fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Atlantic

ترجمة - The Atlantic

مقالات الكاتب

كيف نربي أولادنا على مفهوم أوسع للرجولة؟

في السنوات الأخيرة، بدأت بعض الأعراف الجندرية في المجتمع تتمدد وتتفكك وتتراخى، في حين ظلت أعراف أخرى راسخة ومتينة. بالنسبة إلى كثر من الفتية الصغار، إذا أرادوا أن يصبحوا رجالاً بالمفهوم التقليدي للرجولة، عليهم أن يتكيفوا داخل مساحة ضيقة للغاية. وقد تصبح هذه المساحة في بعض الحالات مُقيدة، وتجبر الفتية التخلي على عمّا لا يصلح داخلها.

في كتابه الجديد “كيف تربي ولداً”، يُسمي مايكل رايشرت هذه المساحة “صندوق الرجل”. يعمل رايشرت طبيباً نفسياً متخصصاً في الحالات النفسية لِلفتية والرجال، وهو مؤسس “مركز دراسة حياة الصبيان والبنات” في جامعة بنسلفانيا. كتب كتابه هذا ليكون دليلاً للآباء الذي يريدون خلق مساحة أكبر لأولادهم للتعبير عن أنفسهم. مناط الأمر على حد قوله في، “العلاقة التي يحس الفتى بأن له أهمية فيها. فثقة الفتى اليافع في نفسه، ليست وليدة المصادفة، بل تتولد من التجارب التي يُفهم فيها جيداً، وينال فيها الحب والدعم”.

تحدثت مع رايشرت حول الكيفية التي تمكن الآباء والمعلمين والبالغين الآخرين من تقوية علاقاتهم مع الصبية، حتى حين يثورون، وبالتالي مساعدتهم على التعبير عن رجولتهم بشكل أوسع. إليكم نسخة محررة وموجزة من حواري معه.

جولي بيك: كتبت قائلاً إن “أول انفصال يشعر به الصبية هو من داخل أنفسهم” ما الذي تعنيه بذلك؟

مايكل رايشرت: أوردت في كتابي اقتباساً من قصة لجورج أورويل “قتل الفيل”. تحكي القصة عن شرطي كولونيالي في بورما طُلب منه قتل فيل شارد يبعث الخراب في القرية، ويتوقعون منه تنفيذ المهمة من دون تردد أو ندم. الجملة التي استخدمها أورويل لوصف التجربة التي مر بها الشرطي كانت، “يرتدي قناعاً، وينمو وجهه ليناسب هذا القناع”.

يطالب الأولاد بالتفريق بين ما يظهرونه للعالم وما يشعرون به داخلهم مبكراً جداً. لدي حفيد يبلغ عامين ونصف العام، وقد بدأ يتعلم بالفعل التفريق بين ما هو مقبول إظهاره، وما يجب عليه الاحتفاظ به لنفسه. ينمو الولد داخل قناع حتى يصبح القناع في مرحلة ما، هو الطريقة التي يفكر بها في نفسه.

أول مركبات الذكاء العاطفي هو الإدراك العاطفي. لكن الأعراف الاجتماعية تفرض على الصبية التحكم في ما يعربون عنه من عواطف، وأحياناً تكون الطريقة الوحيدة لفعل ذلك هي عبر إقناع نفسك بأنك لا تشعر بما تشعر به. بأن تصبح خدراً فاقداً للإحساس ومنفصلاً عن ذاتك. وإذا فصلت نفسي عن مشاعري، سأصبح أقل مراعاة لما تشعر به أنت، ما يعني أنني سأكون أقل مرونة ومهارة داخل علاقة ما.

