كيف يُسبغون الشرعيّة على “دولة الخلافة” اللاشرعيّة؟

المفاضلة بين إرهابين: جهادي - سني، من جهة، وشيعي- أسدي، من جهة أخرى، هي التي شوّهت الثورة السورية وحرّفتها عن مسارها وهويتها وأهدافها...

عام 2015 في العاصمة الألمانية برلين، وبعد الانتهاء من عرض مجموعة من الأفلام القصيرة أخرجها سوريون بعد الثورة، دار نقاش بيني وبين المدير الإقليمي لمنظّمة (تزعم أنها تتبنّى الثورة)، عن الوضع الراهن في سوريا، وسيطرة الفصائل المختلفة على المدن السورية. كان المدير مطّلعاً على الوقائع هناك، نظراً إلى طبيعة عمل المنظمة التي  تقوم على دعم مشاريع عديدة من بناء مدارس في الأقبية، بعيداً من الإيديولوجية الدينية في الداخل السوري، إلى المراكز الثقافية. وعلى سبيل الذكر لا الحصر “بيت مانديلا” في مدينة القامشلي، آنذاك.

بدأ النقاش بسؤال طرحه المدير عن الوضع الكردي وطبيعة الأحوال في المدن الكردية تحت سيطرة “حزب الاتحاد الديموقراطي”. لم أدافع عن الحزب المذكور لما اقترفه من جرائم ومجازر بحق أبناء جلدته. وهذا أمرٌ بديهي بالنسبة إلي، إذ كيف يمكنني الدفاع عن مجرم حتى إن كان أخي؟! عندها، بدأ يقارن حزب “الاتحاد الديموقراطي” بالفصائل الإسلامية المتطرفة مثل “جبهة النصرة” و”داعش”…الخ. وخلاصة النقاش كانت المقارنة والمفاضلة بين السيّئ والأسوأ. وأعتقد أن هذه المقارنة ليست سوى قناع نرتديه للهروب من الواقع، أو لنيل امتيازات لدى السلطة الحاكمة، كائناً من تكن السلطة. ذلك أن المجرم يبقى مجرماً سواء أكان قاتلاً لألف شخص أو لشخصٍ واحدٍ.

لا يمكن التغاضي عن جرائم فصيل أو حزب لأنه ينتمي للعرق ذاته، أو المذهب ذاته، أو اللغة أو القومية ذاتهما… التي ينتمي إليها الإنسان الموضوعي غير المؤدلج. كما أنه ليس بالإمكان قبول حكم مجرم ومتطرّف لأنه يقوم بتأمين مستلزمات الحياة اليومية للناس أو جزء من المواطنين. لأن ذلك من أساسيات أعمال وواجبات من نَصَّب نفسه ولياً ومنقذاً أو سلطة على فئة معينة من مكوّنات الشعب السوري.

مناسبة هذا الحديث هي ظهور الصحافي السوري بسام جعارة قبل أيام على شاشة تلفزيون سوريا، ليقول: “لو أن داعش أو جبهة النصرة قامت (بتحرير) السوريين من النظام السوري سوف أصفق لهم”. ذلك أن وضع السوريين بين خيارين مجرمين (النظام – داعش) كل منهما ذاع صيته بجرائمه ومذابحه بحق المدنيين أمر من المحال التفكير به، فما بالكم بالتسويق والترويج له!

لن ينسى أحد أن “داعش” دمّر الآثار السورية، وذبح الآلاف من الشعب السوري بحجج واهية وغير منطقية، إضافة إلى استخدامه المدنيين دروعاً بشرية في الرقة والموصل. ولا يقل ذلك إجراماً ودموية عما اقترفه النظام السوري من مذابح بحق المدن السورية والسوريين، قبل الثورة السورية وبعدها.

