كيف عاش طلّاب المدارس لحظات انفجارات قامشلو؟

شفان ابراهيم – صحافي سوري
نوفمبر 13, 2019
"متى تمّ صرف الطالبات من المدرسة؟ أرجوكم هل سمعتم أو رأيتهم أن طالبة ترتدي قميصاً زهرياً، وبنطالاً رصاصياً، وتحمل كُتباً قد أصيبت أو جُرحت؟"... تسأل أمّ عن ابنتها جين (16 سنة).

“متى تمّ صرف الطالبات من المدرسة؟ أرجوكم هل سمعتم أو رأيتهم أن طالبة ترتدي قميصاً زهرياً، وبنطالاً رصاصياً، وتحمل كُتباً قد أصيبت أو جُرحت؟”.

أمام ثانوية القادسية للبنات التي تقع على شارع الوحدة في مدينة قامشلو، وصلت سيدة تلهث جراء ركضها المتواصل، تسأل عن ابنتها جين (16 سنة). ازدحمت المنطقة بالصحافيين والمارة والأسايش والأهالي الذين جاءوا يستفسرون عن حال بناتهم. دُهش الجميع من طريقة وصف الأم ابنتها، فجميع الطلبة يشتركون بهذه الأوصاف الخارجية من لباس موحد، وكُتب ودفاتر مدرسية، قبل أن تتدارك الوصف العام وتتحدث عن أوصاف خاصة. طمأنها الحاضرون إلى أن لا إصابات بين الطالبات، بل تم تأمينهن قبل صرفهن من المدرسة.

وشهدت مدينة قامشلو ثلاثة تفجيرات متتالية خلال لحظات. أولها عبر سيارة رباعية الدفع في تقاطع شارع الوحدة مع الشارع العام، وثانيها عبر سيّارة “فان” أمام فندق السفراء ومقهى الشموع، وثالثها عبر دراجة نارية مفخخة بجانب ثانوية البنات، راح ضحيتها شهداء وحوالى 40 جريحاً، وتعرض 4 من المارة لحرائق من درجات مختلفة، نُقل 3 منهم لخطورة وضعهم إلى مستشفيات إقليم كردستان العراق. حظي المدنيون بالنسبة الأكبر من المصابين.

حصلت التفجيرات قبل موعد انصراف التلاميذ من مدارسهم بدقائق، وحدها عناية الله رأفت بالناس أو “ورُبما تقصّد الإرهابيون إرسال إشارات مختلفة إلى الأهالي حول تمكنهم من الوصول إلى أبنائهم”، كما يقول عبد القادر (61 سنة) من أمام الثانوية.

لحظات فصلتهم عن الموت

بعينين تحملان الخوف والقلق تحبسان الدمع، اقترب أبو ليانا وقال لـ”درج”: “لا أعرف ما الذي دفعني اليوم إلى الذهاب إلى مدرسة ابنتي لاصطحابها إلى المنزل قبل انتهاء موعد الدوام الرسمي، رُبما هي مشيئة الله أو شيء من هذا القبيل”. وقفت طالبة الثالث الثانوي، الفرع العلمي، ليانا من دون حِراك أمام ألسنة النيران والجدران المتهدمة، بوجه شاحب وأصفر، اختصرت كل شيء بأن قالت لـ”درج”: “إنهم يقضون على مستقبلنا”.

“قالا لي: عليكِ أن تسلكي الطريق العام أثناء عودتكِ إلى المنزل، فهو أكثر أماناً من الشوارع والطرق الفرعية”، تتحدث عليا (13 سنة) وهي طالبة في الصف الثامن الإعدادي من مدرسة زكي الارسوذي، عن وصية والديها لها، كلما ذهبت إلى المدرسة أو عادت منها. تضيف لـ”درج”: “هذه المرة خالفت الوصية، فالشارع العام أصبح أكثر وحشية، نار، دمار، دماء، أشلاء، سيارات مسرعة، إطفاء، إسعاف، شرطة، قررت أن أخالف الوصية وأسلك الشوارع الفرعية باتجاه بيتي”.