بيك: تجذرت هذه الأعراف الاجتماعية عن الرجولة في الثقافة لمدة طويلة إلى درجة لا يبدو معها أن الحال ستتغير في غضون جيل واحد فقط. لكن في الكتاب، تقول إن العلاقات الإيجابية مع الوالدين أو المشرفين الآخرين بإمكانها أن تكون ملاذاً آمناً للصبية يحتمون به من كل الجنون الموجود في العالم، حتى لو لم نستطع التخلص من هذا الجنون بالكامل. كيف يتم هذا عملياً؟

رايشرت: أعتقد أنكم تدركون ذلك. سأقولها بطريقة مختلفة قليلاً: هناك الكثير من الإشارات على أن هذه الأعراف الثقافية تتغير. أعتقد أن هذا الجيل من الصبية يمر بتجربة مختلفة ويتعامل مع مجموعة فرص مختلفة عن أي جيل سبقه. أدرس مساقاً عن الوعي العاطفي في مدرسة عليا للصبية، وأنا أفعل ذلك منذ 25 عاماً. يختلف الأمر حين بدأنا، عمّا وصلنا إليه الآن اختلافاً هائلاً. اعتدنا أن نشهد الكثير من المقاومة، خصوصاً من قبل الفتية الذين يلتزمون أكثر بالأعراف الرجولية مثل الرياضيين والقادة. والآن لدينا لاعبو كرة قدم وممثلون وقادة طلابيون يأتون طوعاً خلال استراحة الغداء ليحضروا الفصل. يدرك الجيل الحالي من الصبية حاجتهم إلى إتقان قيادة حياتهم العاطفية.

تكمن قوة العلاقة المتينة مع حليف مثل الأب أو الأم أو المعلم في أنها تقوي إحساس الصبي المركزي بهويته الذاتية وتمكنه من مقاومة الضغوط الثقافية، التي تحاول حشره في صندوق ضيق. يلتقط الصبية هذه الرسائل، وأحياناً ينجذبون إلى اتجاه غير صحي، ولكي يتمكن الصبي من مقاومة قوة الجذب الثقافية لأقرانه التي تحاول على سبيل المثال إقناعه بتَشييء الفتيات والنساء جنسياً، من المفيد أن تكون لديه علاقة تعمل بمثابة مرساة. وبمثابة إشعار بأن شخصاً ما يقف بجانبه حقاً ويعرف حقيقته ويحبه.

بيك: لديك ولدان ـــ ما الذي كنت تفكر فيه حين ولدا وما الذي كنت تتطلع إليه لِتربيتهما؟ هل كانت لديك هذه المخاوف حول نشأة الصبية في ذلك الوقت؟

رايشرت: كانت لدي مخاوف بالفعل. حينها في ثمانينات القرن الماضي وتسعيناته، كنت بدأت التفاعل مع حركة الرجال في البلد. كنت مدركاً، أن أيّاً كان الذي يحدث أثناء نشأة الذكور فهو لم يكن صالحاً. والتزمت التزاماً جذرياً مع ابني الأول في جعل الأولوية للأبوة اللصيقة. كان من المهم بالنسبة إلي وإلى زوجتي أن يحظى بأقوى علاقة ممكنة مع أبيه وأمه، على قدر استطاعتنا. أمضينا الكثير من الوقت المميز معه، وفعلنا الكثير لتقوية صوته العاطفي، وحرصنا على أن يعبر عما احتاج إلى التعبير عنه. أردناه صبياً له فكره الخاص، صبياً يدرك أنه مهما كانت هويته الذاتية فهي مهمة بالنسبة إلينا، وأننا نرغب في التعرف إليه هو بدلاً من مطالبته بمجاراة ما نتوقع أن يكون عليه الصبي عادة.

بيك: وكيف كانت نتائج هذا النهج من وجهة نظرك؟ ولداك بالغان الآن، أليس كذلك؟

رايشرت: أظن أن ولديّ استفادا من هذا النهج التربوي. ما زالا يحظيان بعلاقة قوية جداً مع كلينا. وهما يُظهران مقدرة كبيرة على حب الأشخاص الآخرين وإقامة علاقات حميمة. ابني أب لصبي يبلغ عامين ونص العام، وهو أب رائع. عندما يقول حفيدي “أبي”، الطريقة التي يقول بها الكلمة تنبع من قلبه مباشرة. تخرج الكلمة من فمه ببهجة كبيرة وعلاقة حقيقية مع والده.

