fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - new republic

ترجمة - new republic

مقالات الكاتب

كيف قمعت السلطة الذكورية كتابات النساء؟

في آذار/ مارس عام 2016، نشرت منظمة “فیدا” الأميركية، التي تعنى بشؤون المرأة في الفنون الأدبية، سلسلة من التصريحات من دون الإفصاح عن هوية أصحابها، انطوت على اتهامات للشاعر توماس سايرس إليس بممارسة سلوكيات عدوانية واستغلالية مُسيئة.

وتحدثت تلك الشهادات عن ارتكابه محاولات تقرّب جنسية غير مرغوب فيها، وتهديدات بتدمير المستقبل الوظيفي للنساء على مدى سنوات. في كانون الثاني/ يناير من العام ذاته، عُين إليس الذي كان يبلغ 52 سنة في ذلك الوقت، ولما يحظى به من احترام واسع في هذا المجال، أستاذاً زائراً في برنامج “ورشة عمل كُتّاب آيوا”. وبعدما نشرت “فيدا” هذه الآراء بوقت قصير، أُلغيت محاضرات إليس، وأكد مسؤول في الجامعة أنهم “يبحثون في هذا الأمر”. أصبحت القضية الآن مزيجاً مألوفاً من اتهامات عدة، تؤيدها “شبكة الهمس”، وهي سلسلة غير رسمية من المعلومات تنتشر خصوصاً بين النساء، وتُمثل نقداً للطرائق التي يُمكن من خلالها أن تُمكن هياكل السلطة السلوكيات الاستغلالية المُسيئة، وتحظر التعبير الصريح عن الموافقة. يُمكن أن نطلق عليها انتفاضة وسم حركة Me too، حتى قبل صوغ ذلك التعبير.

وصفت المؤلفة جيا تولينتينو في مقال يتناول الاتهامات التي يواجهها إليس هذا “السلوك المضطرب الذي يُبديه الرجال الأقوياء في المجالات الإبداعية” بأنه يشبه “التقليد”. يعود هذا التقليد إلى زمن بعيد في برنامج “ورشة عمل كُتّاب آيوا”، التي يعتبر أبرز البرامج المرموقة التي تمنح درجة الماجستير في الفنون الجميلة في مجال الكتابة والتأليف.

السلطة والتحرش

بيد أن بعض هؤلاء المعلمين البارعين هم الأشخاص الذين يمارسون التحرش والترهيب ويبدون كراهية. يشير مقال تولينتينو إلى أن سلوك إليس المزعوم كان محزناً بخاصة للطلاب في آيوا، لأنه يذكرهم بقصص عن شعراء ومعلمين آخرين في البرنامج انتهجوا السلوك ذاته على مر السنين. ثمة حوادث بارزة وقعت خلال تاريخ البرنامج الحافل الذي دام 83 عاماً، من بينها، في الستينات، اقترح الكاتب كورت فونيغت، الذي كان آنذاك عضو هيئة تدريس، على أحد زملائه الجدد أن يتحاشى إغواء الطلاب الجامعيين، لكنه أشار ضمنياً إلى أن الأمر قد يكون مقبولاً مع طلاب الدراسات العليا. واعترف أيضاً بأنه “حَشَرَ أنْفَهُ” في طريقة ارتداء إحدى الطالبات ملابسها، بحسب تعبيره.

وتحرش الشاعر جون بيريمان بإحدى الطالبات في المقعد الخلفي لسيارة، في طريقهما لحضور حفلة، واعترض عندما رمقته بنظرة ازدراء، قائلاً “ماذا؟ تعنين أنك لا تمارسين الجنس؟”.

قد لا يكون فضح التحيز الجنسي هو الهدف المُعلن لكتاب ديفيد دولينغ الجديد الذي يحمل عنوان “العدوان المرهف: الوحشية والنجاة في برنامج “ورشة عمل كُتّاب آيوا” A Delicate Aggression: Savagery and Survival in the Iowa Writers’ Workshop. بل الهدف منه، وفقاً لما جاء في مقدمة الكتاب، هو دراسة ” تأثير برنامج “ورشة عمل كُتّاب آيوا” على الثقافة الأدبية والنشر” من خلال سرد الحياة المهنية لأبرز المؤلفين المعاصرين، الذين درسوا أو تعلموا هناك في ظل قيادة مجموعة مميزة من الرؤساء، منذ تأسيسه وحتى الوقت الحاضر ومن المؤكد أن ذلك التأثير عميق يوضح يسرد دولينغ 15 سيرة ذاتية مختصرة، للمؤلفين الأميركيين الأكثر شهرة في القرن العشرين الذين شكلوا هذا الإطار المؤسسي، وتأثروا به. ويوضح مدى الترابط العميق بين البرنامج وقطاع النشر منذ أربعينات القرن الماضي.

