fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Guardian

ترجمة - The Guardian

مقالات الكاتب

كيف كشف حراك #MeToo عن الانقسام الرئيسيّ في النسويّة اليوم؟

عندما بدأ حراك “أنا أيضاً #MeToo” بجديّة في أكتوبر/ تشرين الأوّل الماضي، تفاءلت كثيرات من النساء وتحرّكت مشاعرهنّ، في حين تضايقت أخريات. وحالما بدأت قصص التحرّش والإساءة تتزايد في وسائل الإعلام، بدأ الرجال مواجهة عواقب معاملتهم للنساء. فقد بعضهم وظيفته، وحُطّت من مرتبة آخرين، وتعرّض كثيرون للإحراج أمام الناس. أُعلن عن انتهاء الحياة المهنيّة لرجال مثل المنتج الهوليووديّ المتّهم بالاغتصاب هارفي واينشتاين، والكوميديّ لويس سي كي المتّهم بالاستمناء أمام النساء، والممثّل المفترس كيفين سبيسي. وانسحب آخرون مثل الطاهي ماريو باتالي المتّهم بالتحرش باللّمس من حياتهم العامّة موقّتاً. بدا كما لو أنَّ المحاسبة يتم تنفيذها، وشعرت نساء كثيرات بأنَّ هذه المحاسبة كانت قد تأخّرت كثيراً.

بدأت في الإعلام والحياة الخاصّة محادثات حول السكوت والبيئات العدائية والسلطة، وكان هناك اعتراف متزايد بأنَّ مبادرات الرجل الجنسيّة غير المرغوب فيها نشأت على قوى اجتماعيّة وسياسيّة دلّت عليها. وسرعان ما قوطعت هذه المناقشات بواسطة معلّقين ذكور قلقين جزعين وغاضبين-الجميع بدءاً من كاتب العمود المحافظ أندرو سوليفان حتى دونالد ترامب- الذين زعموا أنَّ الحراك صار متطرّفاً وغير مقبول حتى قبل أن يبدأ حقّاً. لكنّ انقسامات غير متوقّعة ظهرت بين النسويّات كذلك.

دعت بعض النسويّات إلى مزيد من الحذر، في حين أرادت أخريات أن تستمرّ المحاسبة إلى أبعد من ذلك. لكنّ الشكوى الأكثر شيوعاً حول #MeToo جاءت من أولئك الذين شعروا أنَّ الحراك بأكمله سرعان ما صار سخيفاً. احتجّت نساء من اللواتي يصفن أنفسهنّ بالنسويّات من أمثال دافني مركين وباري ويس اللتين تعملان في صحيفة “نيويورك تايمز الأميركيّة”، وكاتي رويف من مجلة “هاربر” Harper، وجيرمن غرير في صحيفة “سيدني مورنينغ هيرالد” Sydney Morning Herald، ومئة امرأة فرنسيّة أخرى عاملة في صحيفة “لو موند” Le Monde الفرنسيّة، على أنَّ حوادث تحرّش كثيرة كانت أبسط من أن تثبت السلوك المسيء.

وقد زعمن أنَّ الحراك قد فقد دقّته بسبب تجميعه هذا الطيف الواسع من الممارسات الجنسيّة غير اللائقة. ودَعين النساء إلى أن يصرن أقوى، وقلن إنَّ كلّ الرفض الذي حدث لا معنى له. كتبت ركين تقول إنَّ هؤلاء اللواتي يشتكين من التحرّش والإساءة “يشعرن بأنّهن ضعيفات مثل ربّات المنزل في العصر الفيكتوريّ”. وبهذا المنطق، باستطاعة النساء أن يجدن حلّاً لمشكلة التحرّش والإساءة الجنسيّة عبر دعابة جيّدة وصبر وتسامح كبير مع الألم.

وسرعان ما وُصف هذا الخلاف في الإعلام بأنَّه خلاف بين الأجيال. وقيل لنا، نحن النسويات الأكبر سنّاً- لنقل، اللواتي تخطّين الأربعين- أنّنا متواطئات بشكل شرير، وعفا علينا الزمن بطريقة مضحكة، أو أنَّنا خائفات كثيراً من تخطّي الحدود. أما النساء الشابّات- طبقاً لمن سألتهم- كنّ عاطفيات بطريقة مستقيمة وأخلاقيّة، أو مثاليات بشكل ساذج، أو غاضبات جداً.

