفريقيا، “لكن هذا الأمر لا يمكن أن نعتبره تبريراً” أضافت الإذاعة. وأكدت إيمانها بـ”مبدأ المناصفة كما جاء في دستور 2011، وهو ما يتضح من عدد العاملات والصحافيات في الإذاعة”.
على رغم هذه الخطوة، فالأصوات الحقوقية النسوية لم يرقها خطاب البرنامج.

خديجة الرياضي، وهي ناشطة حقوقية، تقول لـ”درج”: “مؤسف جداً أن يكون هذا الخطاب في مجال له دور كبير جداً في التأثير في قيم المجتمع والرأي العام. لهذا يشكل خطراً أن يشتغل في الاعلام من لديهم هذه التمثلات الخاطئة حيال المرأة”.

أما “الجمعية الديموقراطية لنساء المغرب“، فرأت ما قاله المذيع “معادياً للنساء” و”يساهم بشكل كبير في الترويج وقبول الصور النمطية والعنف ضد النساء”، وطالبت من الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري “بأن تتخذ التدابير المناسبة لمواجهة مثل هذا النوع من الخطابات التي تمس بكرامة النساء وبمواطنتهن”.

توقيف برنامجين إذاعيين

لم يشفع اعتذار العماري وإذاعة “مارس”، في ثني الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) عن إصدار قرارها القاضي بوقف بث برنامجي “العلما د مارس”، و”قضايا رياضية بعيون الجالية” لمدة 15 يوماً، التابعين للإذاعة ذاتها.

وتتحدث المؤسسة الرقابية (الهاكا) عن وجود “خروقات” ضمن محتوى البرنامجين، وتشمل “عدم احترام الكرامة الإنسانية”، وتكريس “الصور النمطية التي تحط من كرامة المرأة وعدم الحث على العنف أو الكراهية”، ولا يخلو من ممارسات تراها غير مهنية ولا تلتزم أخلاقيات الصحافة والإعلام.

بالنسبة إلى برنامج “العلما د مارس”، فهو “يحث ويحمل، ولو ضمنياً، فئة من الجمهور على التعصب أو العنف أو الكراهية بين المشجعين أثناء التظاهرات الرياضية، لا سيما أنه يفترض أن يمثل منشط البرنامج وضيوفه، بالنظر إلى المسؤولية المجتمعية للصحافيين والوظيفة الأساس لوسائل الإعلام، نموذجاً وقدوة، لشرائح عريضة من الجمهور، بخاصة الناشئين منه” وفق ما أفادت به هيئة “الهاكا” في بيانها.

ويشكل خطاب العماري بحسب “الهاكا”، “مساً بانتماء المُستمعة وحسها الوطني”.

لم يشفع اعتذار العماري وإذاعة “مارس”، في ثني الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) عن إصدار قرارها القاضي بوقف بث برنامجي “العلما د مارس”، و”قضايا رياضية بعيون الجالية” لمدة 15 يوماً

وتضيف “الهاكا” أن ما ذكر في ردود أخرى تجاه المستمعة ذاتها، “يفرض على الجمهور مواقف المذيع حول إبعاد المرأة وعدم أحقية اهتمامها بالشأن الرياضي الوطني من خلال حصر دورها في الطبخ، الشيء الذي يقزم وظيفتها ومساهماتها المجتمعية وينتقص من كفاءاتها وقدراتها. كما يلغي حريتها وحقها في التعبير عن رأيها انطلاقاً من وضعها كفاعل أساسي في المجتمع”.

في المقابل، تظل دواعي إيقاف برنامج “قضايا رياضية بعيون الجالية” في توظيفه “عبارات ذات حمولة قدحية تكرس صورة نمطية مبنية على توصيف يحتقر الأداء الرياضي النسوي والمستوى التنافسي للمرأة في الرياضة”.

المرأة المغربية في الإعلام

أثار محتوى البرنامجين المتوقفين مسألة صورة المرأة في وسائل الاعلام بالمغرب، إذ ما زالت تسقط في شِرَاكِ التنميط في طريقة معالجة أسئلتها وقضاياها الملحة، وتقولبها في أدوار اجتماعية ضيقة، وهو ما ينتج وفق باحثين، انطباعات واستنتاجات تكرس لأحكام جاهزة قد تحمل الكثير من التحامل ضد هذه الفئة.

أوضحت دراسة أنجزتها وزارة الاتصال بالتعاون مع صندوق دعم المساواة بين الجنسين التابع للوكالة الكندية للتنمية الدولية، أن “صورة المرأة المغربية في الإعلام يطغى عليها جانب الإغراء والتحقير ولا تعكس واقع المرأة المغربية”.

صورة المرأة في الإعلام المغربي لا تُصَدَرُ في قالب واحد، بل في وضعيات مختلفة تراها الدراسة “نمطية وتقلل من شأنها”، إذ تصور “كضحية لا تدافع عن نفسها، وقليلة الاحترام ومكتئبة وضعيفة، أو متخلفة أحياناً”.