في الجانب الخلفي لثانوية القادسية، تم تخصيص مبنى خاص لطلبة الثانوية الصناعية، الذين حجزتهم إدارتهم في صفوفهم، خوفاً على حياتهم كما يقول أحد المدرسين الذي اشترط عدم ذكر اسمه: “الطلاب كانوا خائفين، ومرعوبين، كانت استجابتنا سريعة، انتظرنا قليلاً حتى هدأت الأمور وتم صرفهم، ولم ندرك أن تفجيراً ثالثاً سيحدث”.

بدأت إدارة المدرسة تصرف الطلبة “طلبوا منا أن نستعجل بالعودة إلى منازلنا لم أكن أتخيل أنني سأحلق قليلاً في الهواء”، يتحدث الطالب باراف بختيار رسول (16 سنة) عن لحظات الخوف التي عاشها، “كُنت مع رفاقي حين استعجلنا المشي باتجاه المنزل، سمعت صوتاً قوياً، وددت أن التفت إلى الخلف لأرى ما حصل، لكن فجأة شعرت بأن أحدهم حملني ورماني عالياً في الهواء. لم أفهم ما حصل فالدخان والغُبار والجدار المهدم، عويل الطالبات، وتجمع المارّة، كل ذلك منعني من التفكير”.

عادة ما كان باراف يقف عند عمه دلكش في محل العطورات الذي في طريق عودته من المدرسة: “لم أقف، بل ركضت من المدرسة إلى والدي، سمعت صوتاً يُناديني، لم ألتفت بل أسرعت في الركضِ، شعرت بالأمان حين وصلت إلى حيث يقف والدي في انتظاري، ثم بدأت أنفض الأتربة والغبار عن ثيابي”.

حصلت التفجيرات قبل موعد انصراف التلاميذ من مدارسهم بدقائق، وحدها عناية الله رأفت بالناس

تنقل علي (45 سنة) ما بين محله لبيع الألبسة قرب التفجير الأول، ومدرسة ابنته حيث التفجير الثالث. “كُنت أستعد لتناول وجبة الغداء في المحل، تساقطت الألبسة فوقي، وانتشرت شظايا الزجاج في كل مكان، صوتٌ قوي تلاه صوت آخر، ثم صوت بعيد قليلاً لم أكترث له كثيراً، لم يدر في بالي حينها سوى أن أعرف ماذا حصل، وكيف أخرج من هنا، حتى رنَّ هاتف الموبايل، ووصلتني رسالة عن تفجير أمام ثانوية ابنتي آية منذ 10 دقائق”.

عادة ما كانت آية تذهب إلى محل والدها بعد انتهاء الدوام، ليذهبا معاً إلى المنزل، لكن في ذلك اليوم كانت الأوضاع مختلفة، يقول علي “أسرعت إلى المدرسة التي لا تبعد سوى 5 دقائق مشياً، لم أجد أحداً، تجولت في الشوارع، والمستشفيات، ثم عدت إلى المحل فلم أجد ابنتي، فعدت للبحث عنها”. التقى علي صديقه وهو ممرض في مستشفى السلام وأخبره عن إسعاف طالبة، “ركضت بسرعة إلى المستشفى، سألت عن اسم الطالبة، ومواصفاتها، كان التطابق واضحاً، جلست قليلاً على الكُرسي، ثم تمالكت نفسي ودخلت إلى غرف الإسعاف، وجدتها مُمددة، ناديتها، آية، التفتت لكن لم تكن هي، فقط تشابهٌ في الأسماء”.

عاد علي إلى محله، لتتصل به زوجته وتخبره أن ابنتهما لجأت إلى منزل صديقتها في حيّ الهلالية الذي يبعد قرابة 35 دقيقة من المدرسة، واتصلت منذ قليل لتخبر أمها بذلك. “أشكر الله أن ابنتي بخير، الأضرار المادية تُعوض، المهم أن تُكمل ابنتي تعليمها”.

