كي لا يتحوّل الصحافيّ إلى… رقم!

كل صمت عن قضية ما مجزرة بحق جماعة معينة. فحين يتمّ اعتقال ناشط سياسي، أو كاتب صحافي، تتجه الأنظار إلى كتّاب صحافيين " كبار"، يُنتظر منهم موقف واضح من هذه القضية، لكن الواقع يقول أن بعض هؤلاء الكتّاب "الكبار" لا يملكون سوى رفاهية تأمّل المشهد "من فوق"

منذ ثلاثة أشهر تقريباً، اتّصل بي صديق مصري، كاتب ومترجم من اللغة التركية إلى اللغة العربية، ليخبرني أن الصفحة التي أنشأها على “فيسبوك”، والتي يترجم من خلالها مقالات وأخبار من صحف ومواقع يسارية تركية، معارضة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وسياساته الداخلية، قد أقفلت.

عندما سألته عن السبب، أوضح أنه تعرّض لهجوم شرس من مجموعة شباب مصريين ينتمون للإخوان المسلمين، وصل بهم الأمر بأن هدّدوه بطرده من تركيا، من خلال تقديم “تقرير” ضده للأمن التركي، وعرقلة إقامته في تركيا. يقول لي: «اعمل أيه دلوقتي، وأشتغل أيه، أشتغل مع الأخوان عشان آكل عيش؟ مستحيل، وعشان مستحيل أشتغل معاهم، أهو… قاعد بدون شغل». أقول له؛ إنه حان الوقت لنبتعد من الكلام في السياسة، لأن الوضع لو استمر على هذا النحو، سنجوع، وأقترح عليه أن نتّجه إلى الثقافة، الكتابة في “الثقافة” أسلم؛ ما رأيك يا صديقي أن تكتفي بمشروعك بترجمة أدب تركي إلى العربية؟

لكن إن منعنا أنفسنا من الكتابة في السياسة، هل نستطيع منع أنفسنا من التفكير بها؟ هل يستطيع أي “مواطن” عربي يعيش في سوريا أو مصر أو اليمن أو لبنان، أو أي لاجئ عربي من “الدرجة الثالثة” أن لا يفكر بمصيره انطلاقاً من الأسباب السياسية؟

ما المعنى الذي تحمله كلمة “سياسة” في سياق حديثنا هنا؟ بالطبع لا تحمل الكلمة ذاك المعنى الفلسفي أو “التنظيري العميق”، لأننا اعتدنا في عالمنا العربي أن أي كلام عن أبسط حقوقنا، يصبّ في خانة “كلام في السياسة”. إذاً السياسة في حياتنا عبارة عن نفق طويل، ومظلم، وصعب التنبؤ بنهايته، ولا نهاية للتوقف عن الكلام.

في مهنة الصحافة، وتحديداً الكتابة بالشأن العام، عندما يأتي كاتب ما، ويفكّر بانتقاد سلطة ما، سياسية، ثقافية، اجتماعية، يكون قد حسب حساباته مسبقاً، بأن هذا النقد لن يطاول مصدر رزقه، أي الجريدة أو الموقع الإلكتروني حيث يكتب أو يعمل، فإذا كان الكاتب سورياً ويريد أن ينتقد رأس النظام الحاكم، فعليه أن يكتب في صحيفة لبنانية، أو خليجية مناهضة لنظام بلده، وعليه هو ذاته أن يكون خارج البلد للحفاظ على حياته- بشكل نسبي- وإذا كان مناهض لدولة مثل قطر في هذه الفترة، فما عليه سوى أن يكتب في صحيفة سعودية، وإذا كان ضد السعودية فما عليه سوى أن يكتب في صحيفة قطرية.

