كيف تلاعب أردوغان بترامب مجدداً

يقول الخبراء إن أردوغان نجح في خداع ترامب مرة أخرى فيما يتعلق بقضية منظومة إس-400


حصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على فرصة نادرة لمخاطبة الشعب الأميركي وملايين المشاهدين عبر العالم، عندما وقف إلى جانب رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب في الجناح الشرقي من البيت الأبيض بعد اجتماعٍ  ترقبه كثيرون في المكتب البيضاوي، ولم يحقق ترامب على ما يبدو أيّة مكاسب مطلقاً من هذه الزيارة.

فعلى الرغم من خرق أردوغان الواضح للاتفاقيات الغربية واستهزائه بها -مثل شراء المعدات العسكرية الروسية وسجن الصحفيين وشن غزو دموي على شمال شرق سوريا مع ادعاءات بالسماح لوكلائه العرب في سوريا بارتكاب جرائم حرب دون رادع- تركزت معظم تصريحات ترامب على الإشادة بنظيره التركي. 

فقد قال ترامب، “إن تركيا، كما يعلم الجميع، حليف عظيم في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وشريك استراتيجي للولايات المتحدة على الصعيد العالمي”، وشكر أردوغان على مجهوداته من أجل الحفاظ على وقف إطلاق النار في شمال شرق سوريا -مع أن القتال لم يتوقف قط في الواقع- وشكره أيضاً على “إسهامات تركيا الحيوية” في العمليات في أفغانستان ومكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). (في الحقيقة، لم تؤدِ تركيا دوراً يُذكر في عملية قتل زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي، خلال غارة نفذتها قوات العمليات الخاصة الأميركية على بُعد أميالٍ قليلة من الحدود التركية العراقية).   

وأضاف، “أنا من أشد المعجبين بالرئيس أردوغان”.

لكن ترامب لم يتطرق إلى جرائم الحرب المروعة وانتهاكات حقوق الإنسان المُتهم بارتكابها وكلاء تركيا من المعارضة السورية خلال الاجتياح، ومن بينها استخدام الذخيرة المحملة بالفسفور الأبيض ضد المدنيين وإعدام السجناء واستهداف النساء والأطفال. 

في الوقت نفسه، هاجم أردوغان بشدة خلال معظم تصريحاته أمام الكاميرات ميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية -التي تشكل قواتها العمود الفقري لـ”قوات سوريا الديمقراطية” المسؤولة الرئيسية عن زوال تنظيم الدولة الإسلامية- وحملها مسؤولية التفجير الذي وقع في في مدينة تل أبيض السورية وأودى بحياة 13 مدنياً. 

تنظر تركيا إلى “وحدات حماية الشعب” باعتبارها ذراعاً لـ”حزب العمال الكردستاني”، الذي نفذ أعمال تمرد في تركيا امتدت لعقود. 

كان المؤتمر الصحفي الذي أعقب اجتماع المكتب البيضاوي هو آخِر مثالٍ فحسب على انصياع ترامب لرغبات أردوغان، وذلك بعد شهر فقط من سحبه القوات الأميركية من الحدود التركية السورية، ما أفسح المجال لشن هجوم تركي على وحدات حماية الشعب.

وكتب الصحفي التركي رجب سويلو على ترامب، “لا بد أن أردوغان سعيد بحقيقة أن ترامب يمنحه منبراً من البيت الأبيض للدفاع عن نفسه في الوقت الذي تجلد فيه وسائل الإعلام الدولية حكومته. يعد هذا انتصاراً لأردوغان في مجال العلاقات العامة. فقد بثت القنوات التلفزيونية العالمية تصريحاته طيلة 15 دقيقة دون انقطاع”.

كان من الممكن أن يكون اجتماع المكتب البيضاوي، الذي ضم أيضاً مجموعة من كبار أعضاء مجلس الشيوخ من بينهم عضو الحزب الجمهوري ليندسي غراهام، فرصة للزعيمين للتوصل إلى اتفاقيات بخصوص عدد هائل من القضايا، مثل شراء تركيا منظومة الدفاع الصاروخية الروسية (إس-400)، التي تهدد المقاتلات الأميركية، أو التباحث حول صفقة تجارية محتملة تبلغ قيمتها 100 مليار دولار. لكن لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن أي من تلك القضايا.