بيك: هل كانت هناك لحظة أثناء نشأة ولديك أحسست فيها بأنك تسقط في فخ ما تود تجنبه؟ وكيف تخطيت الأمر؟

رايشرت: أجل، طوال الوقت. كانت الأفكار التي لم أكن واعياً لها، قابعة في خلفية ذهني، ثم تظهر في تلك اللحظات الغربية. إحدى القصص بهذا الشأن هي عندما عانى ابني من تجربة مبكرة مع التنمر وطرد من الملعب. حاولت بداية بناء ثقته في نفسه، وأرسلته مجدداً إلى الملعب، لكي يدافع عن نفسه، وألا يقبل بإبعاده من شيء يحب فعله. وفي يوم من الأيام، حين عاد من الملعب مهزوماً مرة أخرى، أخبرته، “ليس مسموحاً لك بالدخول، عليك العودة وحل الأمر”. وعانى من رد فعل عاطفي كبير. لم أسمح له بالانسحاب، ولم أمنحه ملاذاً آمناً، كنت أجبره على العودة ومقارعة أولئك الصبية الأشرار.

على مستوى الوعي، كنت أفكر مع نفسي قائلاً، أنت تفعل الشيء الصحيح، أنت تعلمه أن يدافع عن نفسه، أنت تخبره بألا يدع الهزيمة تحدد إمكاناته. لكنني أدركت، حين فكرت في الأمر، أنني في الواقع كنت أخشى عليه. كانت لدي تلك الصور الخيالية عن فتى شاب لا يستطيع الدفاع عن نفسه في عالم ثقافة الفتيان الأقران، الذي يأكل القوي فيه الضعيف. كنت في الواقع أحاول تقوية ابني عبر تمرير درس تعلمته وتعلمه والدي ووالده من قبله. غير مدرك لذلك، كنت أحاول أن أزرع فيه رؤية محدودة عن التأقلم في ثقافة الأقران، بدلاً من التعالي فوقها وتجاوزها.

بيك: ما إن يصل الأولاد إلى المدرسة، تخرج الكثير من جوانب حياتهم عن سيطرة الأبوين، والأصدقاء أحد هذه الجوانب. بالتأكيد قد يكون الأصدقاء ذوي تأثير إيجابي أو سلبي في الأطفال، بغض النظر عن جنسهم، لكن هل تعتقد أن الأمر يختلف بين الصبية والفتيات؟

رايشرت: للصداقة تأثير حاسم فيما يتعلمه الصبية عن الأعراف الاجتماعية وقدرتك على أن تكون نفسك. وبسبب الطريقة التي يفصل بها الأطفال بحسب النوع في بداية المدرسة الابتدائية، عادة ما تكون أول صداقات الصبية مع صبية آخرين. يتعلمون ممارسة مهارات المشاركة والحميمية والارتباط بالصبية الآخرين قبل أن يفعلوا ذلك مع الفتيات. ونعلم من الأبحاث أن صداقات الأولاد قد تكون غنية وعميقة وتبقى مدى الحياة. يقول الأولاد، “من دون أصدقائي أظن أنني سأموت”.

لذا لدينا هذا الجانب الإيجابي للغاية من صداقة الذكور، والتي للأسف يصعب الحفاظ عليها حين يكبر الصبية في السن، ويبدأون اتباع الرسائل الثقافية التي تخبرهم بأنهم لا يستطيعون أن يكونوا مقربين من صبي آخر بسبب الخوف من المثلية الجنسية. يفقد كثر من الصبية أصدقاءهم في وقت متأخر من سن المراهقة. أعرف رجالاً بالغين ليس لديهم أصدقاء على الإطلاق.

يأتيني الكثير من الآباء الذين ينسحبون ويستسلمون. قدمت إليّ أمٌ تخبرني أن ابنها يقول لها، “أنت مزعجة جداً يا أمي” وهو لم يتجاوز الـ12. تبدأ الأم بسؤال نفسها: هل أنا مزعجة؟

لكن من المهم أيضاً فهم الجانب السلبي لصداقات الذكور. الأعراف التي يلتقطها الصبية في مجموعة الأقران تصبح معتادة بالنسبة إليهم. سواء كانت تعاطي المخدرات أو كراهية النساء أو المخاطرة، أظن أن الأعراف الرجولية الزائدة في مجموعة الأقران تصبح خطيرة، خصوصاً إذا لم يكن لدى الفتى الشاب مشرف أو شخص يؤدي دور الأب، ويكون بمثابة بوصلة أخلاقية.