يبدو الكتاب سرداً لتاريخ الأدب وفي بعض الأحيان، يبدو احتفاءً به، لكنه يُمثل أيضاً شهادةً على الأساليب التي غالباً ما استغلت لتضييق الخناق على إبداع المرأة والتضحية به في سبيل نجاح الرجل

ركز الشاعر بول إنغل، الذي شغل منصب رئيس المؤسسة عام 1941، على تنمية المهارات المهنية، وعلى مدى أكثر من عقدين تولى خلالها دفة القيادة، وبذل جهوداً حثيثةً لتوفير الجوائز المالية، وحث المؤسسات على رعاية الطلاب بشكل فردي والبرنامج عموماً. فقد كان ولا يزال هدف الطلاب من الالتحاق ببرنامج “ورشة عمل كتاب آيوا”، هو نشر أعمالهم. ولذا أثارت التناقضات التي نشأت في ظل رئاسة إنغل فضول دولينغ، ما دفعه إلى تتبعها خلال العقود اللاحقة للبرنامج، وبرزت تساؤلات: كيف يمكن أن تكون عملية الكتابة مبتكرة وممتعة في الوقت نفسه؟ وهل تضيق العقيدة المؤسسية الخناق على عملية الابتكار؟ وكيف يمكن أن يكون المرء “رجل معرفة” و”رجل أعمال”، كما سعى إنغل أن يكون؟

ويوضح الكتاب كيف ينطوي التمييز الجنسي المؤسسي على أكثر من مجرد حوادث منفصلة للتحرش الجنسي: إذ إنه يتغلغل في ثقافة البرنامج وتوقعاته. ويستعرض دولينغ حكايات حول مباريات الملاكمة، ونوبات الإثارة التي عانى منها نورمان ميلر، والتحديات التي واجهتها إحدى الطالبات لحضور الحلقات الدراسية أثناء رعاية طفلين صغيرين. ويتحدث عن المساعدات التي قدمتها الكاتبات لبعضهن بعضاً، وتحديهن سلطة الذكور، وورش العمل البديلة التي شكلنها، والمتعارضة مع سياسة آيوا. يبدو أن هناك الكثير من الوحشية في مدينة آيوا، لكن هذا المكان نفسه أدى إلى ظهور أشكال مبتكرة من المقاومة واستراتيجيات النجاة.

رجال الأدب البؤساء

يركز الفصل الأول من الكتاب المملوء بالقصص عن رجال الأدب البؤساء العجائز، على امرأة: وهي الروائية فلانري أوكونور، التي تعتبر أشهر خريجي البرنامج. التحقت أوكونور، وهي خريجة جامعية من مدينة ميلدغفيل، بولاية جورجيا، وكاثوليكية متدينة، بالبرنامج عام 1945، وكانت “العبقرية الشاذة” وسط صف مملوء بالمحاربين القدامى، الذين يصفهم أحد زملائهم بأنهم كانوا “مجموعة من الرجال مُثيري الشغب للغاية، اتسمت حياتهم بالصعوبة البالغة”. كانت تخشى قراءة أعمالها في الصف، وغالباً ما كانت تطلب من أحد زملائها الرجال أن يقرأ بالنيابة عنها. وعندما قرأت بالفعل بصوت عال، ما سيحدث بعد روايتها الأولى “دماء حكيمة”Wise Blood، دهش إنغل من وصفها الإغواء الجنسي. ورغبةً منه في تصحيح ما رأى أنه معلومات غير دقيقة -نابعة مما أعتقد أنه “نقص فاتن في المعرفة”- دعاها إلى مكتبه، ثم اقترح الانتقال إلى سيارته، حيث قد تشعر بمزيد من الراحة عند الحديث عن تاريخها الجنسي. وبالفعل ذهبت أوكونور معه، لكنها لم تقل شيئاً عن حياتها الجنسية الخاصة، ولم تُعدل شيئاً في روايتها. وحصلت بعد ذلك على جائزة “أو هنري” ثلاث مرات، وجائزة “الكتاب الوطنية في الأدب الروائي” عام 1972.