وقال ترامب عن شراء تركيا منظومة الدفاع الروسية إس-400، “نتناقش باستمرار حول تلك المسألة. وتحدثنا عنها اليوم. وسنتحدث عنها في المستقبل. ونأمل أن نتمكن من تسوية هذا الوضع”،  مضيفاً أن الزعيمين طلبا من نائبيهما “العمل فوراً على إيجاد حل لقضية صواريخ إس-400”.

سبق وأن طرحت الإدارة الأميركية “حلاً بديلاً” قد يتضمن موافقة تركيا على عدم تفعيل منظومة إس-400، التي وصلت إلى تركيا صيف هذا العام، مع احتمالية أن يمهد هذا الطريق أمام واشنطن لإعادة قبول تركيا في برنامج التدريب على مقاتلات إف-35.

لكن الخبراء يقولون إن أردوغان قد نجح في خداع ترامب مرة أخرى فيما يتعلق بقضية منظومة إس-400. وقال توماس كاراكو، من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية، إن مجرد الموافقة على عدم تفعيل المنظومة الدفاعية الروسية لا تعد تنازلاً من جانب تركيا ويمكن التراجع عنها ببساطة. 

أضاف كاراكو “لا شك أنه يُمكنك إيقاف تشغيل منظومة الدفاع الجوي الروسية (أس-400)، بل وإيداعها في المخازن دون استخدام، ولكن في الواقع من المستحيل أن تصل إلى مستوى من الثقة في أنهم لن يقوموا بإخراجها، ونشرها وبدأ تشغيلها بعد ستة أشهر من الآن أو بعد عام من الآن”.

ولكن ما يدعو إلى القلق هو أن تركيا سوف تستخدم منظومة (أس-400) -التي صُممت لتعقب أكثر الطائرات المقاتلة الأميركيّة تطوراً- للحصول على معلومات أساسية حول كيفية عمل الطائرات طراز (أف-35) عندما تكون في وضع التخفي. وستجد تلك المعلومات الثاقبة طريقها سريعاً إلى موسكو، التي تشارك مشاركة متكاملة وبفعالية في تدريب القوات المسلحة التركية على كيفية تشغيل منظومة الصواريخ. فضلاً عن أن تركيا أرسلت أفراداً إلى روسيا لبدء التدريب، قبل إتمام عملية الشراء.

وأشار كاراكو إلى أنه “ما لم يتم تحميلها على سفينة وشحنها إلى ولاية نيو مكسيكو”، حيث تستطيع الحكومة الأميركيّة تفكيك وتفتيش منظومة الصواريخ، فإن “مجرد الثقة في أن المصالح لن تتضارب قد يكون محض غباء إلى حد كبير”.

في أعقاب وصول أول دفعة من منظومة (أس-400) إلى تركيا هذا الصيف، استبعدت وزارة الدفاع الأميركيّة تركيا رسمياً من برنامج تطوير مقاتلات (أف-35)، مشيرةً إلى أن أنقرة ستفقد دورها في إنتاج الطائرة بحلول مارس/آذار 2020. بيد أن المسئولين الأمريكيّين تركوا المجال مفتوحاً أمام تركيا للعودة إلى البرنامج إذا ما وجدوا طريقة لمعالجة قضيّة (أس-400).

فقد صرح الجنرال تود والترز، القائد الأعلى لقوات أوروبا الموحدة وقائد القوات الأميركية في أوروبا، في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أنه “لا ينبغي أن يتواجد النظامين في موقع واحد. ولذا ثمة قرار يتعين على تركيا اتخاذه، وسنواصل الضغط لكي نمضي قدماً إلى الأمام. ولكن بينما نتحدث، تُعد تركيا حليفاً مهماً في حلف الناتو، وتظل العلاقة التي تجمعها على المستوى العسكري، مع الولايات المتحدة والناتو قوية”.

في حين أعرب وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، عن مخاوفه لنظيره التركي الشهر الماضي.