جاءت نظرية الخلاف بين الأجيال جزئياً من قبل النسويّات المعارضات والمؤيّدات حراك #MeToo أنفسهنّ. فقد سخرت رويف في مجلة “هاربر” من الحراك واصفة إياه بـ “نسويّة تويتر”، ما أعطى انطباعاً بأنَّ النساء النرجسيّات المهووسات بوسائل التواصل الاجتماعيّ من جيل الألفيّة هنّ وحدهنّ من يُردن المحاسبة على الإساءة الجنسيّة. وفي مقالها الذي انتقدت فيه الاتجاه الذي اتّخذه حراك #MeToo، شدّدت باري ويس على صغر السنّ والسذاجة التي تتّصف بهما امرأة مجهولة وجّهت اتهامات للممثّل الكوميديّ عزيز أنصاري. وفي الوقت نفسه، نشر موقع نسويّ يُدعى “إيزابيل Jazebel” الذي يُعدّ قرّاؤه وكتّابه من فئة الشباب، مقالاً بعنوان “ردّ الفعل على حراك #MeToo هو الموجة الثانية من النسويّة”، يشير بشكل غامض إلى مجموعة مضلّلة من المفكّرات النسويّات الأكبر سناً، من دون أن يذكر إنجازات هؤلاء المفكّرات وإخفاقاتهن الحقيقيّة.

واستخدم كلّ طرف الأفكار النمطيّة عن الطرف الآخر، وبدرجات متفاوتة من السخرية- فالنساء الكبيرات وُصفن بأنّهن ذوات نزوات غريبة أو متخلّفات عن المجتمع، أما الشابّات فوُصفن بأنّهن أنانيات أو طفلات مدللات. ولم يبدُ أيّ من هذه الانتقادات مهتماً بحقيقة أنَّ النساء اللواتي يروين قصص الإساءة الجنسيّة هنّ من الشابات والكبيرات في السنّ أيضاً. إضافة إلى انتماء منتقدات الحراك النسويّ #MeToo إلى أجيال مختلفة كذلك. ويس التي تبلغ من العمر 32 عاماً شابّة ويُمكن أن تكون في عمر ابنة ميركن، أو حفيدة غرير.

جعل الحراك وردّ الفعل الذي تبعه، وجود انقسامٍ حقيقيٍّ بين النسويّات أمراً واضحاً. لكنّ تحليل هذا الانقسام يجعله مجرّد شجار بين الفتيات، أو مباراة زعيق بين الأمّهات المنهكات وبناتهنّ المراهقات. أو ما معناه أنَّ الجدال النسويّ الذي ظهر للعيان على خلفية #MeToo هو نوع من الدراما الداخليّة المعتادة، شيء شهدناه سابقاً.

إنّها غلطة. فنظرة قريبة إلى الخلاف بين هذين المعسكرين يكشف عن انشقاق فكريّ أعمق وأخطر. ما نراه حقّاً هو أنَّ النسوية صارت تحتوي فهمين متمايزين للجنسانيّة (التمييز على أساس الذكورة والأنوثة)، وفكرتين شديدتي الاختلاف ومتنافرتين في الغالب حول كيفيّة حلّ المشكلة. أحد النهجين هو الفردانيّة، نهج واقعي مرتكز على المثل العليا للفلسفة البراغماتيّة والمذهب الواقعيّ والاكتفاء الذاتيّ. أما النهج الآخر فهو اتّساعيّ جماعيّ ومثاليّ مرتكز على المثل العليا للمصلحة المتبادلة والتضامن. وقد كشف #MeToo عن التعارض بين هذين النوعين من النسويّة بشكل صارخ، لكنّ الأزمة هي نتيجة للتحوّلات في الفكر النسويّ خلال عقود.

يرتكز ادعاء المناهضات النسويّات للحراك الرئيسي على أنَّ الحراك لا يعامل المرأة على انفراد كأنَّها شخص أخلاقي يمتلك القدرة على قول لا، وعلى الاستمتاع والبحث عن الجنس، وعلى ارتكاب الأخطاء. من هذا المنظور، يجب أن تتحمل النساء اللواتي يروين تجاربهنّ مع التحرّش والإساءة، مسؤولية هذه التجربة أكثر مما يحمّله لهنّ خطاب #MeToo.