المصوّر الصحافي المصري محمود أبو زيد وراء القضبان

بالطبع ليس كل الصحافيين العرب سواسية، فسلطة كاتب شاب عمره بالمهنة 5 سنوات، مختلفة عن سلطة كاتب عمره بالمهنة عشرين عاماً، ولديه علاقات، ورأس مال معنوي يخوّله اتخاذ مواقف سياسية مخالفة لسياسة الجريدة الذي يعمل فيها، لكن بحدود المسموح به – إن وجد- وعندما تتأزم العلاقة بينه وبين الجريدة يمكنه الاستقالة، لأنه على ثقة بأن أبواب جرائد وصحف ستفتح له.

مرّة قال لي صحافي مصري شاب، إن الكتابة بالشأن العام، وتأمّل أزمات البلد من فوق والتنظير لها، يحتاج إلى رفاهية أنا لا أملكها الآن، فأنا حالياً أنتمي إلى الطبقة التي تعيش في القاع، مشغول بأزماتي الشخصية، كالتفكير بأنني سأستطيع دفع إيجار الاستديو الذي أعيش فيه، وتأمين ثمن سجائري، وطعامي ومشربي حتى نهاية الشهر.

ومعنى هذا الكلام أن الصحافي الشاب، غير المعروف، ويكتب بالشأن العام، هو أشبه بمن يقوم بمهمة انتحارية، فعند اعتقال هذا الصحافي، من يضمن له أن لا يتحوّل مجرد رقم؟ ما حجم الضجة الإعلامية التي ستقف خلف اعتقاله؟

في المقابل، يأتي مشهد قتل الكاتب الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وتقطيع جثته بالمنشار، داخل القنصلية السعودية في تركيا، ليضع الصحافة العربية– كالعادة- على المحكّ . قلة من المواقع العربية الإلكترونية المستقلة التي تناولت الحديث والكتابة عن قضية جمال خاشقجي، انطلاقاً من الحس الإنساني، والمسؤولية الأخلاقية، والواجب المهني، هذا عدا خطورة الصمت عن هكذا جريمة. أما بعض الصحف العربية المناهضة للسعودية، فاستغلت مقتل جمال خاشقجي سياسياً، ولكن لا يمكننا اتهام جميع من كتبوا في تلك الصحف عن القضية، بأنهم استغلوا الموقف سياسياً.

“الصحافي الشاب، غير المعروف، ويكتب بالشأن العام، هو أشبه بمن يقوم بمهمة انتحارية، فعند اعتقال هذا الصحافي، من يضمن له أن لا يتحوّل مجرد رقم؟”

كل صمت عن قضية ما مجزرة بحق جماعة معينة. فحين يتمّ اعتقال ناشط سياسي، أو كاتب صحافي، تتجه الأنظار إلى كتّاب صحافيين ” كبار”، يُنتظر منهم موقف واضح من هذه القضية، أو كلمة “حق” بشأنها، لكن الواقع يقول أن بعض هؤلاء الكتّاب “الكبار” لا يملكون سوى رفاهية تأمّل المشهد “من فوق”،  مع حساب الثمن الذي سيدفعونه إن غيّروا زاوية نظرهم للأمور، أي أن يتأمّلوا المشهد كما يعيشه جمهورهم، من الأسفل.

على سبيل المثال، أي كاتب صحافي سعودي اليوم، حتى لو كان معارضاً للنظام الذي يحكم بلده، سيفكر، في حال أعلن تضامنه الكامل لقضية مقتل الصحافي جمال خاشقجي، سيفتح أبواب جهنم على نفسه، في حال لم يُقتل، سيكون على عاتقه أن يكون لديه موقف واضح من كل قضايا القمع في بلد مثل السعودية. هناك قائمة طويلة بأسماء معتقلي الرأي في السعودي، على رأسها الناشط والكاتب رائف البدوي، وليس آخرها جمال خاشقجي.

إقرأ أيضاً:
جمال خاشقجي إذ صفع وجوهنا نحن الصحافيين العرب
وثائق بارادايز : حلفاء الرئيس التركي يستهدفون الصحافة الحرة لكشفهم تهرب ضريبي
الصحافة المصرية في زمن “مكرم” : ممنوع الاقتراب أو التصوير

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email