توجه “درج” إلى ثانوية القادسية التي رفضت إدارتها التصريح. لكن في خارج أسوار المدرسة قال أحد الإداريين: “كانت لحظات أخيرة لانصراف الطالبات، منهن من انصرف لانتهاء الدوام، وأخريات كن ينتظرن أقاربهم أو جيرانهم، كان الصوتُ مخيفاً ومرعباً، لم يدر في ذهننا كإداريين سوى حماية الطلاب”.

قصص خط “السرفيس”

تبعد المدارس التي تطبق نظام الدوام المسائي، من مراكز “السرفيسات” التي يستقلها الطلبة للوصول إلى منازلهم في المنطقة الشرقية من قامشلو، قرابة 10 دقائق سيراً على الأقدام. في موقف السرفيس، لم تبقَ مركبات للعمل على الخطّ، بسبب التفجير ولجوء السائقين إلى منازلهم، فانقسم الطلاب بين من يبكي، ومن يجلس على حافة الرصيف، فيما لجأ آخرون إلى الدعاء إلى الله كي يُنقذهم.

أمسك شيرزاد بيد شقيقته سلوى، رافضاً طلب “درج” أخذ صورة لهما، لكنه قال: “لن أترك يد أختي إلا في المنزل”. ثم تابع: “كُنا في طريق العودة إلى المنزل، سمعنا صوتاً قوياً ثم صوتاً ثانياً فثالثاً، شعرت بأن الدنيا اهتزت من حولي، لن أذهب إلى المدرسة مرةً أخرى، لا أريد أن أموت”. أما سلوى، فدموعها التي لم تتوقف قالت كل شيء.

بقي جميع الطلاب من دون وسيلة نقل تقلهم إلى منازلهم، حتى وصل فهد (47 سنة) بسيارته ليقلهم جميعهم إلى منازلهم. “قررت إيصال الجميع إلى منازلهم، هذا أقل ما يُمكن أن أفعله لهم، منهم أصدقاء ولديّ، والجميع طلاب ولهم من يقلق عليهم”.

قالت طالبة كانت تقف أمام باب مدرسة القادسية في اليوم التالي للتفجير “سأبقى أواظب على المدرسة والدوام، حتى إذا تكرر مشهد الانفجارات عشرات المرات”.

لماذا تُحارب تركيا الأكراد في سوريا؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

طارق عبد العال – محامي مصر في “المبادرة المصرية”
فكرة المجال العام تهدف إلى إتاحة ساحة من الحرية، تحترم حقوق الأفراد وتزيد من قوة المجتمع، لأن الاتصال الذي يحدث في المجال العام يخلو من الإكراه المؤسسي، كما أن الحوار الذي يتم خلاله، يمكن أن يُؤسس لخطاب ديموقراطي.
جاد شحرور – صحافي لبناني
منذ بداية الثورة اللبنانية يحذرنا السياسيون من خطر اندلاع الحرب الأهلية، إلا أنهم نسوا أو تناسوا أن الشعب اللبناني تمرّد على ماضيه بعدما أيقن أن الأحزاب الحاكمة هي للحرب وليست للسلم.
فاطمة بدري – صحافية تونسية
واقع جديد يتشكل من دون حضور يذكر لقوى اليسار التونسي الذي أبعدته تصدعاته المتتالية وسوء تقديره حقيقة دائرة الحكم في تونس، لخمس سنوات مقبلة.
ترجمة- The Nation
امتدت الاحتجاجات في الأسابيع الماضية إلى 5 قارات – أغلب العالم – من لندن وهونغ كونغ الثريتين حتى تيغوسيغالبا والخرطوم الفقيرتين.
يارا بدر – صحافية سورية
باستخدام اللغة، حركة الكاميرا، وتركيب التفاصيل لإنتاج مشاهد القتل الهادئ السريع المأخوذة من صور الحكايات القديمة، يُقدّم سكورسيزي واحداً من أفضل النماذج للفن المُقارن.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تعتقد الغالبية أن الانتخابات الرئاسية ستجرى بالحد الأدنى من المشاركة الشعبية. وهذا بسبب انخفاض درجة الحماسة لدى المواطنين للمشاركة في التصويت نتيجة التشكيك في جدية الانتخابات ونزاهتها.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email