هذا الفِكر يشترك في تقليد أخلاقي طويل- متوافق بشدّة مع الرأسمالية- فقيم مثل المسؤوليّة الشخصيّة والاستقلاليّة والاستعداد لمواجهة الصعاب تحظى باحترام باعتبارها فضائل قيِّمة. إنَّها أخلاقيات تدعو إلى حكّ جلدك بظفرك- والانتقال من الفقر إلى الثراء، أو كما ينصّ منطق النسويات المعارضات للحراك، من الضحية “المؤنّثة” إلى القوّة “المذكّرة”. هنّ يعتقدن أنَّ انتشار التحرّش الجنسيّ يوحي بأنَّه أمر حتميّ، وأنَّ الردّ الأفضل ليس الغضب، بل إيجاد حلّ. هذه نسويّة تفترض أنَّ المرأة الواحدة تمتلك صلاحية الاختيار لتقليل الأثر السلبيّ للجنسانيّة، ولتحمّل أي مضايقات جنسية لا يمكن تجنّبها- فقط إذا كانت لديهنّ القوّة للتعامل معها.

وعلى الطرف المقابل، نجد حراك #MeToo. قد يبدو من الغريب الجزم بأنَّه يُمكن الحديث عن #MeToo باعتباره أيديولوجية، فهذه اللحظة الحضاريّة التي كشفت عن مجموعة واسعة من السلوك المسيء في العديد من الصناعات والتخصّصات، لا يُمكن أبداً أن تكون متماسكة إلى حدّ أن يصير لها أجندة خاصّة بها. لكنّ #MeToo باعتباره حراكاً اجتماعياً وبادرة شخصيّة، يقوم ببعض الافتراضات التي لا تتوافق مع العادات الفكريّة للتيّارات النسويّة السائدة التي سبقته.

عبر قول “وأنا أيضاً MeToo” تجعل المرأة الواحدة نفسها جزءاً من مجموعة أوسع، وتختار أن تقف في صفّ الأخريات اللواتي تعرّضن للتحرّش أو الإساءة أو الاغتصاب. إنَّ هذا التضامن جبّار. لا يزال من النادر رؤية مجموعة كبيرة من النساء تعرّف معاناتها على أنَّها معاناة النساء، وتقول أنَّهن جميعاً تعرّضن للأذى بواسطة القوّى الجنسانيّة نفسها، وتطالبن معاً بدحر تلك القوى.

وفي ضوء ذلك، يُعدّ تنوّع الحراك واتّساعه نقطة قوّة لا ضعف. فعندما تواجه نساء يعشن حيوات شديدة التنوّع والاختلاف، السلوك الجنسيّ نفسه من قبل الرجال، يُصبح من الضروري التصديق على أنَّ المشكلة تتجاوز الأفراد وترتبط بدلاً من ذلك بقوى ثقافية أكبر وأكثر سهولة. إنَّ انتشار التحرّش الجنسيّ في كلّ مكان يعني أنَّ الأفراد من النساء لا يستطعن ببساطة تجنّبه من طريق اتخاذ الخيارات الصحيحة، أو عبر جعل أنفسهنّ ذوات عزيمة قويّة، فالمطالبة بأن تفعل المرأة هذه الأمور بدأ يبدو عبثياً.

لنسمّه إذاً نزاعاً بين النسوية “الفردانية” و”الاجتماعية”. يكمن الانشقاق جزئياً بين الرؤيتين لكيفية تنفيذ المشروع النسويّ، وأي تكتيكات أفضل: هل هو التمكين الفرداني، أم التحرّر الجماعي؟ لكنَّ هناك انقساماً أكبر بين هذين التفكيرين، لأنَّ كلّاً من مؤيّدات الحراك ومنتقداته يختلفن على من تقع مسؤوليّة الإساءة الجنسيّة: هل المرأة مسؤولة عن التنقّل والصمود والتغلّب على “معاداة المرأة” التي تواجهها، أم هي مسؤوليتنا جميعاً، القضاء على الجنسانيّة، حتى لا تواجهها امرأة أبداً في المقام الأول؟