“ليس بالإمكان قبول حكم مجرم ومتطرف لأنه يقوم بتأمين مستلزمات الحياة اليومية للناس أو جزء من المواطنين”

فرضية “عدو العدو ليس بصديق” وهي النظرية التي اخترعها بسام جعارة لنفسه والتي يخالفها بوضوح في مجمل حديثه عن “داعش” و”النصرة”؛ نظرية السيد جعارة يجب أن تكون كما تم تداولها وهي “عدو العدو صديق”، هذه الفرضية التي كانت وما زالت وستبقى ساقطة أخلاقيّاً ومبدئيّاً. هذه الفرضية التي يتبناها السيد جعارة، وأمثاله كُثر، هي نفسها الفرضية التي يبرر بها نظام الأسد استخدام الميليشيات الطائفية العراقية – الإيرانية – الافغانية، في جرائمه ووحشيته التي مارسها ويمارسها بحق السوريين بحجة مكافحة الإرهاب السلفي والجهادي. ثم من قال إن تنظيمي “داعش” و”النصرة” هما عدوان للنظام السوري؟! ذهنية كهذه تتناسى أن “داعش” هو من فجّر سجن تدمر الذي كان شاهداً على حقبة طويلة من الاعتقالات التعسفية في ظل حكم الأسد الأب والابن، وتتناسى أن النظام كان الداعم والمموّل الرئيس لهذه الفصائل والحركات المسلحة، تحت شعار “مقاومة” الاحتلال الأميركي للعراق، ثم أن “داعش كان المورد الأول للنفط للنظام السوري ووكيلاً عنه للحفاظ عليه في مناطق دير الزور، قبل أن تستولي عليه قوّات “سوريا الديموقراطية”.

يرفض البعض “الحديث عن أي إرهاب بوجود إرهاب حزب الله وبشار الأسد”، هذا يعني أن أصحاب هذه الذهنية يقبلون باستيلاء “داعش” و”النصرة” على السلطة، وكأنّ الثورة السورية لم تكن من أجل الحرية والكرامة، بل كانت صراعاً سنياً – علوياً على السلطة!؟ ويظهر جلياً أن إرهاب الحركات الجهادية التكفيرية أحبّ إلى قلوب هؤلاء، فقط لأنه صادر من المذهب والطائفة ذاتهما! أعتقد أن هكذا طريقة في التفكير والمفاضلة بين إرهابين: جهادي – سني من جهة، وشيعي- أسدي، من جهة أخرى، هي التي شوّهت الثورة السورية وحرّفتها عن مسارها وهويتها وأهدافها.

كل ما كان يقوله بعض المحسوبين على المعارضة السورية عن الدولة المدنية والديموقراطية ودولة المواطنة، يتضح أنه في جوهره سعي للتغطية أو شرعنة الخروج من حضن دولة الأسد والارتماء في حضن دولة الخلافة، دولة الجولاني والبغدادي والظواهري.

إقرأ أيضاً:
بعد تلقيه سلسلة من الهزائم… تنظيم داعش يحاول العودة
سوريا الجديدة: الوظائف لمن يقاتل مع النظام

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
زينب المشاط – صحافية عراقية
تصريحات زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ودعوته إلى استمرار الاحتجاج السلمي، وموقف أتباعه عبر استخدامهم كدروع بشرية لحماية المتظاهرين السلميين، جعل الصدر وجماعته مستهدفين من الجهات التي تريد إنهاء الاحتجاجات..
زينة علوش – خبيرة في السياسات الرعائية
مما لا شك فيه أن نفوذ المؤسسات الرعائية، بات أكبر من أي سلطة مدنية لأنها تلطت خلف حمايات إلهية، لا تسمح بالمساءلة والمحاسبة. يحصل كل هذا والأطفال المعنفين شواهد على سطوة الطوائف وتسلطها.
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
لم يسبق أن تعاملت الجيوش الإلكترونية والواقعية والشخصيات المحسوبة على “حزب الله” مع خصومها، كما تتعامل مع ديما صادق، في حملة مستمرة لا تتوقف.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email