بيك: في الكتاب، تتحدث عن الكيفية التي تجعل بها الاستجابة السيئة من قبل الوالدين على سلوك الصبية المتمرد واختبارهم السلطة، الصبية أكثر انفصالاً. ما هو رد الفعل السيئ، وما هي الاستجابة الجيدة في هذه الحالات؟

رايشرت: سأتحدث أولاً عن المدارس. الصبية في الفصول الدراسية أكثر ميلاً إلى السلوك السيئ، وأكثر ميلاً ليكونوا متمردين ومزعجين، إذا لم يعجبهم الدرس، وتميل الفتيات في تلك الفصول الدراسية إلى الهدوء والاستجابة. ومعظم الأساليب العقابية من حجز وفصل وطرد موجهة للفتيان. عندما يرفض الصبي معلماً أو يتحدى سلطته، ما يشعر به المعلم يكون سلبياً للغاية. وبدلاً من أن يتذكر أن الصبي طفل في النهاية، وأنه من واجب الشخص الراشد أن يمد أواصر العلاقة مع الصغير، يميل المدرسون عادة إلى قمع الفتى وممارسة سلطتهم في معاقبته.

يصح هذا الأمر على الوالدين أيضاً. يأتيني الكثير من الآباء الذين ينسحبون ويستسلمون. قدمت إليّ أمٌ تخبرني أن ابنها يقول لها، “أنت مزعجة جداً يا أمي” وهو لم يتجاوز الـ12. تبدأ الأم بسؤال نفسها: هل أنا مزعجة؟ ما الخطأ في الطريقة التي أعامل بها ابني؟ ربما كل ما هنالك هو أنني لا أفهم الفتيان. هذا النوع من التشكيك في الذات يدفع الوالدان إلى الانسحاب أو حتى الاستسلام، يبدأون بالاعتقاد أنه ربما ما يحتاجه الفتى ليس التواصل، على الأقل ليس التواصل معي، ربما يحتاج إلى أصدقائه أو مدربه. وينتهي الأمر بالصبي وحيداً بعد ذلك.

إقرأ أيضاً: لماذا نحتاج لحضور الأب في حياة أطفاله؟

ما كنت أدرب المعلمين على فهمه هو أنه في غياب العلاقة التواصلية، سيفقد الصبي اهتمامه بالتعلم. إذا لاحظت أن العلاقة ضعفت أو انقطعت بينك وبين طالب ما، من واجبك كمدير للعلاقة أن تصلح الخلل. تقع هذه المهمة على عاتق الشخص البالغ وليس الطفل.

لذا حين يتعلق الأمر بالوالدين، أعيد تكرار القول ذاته. أنتم لديكم كل ما يحتاجه الصبي. إذا بدا وكأنه يبعدكم منه في كل لحظة، أو ينتقد أسلوبكم في التربية، يقضي عملكم بألا تصدقوه. ليس مطلوباً منكم أن تكونوا مثاليين، بل تقضي وظيفتكم بأن تستمروا في التواصل مع ابنكم حتى حين لا يظهر لكم أي إشارة، إلى أنكم على المسار الصحيح. حين يسيء الصبي التصرف بطريقة ما، عليكم التدخل ليس بدافع قمع سلوكه السيئ أو معاقبته، بل بمطالبته بمواجهة الطاقة العاطفية التي تبعده من الصواب، أياً كانت.

أعرف صبية كثيرين يقاومون والديهم لأنهم يعرفون أن حب والديهم غير المشروط، يعني أن بإمكانهم إظهار مدى الغضب أو الخوف الذي يشعرون به تجاه شيء آخر في حياتهم. لا يمكنهم إظهاره لمعلميهم أو أقرانهم، لكن بإمكانهم إظهاره لوالديهم.

هذا المقال مترجم عن theatlantic.com ولقراءة الموضوع الاصلي زوروا الرابط التالي

خمس طرائق لدعم الآباء في تربية المراهقين

إقرأ أيضاً