أزعج هذا التوتّر الحاصل بين النسويّة الفردانيّة والاجتماعيّة الحراك النسويّ منذ نهضته في منتصف العشرينات. ووفقاً للنموذج الفرداني للنسويّة، تقدّم المسؤولية الشخصية والحريّة الفرديّة والتوافقات النفسيّة طرقاً ذات معنى للخروج عن المعاناة المفروضة بواسطة النظام الأبوي، وللمساواة مع الرجل. عملت كثيرات من أشهر النسويّات الغربيّات ضمن هذا النمط. على سبيل المثال، زعمت بيتي فريدان مؤلّفة الكتاب النسويّ واسع التأثير في الستينات المسمّى “اللغز الأنثوي” The Feminine Mystique، أنَّ القوانين الثقافيّة النسويّة تمنع النساء من تحقيق السعادة الشخصيّة.

ركّزت فريدان وهي نفسانيّة بالتدريب على الحياة غير الظاهرة للنساء الأميركيّات ذوات البشرة البيضاء اللواتي ينتمين إلى الطبقة الوسطى في منتصف القرن الماضي. وقد وجدت النسويّة الفردانيّة في الآونة الأخيرة مناصرة رفيعة المستوى عندما نشرت شيرل ساندبيرغ، مديرة العمليات في موقع “فيسبوك”، مذكراتها التي أصبحت في الوقت نفسه بمثابة “مانيفستو”: كتاب “تقدّمي إلى الأمام” في 2013. ترثي ساندبيرغ قلة أعداد النساء اللواتي يشغلن أدواراً قياديّة، وكتابها هو عبارة عن كتيب إرشادات موجّه إلى النساء ذوات الطموحات الشامخة المتعلّقة بالشركات.

تمتلك النسويّة الاجتماعيّة تاريخاً طويلاً مشابهاً وإن كان أقلّ شهرة. فبعد أن صار كتاب فريدان الكتاب الأكثر مبيعاً في فترة قصيرة، بدأت نسويّات إيطاليّات مثل ليوبولدينا فورتوناتي وسيلفيا فيدريتشي صياغة أسلوب مختلف في النظر إلى المشكلات التي تواجه المرأة. وانطلاقاً من قناعتهنّ الماركسية، سعت المرأتان إلى تحليل كيفية ارتباط الرجال باعتبارهم طبقة بالنساء باعتباهنّ طبقة أخرى. وكان اهتمامهنّ بأفكار التمكين وتحقيق الذات أقلّ من اهتمامهنّ بتقسيمات العمل، وظروف المعيشة، والنقود الفعليّة.

لقد زعمن أنَّ ما يسمّى “عمل النساء”– الذي يشمل كلّ شيءٍ من مسح الأرضيّات وتضميد الجروح إلى الرضاعة الطبيعيّة والطبخ والدعارة والغسيل والعناية بالمسنّين- لا يجب أن يُنظر إليه باعتباره عملاً فقط، بل باعتباره أساس نظام الأجور الرأسماليّ. إذا لم تؤدِّ النساء هذه الوظائف في المنزل لأجل الرجل، فلن يكون بمقدورهم العودة إلى العمل والإنتاج بكفاءة. أي أنَّ عمل الرجال في المصنع يعتمد على عمل النساء في المنزل.

جذبت حملة فيدريتشي لفرض أجور مقابل الأعمال المنزلية التي أطلقت عام 1972، جدالات عامة، شعبية شعواء، بدأت في إيطاليا، ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة بعد أن انتقلت فيدريتشي إلى نيويورك، وفتحت مكتباً للحملة في بروكلين. رأى التيار السياسي السائد أن فكرة فيدريتشي سخيفة. هل تعتقد حقاً أنه يجب أن يُدفع للمرأة لكي تمسح الأرضية في بيت زوجها؟ ولكن اعتمد الحراك على مفهوم وجوب أن يكون هناك راتب لينظر إلى العمل على أنه عمل. كما أنه واجب كذلك للبشر الذين يعملون ليُنظر إليهم على أنهم يستحقون الكرامة والحماية. وكأداة بلاغية أكثر من كونها وصفة سياسية فورية، يعتمد مطلب (الأجور على الأعمال المنزلية) على تصور المرأة كطبقة، تماماً كطبقة العمال- مجموعة من الناس يجمعهم شيء ما ويستطيعون تنظيم أنفسهم لأجل مصلحة اهتماماتهم المشتركة.