فقد صرح إسبر للصحفيين يوم الاثنين، قائلاً ” لقد كنت واضحاً للغاية خلال لقائي الأخير مع وزير الدفاع التركي خلوصي آكار، وأكدت له مجدداً أنه ‘لا يمكنك الحصول على منظومة (أس-400) واستمرار العمل في برنامج تطوير مقاتلات (أف-35)’. نظراً لما يُمثله ذلك -في اعتقادي- من تهديد على مقاتلات (أف-35)”.

فضلاً عن أن استلام تركيا لمنظومة (أس-400) الروسية هذا الصيف، يلوح بفرض عقوبات قاسية بموجب “قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات” لعام 2017، والذي يستهدف الدول التي تشتري معدات دفاعية روسية. بيد أن ترامب أرجأ فرض هذه العقوبات، برغم احتجاجات المشرعين.

ومن المحتمل أن يثير أي اتفاق حول إيجاد حل بديل لهذه الأزمة، غضب المشرعين الذين طالبوا بشدة بتطبيق جزاءات منذ أن أوضحت أنقرة أنها تعتزم شراء منظومة الصواريخ الروسية.

أوضح كاراكو أن أردوغان لديه العديد من الأسباب والدوافع لشراء منظومة (أس-400)، على الرغم من أن الولايات المتحدة عرضت عليه شراء منظومة باتريوت الأميركيّة المضادة للصواريخ التي تصنعها شركة رايثيون كبديل. السبب الأساسي، هو دافع سياسي، إذ إن شراء منظومة (أس-400) يُـنظَر إليه باعتباره “تكريم” للرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وثمة دافع تقني آخر، يتمثل في أن منظومة الدفاع الجوي الروسية (أس-400) مزودة برادار يغطي 360 درجة، في حين لا يتجاوز مدى تغطية رادار منظومة باتريوت الأميركيّة سوى 180 درجة فقط. وأخيراً، يريد أردوغان، الذي تعرض لهجوم من قبل قواته الجوية عام 2016 باستخدام طائرات مقاتلة أميركيّة الصنع من طراز (أف -16)، نظاماً مُصمماً لإسقاط الطائرات الغربية.

حمَّل ترامب الرئيس السابق باراك أوباما المسؤولية عن هذه الأزمة، مُدعياً أن إدارة أوباما رفضت بيع منظومة باتريوت لأردوغان. بيد أن هذا التوصيف ليس دقيقاً تماماً. فقد رفضت تركيا بالفعل صفقة الباتريوت مرتين قبل أن تُعرض عليها مجدداً للمرة الأخيرة، والتي تضمنت شروطاً أفضل فيما يتعلق بالأسعار والإنتاج المشترك، وقد نقضت وزارة الخارجيّة الاتّفاقيّة رسمياً هذا الصّيف. وفي كلتا المرتين، باء الاتفاق بالفشل بسبب إصرار أنقرة على نقل تكنولوجيا الصّواريخ، الأمر الذي رفضه المسؤولون الأميركيّون.

ومع ذلك، يواصل أردوغان إغراء ترامب بشراء منظومة باتريوت، على الرغم من أن تلك المفاوضات على ما يبدو لن تُفضي إلى أيّة نتائج.

واختتم كاراكو حديثه قائلاً، “إنهم مستمرون في مغازلتنا بصفقة منظومة باتريوت”.

– هذا المقال مترجم عن foreignpolicy.com  ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

هديل مهدي – صحافية لبنانية
هل سطوة الطوائف أقوى من حقوق الأطفال خصوصاً الذين يتعرضون لانتهاكات جسيمة؟
ترجمة – هآرتس
وُصفت أعمال العنف، التي يُعتقد أنها أسفرَت عن مقتل حوالى 300 شخص، بأنها أقوى انتفاضة شهدتها إيران مذ جاءت “الثورة الإسلاميّة” بالنظام الحاليّ إلى السلطة عام 1979.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
ما لا يختلف عليه اثنان أن التمدد العثماني في البلدان الإسلاميّة والعربيّة لم يكن قوامه العُلوم والفلسفة والفنون والآداب والموسيقى، بل كان بوسائل أخرى، تذكرها كتب التاريخ.
زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email