تغير الكثير بين حقبتي الخمسينات والسبعينات. فقد دخل البرنامج، مثل بقية أنحاء البلاد، في عصر ما يسميه دولينغ “عصر برج الدلو”، وهو ذلك الوقت الذي انتشرت فيه نزعات التحرر الجنسي، والحركات الاجتماعية الثورية، والكثير من المخدرات. والتحق المزيد من الكُتاب من مختلف الأعراق ببرنامج آيوا -مثل الكاتبة ساندرا سيسنيروس وجوي هارجو وريتا دوف- وكان هناك المزيد من النساء بين الطلاب. وأصبحت الكلية التي كانت تحظر في السابق “الشعر الطويل” – لأنه يعبر عن مظهر رومانسي للغاية، وفقاً لما قاله إنغل الذي كان يؤدي عمله بطريقة بيروقراطية روتينية جامدة، وأجبر الطلاب على “الحلاقة لكي يبدوا بمظهر نظيف يدل على الكفاءة المهنية” – تستضيف طلاباً مثل تي. إس. بويل، الذي يصف نفسه بأنه “هيبي أكثر من الهيبيين أنفسهم، وغير أخلاقي حتى النخاع”. لا يزال هناك قدامى المحاربين الذين يكتبون عن تجربتهم في القتال، ولكن قصصهم صارت الآن مقترنة مع حكايات الطلاب الآخرين حول السفر التطفلي وإدمان الهيرويين.

ما لم يتغير هو الثقافة الذكورية العدوانية التي سادت في الفصول الدراسية، والمطاعم، وفي الأماكن التي يجتمع فيها الناس لممارسة الأنشطة الاجتماعية في آيوا. تتذكر الروائية الحائزة على جائزة بوليتزر، جين سمايلي، خلال وقت دراستها هناك قائلةً:

“كان معظم المعلمين رجالاً من أعمارٍ معيّنة، تستحوذ عليهم فكرة أن المنافسة هي الأساس إلى حد بعيد، وقد تجلى ذلك في فترة نورمان ميلر. كان الأمر يبدو وكأنه إذا اختلفت في الرأي مع نورمان، أو أعطيته تقييماً سيئاً، فإنه لن يتردد في لكمك في الأنف. كما كان من المفترض أن تدخل في مشاجرات في المطعم”.

أفسد هذا “المنطق الذكوري” الفصول الدراسية. وكان النقد دائماً عنصراً أساسياً في صميم البرنامج الدراسي، واتسم بكونه قاسياً عن قصد. إذ اعتقد إنغل أن “الكُتّاب الشباب يبالغون في تقدير قدراتهم على الإبداع، وهو صدْع لا يمكن رأبهُ إلا من خلال النقد اللاذع”. تُعبر الكاتبة ساندرا سيسنيروس عن ذلك ببساطة بقولها “لم يكن هناك حب”. ويصف الشاعر روبرت بلاي كيف “اندلعت العداوة بين الطلاب”، عندما هاجم بعضهم بعضاً الأعمال التي ما زالوا يكدون في كتابتها. كما كان المديح متفاوتاً، وكانت المحسوبية في كل مكان. وفي حين سعى الطلاب الذكور من أمثال بويل إلى توثيق علاقتهم مع مرشديهم من المعلمين، بينما يحتسون الخمور خارج الحرم الجامعي، “خضعت الطالبات للمراقبة الصارمة بهدف اختبار إرادتهن، وهي عملية تم تبريرها على أنها طقوس تربوية لازمة للعبور من حالة سابقة أو وضع سابق إلى حالة لاحقة ووضع جديد”. وأخضعوا كثيرات لاختبار مألوف: إذ يطلب منهن إثبات أنهن قاسيات بما فيه الكفاية، وسيحظين بالمزايا التي يتمتع بها الرجال.

الإغواء عن عمد

بالطبع، كان هناك خيار ثان، وهو جذب الاهتمام الجنسي لأحد أعضاء هيئة التدريس. فبحسب ما ذكره دولينغ، فضلت بعض النساء استخدام الإغواء عن عمد، واستغللن جمالهن وشبابهن لتحقيق مكاسب مهنية. واستمتعت أخريات بسذاجة بالاهتمام الذي أبداه لهن أحد الكُتاب الأكبر سناً، ظناً منهن على غير الواقع أن ذلك يعني شيئاً. أدركت سيسنيروس، التي جذبت اهتماماً من هذا النوع من أحد معلميها خلال أيام دراستها الجامعية في جامعة لويولا، أنها ساذجة لاعتقادها بأن “معلمي مهتم بي لأنه يؤمن أنني كاتبة جيدة”. وتحذر الآن النساء الشابات من أن عليهن تجاهل أي مبادرات أو عروض من رجال أكثر منهن قوة.

رأى الكُتّاب الذكور، هذه العلاقات الغرامية على أنها لقاءات مجددة للحيوية والشباب، أو ببساطة مجرد مكافأة. فقد وصف فونيجت في رسالة كيف “تتمتع المرأة بالقدرة على تجديد طموح وذكاء الرجال الهائمين، وقد كان لهن هذا التأثير عليّ مرتين…وفي كلتا المرتين، بعد ليلة حميمة مع هؤلاء الملائكة، بدأت في الكتابة، وإبداع الصور الجمالية مرة أخرى”.