تلاشى حراك الأجور لأعمال المنزل، ولكن عاش تأثيره في حملات مثل العدالة العرقية وحقوق المثليين والسكن وعمال الجنس. ترقد وراء الأجور لأعمال المنزل فكرة أن ظلم المرأة قد اتسعت رقعته، وأن له سمات مشتركة حتى لنساء عاشوا حيوات مختلفة، وأنه كان أكثر من مجرد تجربة شخصية، لقد كان ظاهرة سياسية. ولكن لكون التحيز الجنسي أحبط كثيرين، فهو يعني أيضاً أن هناك مجتمع نسائي تضرر منه يستطيع أن يساعد بعضه بعضاً. يستطيع هؤلاء الذين عانوا من الاضطهاد الجندري أن يرتبطوا معاً لإنهائه.

يكمن شيء مماثل في الخطر في تأكيدات حراك #MeToo أن التحرش والاعتداء الجنسي هما منهجيان، يمكن المرأة أن تتحد لتنهيهما. بينما اختبرت ناشطات نسويات مثل “فريدان” و”ساندبيرج” مشكلة التحيز الجنسي بالاقتراب منها وتكبيرها، للأخذ في الاعتبار نفسية المرأة وسلوكها، ابتعدت (أجور لأعمال المنزل) لكي تفحص كيف اضطهدت المرأة بالقوى الاقتصادية الرأسمالية. لدى #MeToo أسلوبه الأقل أيدولوجية والموجه لتحليل المجتمع الرجالي. ولكن تأتي إشارتها من افتراض أن كراهية المرأة هيكلية، وأن النساء لديهم مصلحة مشتركة لمحاربة كره وازدراء المرأة.

لا يعني هذا أن #MeToo يعامل كل تجارب النساء كما لو كانوا تجربة واحدة. تضَمَن الحراك قصص نساء من أعراق وتوجهات وأديان مختلفة. قدّمت شهادة من نساء غنيات وفقيرات، صحيحات ومصابات بأمراض مزمنة، متحولات وغير متحولات جنسياً، مشهورات ومجهولات. أدى هذا التنوع إلى زيادة التسليم بأن ازدراء المرأة يأخذ أشكال متعددة، وأن ليس جميع النساء متاح لهم نفس أدوات تخفيف هذا الازدراء.

في أفضل حالاته، تأثر حراك #MeToo النسوي الاجتماعي بعلماء النسوية الأميركيات السوداوات، مثل “كيمبيرلي كرينشو”، والتي يهدف عملها إلى مواجهة الطبيعة المركبة للعنصرية والتحيز الجنسي في حياة النساء السوداوات، كما يهدف أيضاً لتحليل كيف أن الظاهرة غير مختلفة على الإطلاق عند الأشخاص الذين يعانون من العنصرية والتحيز الجنسي سوياً. في مقالها القانوني عام 1989 عدم تهميش تلاقي العرق والجنس، نادت “كرينشو” بطريقة جديدة في فهم الاضطهاد، أطلقت عليها “التداخل”. تعني هذه الطريقة الجديدة في الفهم، ببساطة شديدة، مراعاة الطرق التي يبدو بها الاضطهاد مختلفاً لأناس مختلفين، وكيف يتعرض الأفراد للاضطهاد في نواحٍ عدة في الوقت ذاته. عملياً، يشير منهج كرينشو بأن الحراك المؤثر ضد الاضطهاد الذكوري يجب أيضاً أن يواجه أوجه عدم المساواة بأشكاله الأخرى مثل تلك التي تمنح القوة والدهاء لكثير من تجارب النساء في التحيز الجنسي.

مكنت نظرية التداخل حراك #MeToo من فهم أكبر للتحرش والاعتداء الجنسي. تدل إشارة “أنا أيضاً” إلى التضامن مع كل النساء اللاتي حظينّ بمثل هذه التجربة، ولكن سمح الشكل الذي اتخذه الحراك أيضاً بأن يكون عبارة عن إعلان محدد وشخصي، ولكي تأتي تلك الشهادات من نساء لهنّ قصص مختلفة وفي ظروف مختلفة. لكل مناهض نسائي لحراك #MeToo الذي يسأل بازدراء “لماذا لم تغادري وحسب؟” أوضحت نساء أن ظروف حياتهن أغلقت باب المغادرة أمامهن. في كثير من الأحيان، أوضحت بشكل مؤثر قصص عدة بأنه ليس كل شخص يستطيع المخاطرة بعمله بقوله بصرامة وعند “لا” لرئيسهم أو زميلهم المتلاعب؛ وليس بإمكان كل شخص تحمل نفقة سيارة أجرة طارئة؛ وليس كل شخص لديه الهبة التي تجعله يتصرف بسهولة بالطريقة التي يصفها النسائيون دائماً في مثل هذه الحوادث.