الدراسة شددت على أن التلفزيون المحلي لا يضطلع بدوره كاملاً كمحفز على التغيرات ولا يواكب، كما يجب التطورات الاجتماعية للمرأة، كما أن “الرسائل النمطية التي تروّج لها تشكك في قدرة النساء على التوفيق بين مختلف المهمات في المجالات المهنية والخاصة، وعلى صعيد التنمية الذاتية، والأداء الجيد لجميع الأدوار التي تقع على عاتقها داخل المجتمع.”

لا يقلل الإعلام المحلي في مقاربته العامة من شأن المرأة في أدوارها الاجتماعية أو ينمطها في قوالب جاهزة فحسب، بل أيضاً يختزلها في برامج مخصصة لها تحديداً، وهو معطى تراه دراسة أعدها أستاذ الاعلام عبد الوهاب الرامي، بالتعاون مع معهد التنوع الاعلامي و”جمعية الانطلاقة النسوية” يكرس لـ”تقلص تناول المرأة في البرامج السياسية العامة التي لا تكون هي نفسها موضوعاً لها”. والشاهد على ذلك تركيز الإعلام على “ربط المرأة أكثر بالزوج والأسرة، عكس ما هو الأمر عليه بالنسبة إلى الرجل”، في حين “لا يقوم الخطاب الإعلامي حول المرأة بتشخيص قضاياها كما يجب، ويغلب عليه الطابع المعياري”.

وسياسياً، ترى الدراسة أن وسائل الإعلام لا تأبه بمعالجة العنف الانتخابي ضد المرأة، “في وقت تم تقديم الرجال كضحايا لهذا العنف أكثر، على رغم أن المنافسة الانتخابية والعنف يشملان الجنسين”. كما أن البرامج السياسية تقدم المرأة “من دون ملامح اجتماعية محددة، وإلى توصيفها من خلال جنسها كامرأة فقط”، وهو أمر يعزز “النظر إليها أساساً كصوت انتخابي”.

“هذا المذيع تكلم بشكل وقح في حق المرأة، لكن مثل هذا الخطاب يمرر بأشكال أخرى في محتوى المسلسلات والنشرات الاخبارية، وما يعرف ببرامج المرأة المتخصصة بالأناقة والجمال. هذه أمور تعمق الأدوار النمطية الجنسانية داخل المجتمع” تقول الرياضي.

تشدد الرياضي على أدوار المرأة القيادية في الكثير من المجالات وهي ساهمت –بحسبها- في تغيير القيم السائدة وتصورات المغاربة عنها، وتضيف لـ”درج”: “نحن لا نريد تلميع صورة المرأة، بل إعطاء صورة حقيقية لها وأدوراها الحقيقية التي تقوم بها داخل المجتمع”.

ماذا عن القوانين؟

في العقدين الأخيرين، تبنى المغرب ترسانة قانونية قيل إنها جاءت لتعزز مكانة المرأة، بيد أنها لم تنل قبولاً مجتمعياً بالشكل الكافي، على اعتبار أن المجتمع المغربي ما زال ينزع نحو القيم المحافظة والذكورية الأبوية (البطريركية).

هذا المذيع تكلم بشكل وقح في حق المرأة، لكن مثل هذا الخطاب يمرر بأشكال أخرى في محتوى المسلسلات والنشرات الاخبارية، وما يعرف ببرامج المرأة المتخصصة بالأناقة والجمال.

مدونة الأسرة، قانون المناصفة، ثم قانون حماية المرأة، كلها قوانين خلقت جدلاً بين المغاربة، لأنها لا تتماشى مع منظومة القيم والأخلاقيات السائدة. المخاوف كانت لدى بعض المنتسبين إلى التيار “المحافظ” في المجتمع، إذ يرون إن هذه التشريعات تهدد بنية الأسرة و”تقلل من أدوار الرجل”.

وعلى رغم أن القوانين نالت ترحيباً لدى توجهات – في جلها- منتسبة لتيار ما يوصف بـ”الحداثيين”، الذين يعتبرون أنها تمنح المرأة وضعاً حقوقياً غير مسبوق، إلا أن بعض الأصوات النسوية والحقوقية ترى أنها لم ترق لمستوى التطلعات المنشودة.

تنضم الرياضي لهذه الأصوات، وتقول: “هي قوانين فارغة، ولم تأتِ بجديد، إذ لا توجد فيها مضامن قادرة على تحسين اوضاع النساء، وقانون حماية المرأة مثلاً لا يسمن ولا يغني من جوع، هو مجرد ذر للعيون في سبيل تصدير صورة للمنظمات غير الحكومية الدولية، على أن المغرب يخطو خطوات تقدمية في مجال الحقوق، وهذا ليس صحيحاً”.

وتوجز الرياضي كلامها: “يجب أن نعرف أن تدهور وضعية النساء من بين أسباب استمرار الفساد ومعدلات الفقر والجهل وتراجع مؤشرات التنمية والعدالة الاجتماعية، لذلك فتمكين أدوار المرأة مسألة ملحة ولا نقاش في ذلك”.

“أُصبتُ في بطنِ أمي”: في المغرب أزواج ينقلون “الإيدز” لنسائهم وأطفالهم

إقرأ أيضاً