أثارت الثقافة التي سادت البرنامج الجزع في نفس سيسنيروس والشاعرة جوي هارغو، ما دفعهما إلى الاتحاد سوياً. ودعما بعضهما بعضاً عاطفياً، ومادياً، وإبداعياً. فقد اعتنت سيسنيروس بأطفال هارغو الصغار، ما أتاح لصديقتها الوقت للكتابة. وشجعتها أيضاً على كتابة قصائد عن الضغوط التي تواجهها بوصفها فنانة وأماً عزباء. وقد واجهتا معاً، أحد المعلمين بسبب استبعادهما من دورة القراءة الأسبوعية. تتذكر هارغو قائلةً، “عندما رآنا ذلك الشخص، بدأ يتراجع، كما لو أننا على وشك أن نُشهر سكيناً في وجهه أو ربما سنسلخ فروة رأسه”. في الأسبوع التالي من تلك الحادثة، عُرضت قصائدهما للنقد والتحليل.

بعد سنوات، أمعنت سيسنيروس النظر في تجربتها خلال فترة دراستها في البرنامج. وقالت: “آيوا كانت تجربة اكتشفت خلالها ما لم أكنه”، وأضافت “لقد كانت المكان الذي اكتشفت فيه الآخرين، ونأيت بنفسي عن أولئك الذين درست معهم، وكذلك ابتعدت من هذا النوع من الشعر الذي اعتدت قراءته، لكي أُعبر عن نفسي، وما كنت عليه. لقد أشعرتني تلك التجربة بعدم الارتياح الشديد”. والآن بعدما صارت كاتبة ناجحة، أرادت أن تخلق تجربة ورشة عمل أكثر تعاوناً، مثل “مجتمع طاولة المطبخ” – مجتمع يتقارب فيه الأعضاء ويتبادلون الأفكار بعفوية وود – كما وصفته صديقتها هارغو ذات مرة. وعام 1995، أسست “ورشة عمل كُتّاب ماكوندو”. وعقدت أولى الجلسات حول منضدة غرفة طعامها. وبعد ذلك، صاغ الأعضاء “مدونة قواعد السلوك الرحيم”. تؤمن سيسنيروس أن المُعلم ينبغي أن يكون داعماً، وألا يكون سادياً يتلذذ بتعذيب الآخرين، وأن الكُتّاب ينبغي أن يفكروا في الكيفية التي يساهمون من خلالها في العالم.

مما لا شك فيه أن كُتّاباً كثيرين شعروا بالرعاية أثناء وجودهم في آيوا، وتغير أسلوبهم في الكتابة. يصف دولينغ الحياة المهنية للكثير من الكُتّاب في البرنامج الذين استجابوا بشكل إيجابي لآيوا، سواء أكانوا طلاباً أو معلمين، من بينهم: الشاعر دبليو جي سنودغراس، والروائية مارلين روبنسون، والمؤلفة إيانا ماثيس. كما يشير إلى أن الكاتبة لان سامانثا تشانغ، التي تولت رئاسة البرنامج منذ 14 عاماً، خلفاً للرئيس السابق فرانك كونروي، الذي اتسمت سياسته بالصرامة والتصلب، أحدثت “تحولاً ثقافياً تقدمياً.

لا يُمكن القول إن برنامج “ورشة عمل كُتّاب آيوا” هو البرنامج الوحيد للكتابة الإبداعية، كما أنه ليس المؤسسة الأدبية الأميركية الوحيدة التي ابتليت بالتمييز الجنسي. وأوضحت فضائح كشف عنها وسم حركة Me too في الآونة الأخيرة ذلك تماماً. بيد أن التجارب التي جُمعت في كتاب دولينغ “العدوان المرهف”، تساعدنا على فهم أفضل ليس لتاريخ برنامج “ورشة عمل كُتّاب آيوا”، وحسب، بل للتاريخ الأدبي عموماً، الذي تعرضت فيه آراء النساء للتثبيط أو التجاهل أو القمع. يثير كتاب دولينغ في نفسك تساؤلات بشأن الـ90 في المئة من طلاب البرنامج الذين لم يتمكنوا من أن يصبحوا كُتَّاباً، وعن أسباب إحباطهم، والكُتب التي ربما كتبوها.

يبدو الكتاب سرداً لتاريخ الأدب وفي بعض الأحيان، يبدو احتفاءً به، لكنه يُمثل أيضاً شهادةً على الأساليب التي غالباً ما استغلت لتضييق الخناق على إبداع المرأة والتضحية به في سبيل نجاح الرجل.

هذا المقال مترجم عن موقع New Republic ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

 

حرب المستبدّين الجدد على النساء

 

إقرأ أيضاً