أثبت العدد الهائل لشهادات #MeToo صحة نظريات التحيز الجنسي كقوة عالمية ولكنها ليست متماثلة- فكل امرأة سوف تتعرض له ولكن بطريقة مختلفة. في تضامنها، وفي بادرتها العامة لكل النساء بأن يتحدوا ليطالبنّ بوضع حد لهذا التحرش والاعتداء، كما يواصل الحراك تقليد الوعي الطبقي للمرأة والوحدة والحاجة إلى مواجهة هذا الظلم المنهجي. نطالب أيضاً في #MeToo لفهم أن التحرر الهادف من ازدراء المرأة لن يتحقق إلا بشكل جماعي، بتغييرات على المستويات الهيكلية والثقافية والمؤسسية. لا تطمح النسوية الاجتماعية إلى تمكين عدد قليل من النساء ليأخذوا سلطة في الأنظمة الذكورية. كما لا يتعلق الأمر بإعطاء النساء مقعداً على الطاولة. بل يتعلق الأمر بتحطيم الطاولة ومن ثمّ نستطيع بناء طاولة جديدة سوياً.

هذه ليست مسألة سهلة. كمنهج فإن النسوية الاجتماعية لديها عيوب حقيقية، على رغم أن أبرز نقاط ضعفها ليست تلك التي اختار منتقدو #MeToo البارزون مخاطبتها. ليست نقطة الضعف الحقيقية للنسوية الاجتماعية أنها تشجع النساء ليكونوا شديدات الحساسية تجاه المضايقات، ولكن لكونها مهلهلة. فقد يتغاضى النداء لوحدة النساء عن كل أنواع الألم والصراع الناشب بينهنّ.

في كل حال، من نعني بكلمة “النساء”؟ ما هي التجارب أو الظروف التي نحددها بالضبط كشيء عام بين النساء؟ من الصعب التعميم حول بشر كثيرين بكلمة واحدة، ومسائل مثل الظلم وعدم المساواة والامتياز تعني أننا بفعل ذلك نضع أنفسنا في خطر التغافل عن الاختلافات الحيوية بين النساء. النساء حفنة متنوعة، ويواجهنّ اضطهادات متداخلة ليست من الصنع الحصري للذكورية: الاضطهاد العنصري، الطبقي، المقدري، الجنسي. تُقوى هذه الاضطهادات غالباً بواسطة نساء أخريات، هناك هاويات تفصل النساء عن بعضهن: هاوية العنصرية والمال وهاوية الاستعمار والتعصب الأعمى والتاريخ والضغينة والموقف المتخوف والجهل والألم. سيكون من الصعب جداً رؤية بعضنا بعضاً من خلال هذه الهاويات.

لقد أوضح حراك #MeToo، على رغم ذلك أن التضامن بين النساء ممكن. يمكن أن يفهم التعريف السائر للنساء كما وضعه حراك #MeToo، بأنهم أي شخص تعرض لكراهية النساء. إنه نوع كئيب من التضامن، هذا الذي يُعترف فيه بالمعاناة المشتركة. حوّل حراك #MeToo هذا الاعتراف الحدادي إلى شيء أكثر تفاؤلاً. لو أن الحراك دفع كثيرات من النساء للتركيز على سلوك ازدراء المرأة مع توحيد الحزن والغضب، فإنه أيضاً قاد كثيرات منهن إلى التفكير في قوتهن المتشارَكة ورؤيتهن المشتركة لعالم مختلف. عندما يدعو النسويون الاجتماعيون في #MeToo إلى تغييرات من شأنها أن تجعل التحرش والاعتداء والأشكال الأخرى المختلفة لازدراء المرأة نادرة، فإن قدرة التصور الجماعي عندهم تجعل هذا العالم المختلف ممكناً: بزيادة قدرتنا على أن نقف معاً من أجل مطلبنا هذا، تزداد قدرتنا على تخيل هذا العالم حيث يصبح الاحترام شائع، والوحشية نادرة، حيث يفكر الجميع بمزيد من التعاطف والإدراك لحيوات الآخرين، وحيث لن نتعرض كوننا نساء للمعاناة والحرمان.

مرة أخرى، هذه مناظرة قديمة: هل ينبغي أن يكون هدف النسوية أن تغير المجتمع، أم أن تجهز النساء بشكل أفضل لكي يتعاملن داخله. ولكن لماذا تم تأطير هذا الصدام كشيء خاص بهذا الجيل، ومن الواضح أن الرؤيتين النسويتين كانتا في صراع لعقود خلت؟ بعض منه بالطبع كان التمييز بسبب كبار السن وانعدام الرؤية- الاتجاه الذي يفترض بأن الكبار مترددون جداً والشبان متهورون جداً. وهناك شيء خاص جداً بالحراك النسوي بين كل الأفكار السياسية، هو أن النسوية حراك اجتماعي يجب أن يحدث على شكل موجات منفصلة ومتماسكة وموقتة.

هناك سبب آخر لاعتبار #MeToo صراع خاص بهذا الجيل، هو أن أنصار النسوية الفردية المناهضين لحراك #MeToo ردوا بشكل عنيف بأن مقاومتهم الحركة تعتمد على الحكمة والواقعية وفوق كل هذا النضج. يبدو كل هذا الحديث، بالنسبة إليهم عن عالم أعيد تخيله، أعيد خلقه ساذجاً بشكل ميؤوسٍ منه. لخصت “دافني مركين” فحوى تقويم مناهضي #MeToo في مقالها في “نيويورك تايمز”، عندما كتبت للنساء القادمات: انضجنَ، هذا هو واقع الحياة”.

هذا اعتقاد شائع ولكنه غريب، بأن خلاصة النضج والقوة الشخصية هو بقبول أن العالم لا يمكنه أن يكون أفضل مما هو عليه، بأننا لا يمكن بأن نكون ألطف مع بعضنا بعضاً، بأن استحقاق الذكور وكمالهم وضراوتهم هي أشياء دائمة وغير قابلة للتغيير وعلى النساء تحملها. مفهوم غريب للقوة ذلك الذي يرفض بضعف صبياني أي مطالبة بعالم أفضل، أي أمل بأن العالم قد يختلف في يوم من الأيام. لكن هناك طريقة أخرى للتفكير تجعل تفكيرهم يبدو حزيناً للغاية.

تكتب الطبيبة النفسية في جامعة هارفارد، غوديث هيرمان، في كتابها “الصدمة النفسية والشفاء”، والذي يتحدث عن علاج ضحايا الاغتصاب والمرضى النفسيين الآخرين الذين تعرضوا لإيذاء رهيب، عن إغراء التعاطف مع المعتدي: “إنه من المغري جداً أن تأخذ جانب المذنب”، كما تقول. “يلتمس المذنبون دائماً أن المارة لم يفعلوا شيئاً. إنهم يستأنفون بالإرادة الكونية بعدم الرؤية أو السماع أو الحديث عن الشر. تطلب الضحية من المارة، على العكس، أن يشاركوها الألم”. قد يكون هناك شيء مماثل خلف إرادة مناهضي #MeToo للدفاع عن النسوية الفردية. نداؤهم للتعاطف مع مرتكبي الاعتداء الجنسي، ووضع المزيد من المسؤولية على اختيارات هؤلاء النساء اللواتي عانين من الاعتداء، هو جزء من الجهد المبذول لكي لا يشعروا بأنهم متورطون في معاناة الآخرين وحتى لا يشاركوا في جزء من هذا الألم. أعطتنا #MeToo وتصفية الحساب التي أثارتها معرفة لم يكن لنا أن نعرفها- معرفة عن كيف تبدو طبيعية تلك الأشياء الفظيعة، معرفة عن كم عدد الذين عانوا منا. ليس مناهضو #MeToo النسويون، الوحيدين الذين أغراهم إعفاء النظر. أحثهم على ألا يفعلوا ذلك.

هذا المقال مترجم عن موقع صحيفة the guardian ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً