fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - New York Times

ترجمة - New York Times

مقالات الكاتب

كيف تعلّم يهود أميركا أن يكونوا ليبراليّين؟

كشف استطلاع مذهل للرأي نُشِر هذا الصيف عن مدى اتساع الهُوة بين أكبر مجتمعَين يهوديَّين في العالم.

يوافق الإسرائيليون على معالجة الرئيس ترامب للعلاقات الأميركية- الإسرائيلية بنسبة 77٪، وهو أمر لا يثير الدهشة بالنسبة إلى معظم ممثلي إسرائيل في البيت الأبيض منذ سنوات كثيرة. لكن يشعر 34 ٪ فقط من اليهود الأميركيين بالشعور ذاته، فيما يرفض 57 ٪ اقتراب الرئيس ترامب من إسرائيل، وفقاً للاستطلاع ذاته، الذي شاركت فيه اللجنة اليهودية الأميركية.

يعكس هذا الانقسام الخلاف حول مستوطنات الضفة الغربية وإيران وقضايا سياسية أخرى. لكن تخلّي إسرائيل عن أصولها العلمانية – بما في ذلك انخفاض تصنيفها في الآونة الأخيرة في ما يتعلق بوضع المواطنين غير اليهود وتضييق الخناق على الحاخامات الأرثوذوكسيين في ما يخص القوانين المدنية وحقوق المرأة – أثار غضب الكثير من اليهود الأميركيين أيضاً.

يؤيّد اليهود الإسرائيليون الولايات الحمراء (الجمهوريين)، في حين يؤيد اليهود الأميركيون الولايات الزرقاء (الديموقراطيين) – ما يعني أنهم متحرّرون سياسياً في فكرهم.

لطالما أثارت ليبراليّة معظم اليهود الأميركيّين الحيرة لدى المحافظين الجدد من اليهود الأميركيين أمثال نورمان بودوريتز، الذي يؤكّد أنه من غير المنطقي بالنسبة إلى اليهود الأميركيين أن يعتنقوا دولة الرفاهية، والضرائب التي تُدفع مقابل ذلك، نظراً إلى وضعهم الاقتصادي المريح. وجادل قائلاً إن اليهود يعتقدون على نحو خاطئ أن العدالة الاجتماعية متأصّلة في التوراة وفي التعاليم اليهودية الأخرى، مثل “tikkun olam” وهي عبارة من اللغة العبرية تعني “إصلاح العالم”.

إذا كانت عبارة tikkun olam أو إصلاح العالم محورية بالنسبة إلى اليهودية، فقد طرح بودوريتز سؤالاً مفاده، لماذا يُصوِّت اليهود الأرثوذوكس الأميركيون، الذين تتزايد أعدادهم، بصورة موثوقة للمحافظين في الوقت الحالي؟

لم يكن ذلك صحيحاً على الدوام. بانحدارهم من اليهود الذين فرّوا من الظلم، ناصر اليهود من مختلف التقاليد الدينية المُستضعفين وصوتوا لمصلحة الديموقراطيين المتحررين منذ ما قبل “الصفقة الجديدة”، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الديموقراطيين اهتموا بمخاوف المهاجرين، ونظراً إلى أن معاداة السامية ارتبطت باليمين أكثر من اليسار. لكن الجواب عن سبب كون غالبية اليهود من الليبراليين ينطوي على تفسير أعمق، وربما حظي بالقليل من التقدير، حتى من قبل اليهود أنفسهم.

“يتمثّل التغيير الأكبر لليهودية في تحرّرها من التقليد القديم بالصلاة من أجل المسيح البشري لإعادة اليهود مرة أخرى إلى القدس”

ويكمن التفسير تحديداً في التاريخ اليهودي – الأميركي المتأصل في القرن التاسع عشر، عندما أصبحت اليهودية ديانة أميركية مميّزة، وتغيرت كثيراً عما كانت عليه منذ أكثر من ألفي عام.

كان أحد العوامل التي أدّت إلى نهضة اليهودية الأميركية عملياً. ومن أجل الاندماج والعمل في أرضهم الجديدة، تخلى كثر من اليهود عن بعض ممارساتهم القديمة، بدءاً من تأدية شعائر السبت وصولاً إلى الحفاظ على الكوشر (الطعام الحلال في اليهودية) وارتداء ملابس مميزة. إن التخلي عن تلك الممارسات أجبر اليهود على تحويل إيمانهم إلى تفانٍ في المعتقدات الأساسية، بدلاً من العادات والممارسات.

بشكل أعم، سعى اليهود إلى “إضفاء الطابع الأميركي، على طقوسهم، ما جعلها تبدو أكثر شبهاً باحتفالات جيرانهم في الكنيسة. في القرن التاسع عشر، بدأ المهاجرون الألمان بشكل كبير الذهاب إلى المدرسة يوم الأحد، واختلط الرجال بالنساء في المقصورات العائلية وأدخلوا الجوقة الموسيقية، وموسيقى الأرغن وخطب الوعظ في خدماتهم فيما رفضوا أو قلّصوا بعض الصلوات الغامضة. أثارت هذه التغييرات مناقشات وانقسامات ودعاوى قضائية. لكنها ترسخت حتى بين أصحاب الرؤى التقليدية، واستمر ذلك حتى بعد تدفق مليونيّ يهودي من روسيا في مستهل القرن العشرين.

يتمثل التغيير الأكبر لليهودية في تحرّرها من التقليد القديم بالصلاة من أجل المسيح البشري لإعادة اليهود مرة أخرى إلى القدس، واستعادة المعبد القديم الذي دُمِّر عام 70 بعد الميلاد وإعادة تأسيس بيت داوود ليحكم اليهود في أرض صهيون القديمة، كما تنبأ الكتاب المقدس. كانت هذه من بين المبادئ الـ13 الثابتة التي وُصِفت بأنها محورية لليهودية من قبل ميمونيديس (موسى بن ميمون) في القرن الثاني عشر.

عام 1841، أعاد اليهود في مدينة تشارلستون بولاية كارولاينا الجنوبية – التي أصبحت في ما بعد أكبر مجتمع يهودي في الولايات المتحدة – بناء معبد كحال كادوش بيت إلوهيم بعد نشوب حريق وقاموا بتثبيت آلة الأرغن الموسيقية، ما أثار معركة قضائية مثيرة للغاية. نشر المبنى الجديد المبادئ الأساسية لميمونيديس، لكن أُزيلت تلك المبادئ المتعلقة بالعودة إلى صهيون. وأعلن غوستافوس بوزنانسكي، الزعيم الروحي للمعبد، خلال مراسم الاحتفال أن “هذا الصرح هو معبدنا، وهذه المدينة هي قدسنا، وهذه الأرض السعيدة هي فلسطيننا، ومثلما دافع آباؤنا بأرواحهم عن ذلك المعبد، وتلك المدينة وتلك الأرض، فسيدافع أبناؤهم عن هذا المعبد وهذه المدينة وهذه الأرض”.

جاء رفض حجة المسيح “الشخص” بالكاد من دون خلاف. بعد التنصل من ممارسة الصلاة من أجل المسيح الشخص، تم إقصاء الحاخام إسحاق ماير وايز من معبده في مدينة ألباني بولاية نيويورك، عشية رأس السنة العبرية Rosh Hashana  عام 1851 ودخل في عراك بالأيدي مع منتقديه عندما حاول بتحدٍ أخذ التوراة من التابوت في أي حال. واضطرّت الشرطة إلى قمع أعمال الشغب التي تلت ذلك.

لكن التخلي عن الإيمان بمسيح يشبه يسوع المسيح أصبح سائداً بشكل عام، مثلما فعل الاستخدام المتزايد لمصطلح “معبد temple”في الولايات المتحدة في وصف البيت اليهودي المخصّص للعبادة، كما لو كان يعني ضمناً أن المعبد القديم في القدس لم تعد له أهمية.

لكن استمر اليهود في الانجذاب إلى مفهوم عصر الفداء على النحو الذي تنبأ به الأنبياء القُدامى، وهو الوقت الذي كان الذئب يستلقي فيه إلى جوار الحمل. وكان الاختلاف متمثلاً في أنه بينما صلّى اليهود من أجل هذا الاحتمال، فقد فهموا بشكل متزايد أن الأمر متروك للإنسان ليعمل على تحقيقه. وبهذه الطريقة، تأثر اليهود الأميركيون بالبروتستانتية السائدة للصحوة الكبرى الثانية، وأصحاب الفلسفة المتعالية وغيرهم ممن استبدلوا الدور البشري بالعمل الإلهي.

على نحو متزايد، نظر اليهود في أميركا إلى أنفسهم على أنهم يلعبون الدور الفدائي. “نحن على اقتناع تام بأن إسرائيل أُرسِلت من الرب لتكون بمثابة المسيح لهذه الأمم ولنشر الحقيقة والفضيلة على الأرض”، على النحو الذي أوضحته جماعة شيكاغو سيناء في ستينات القرن التاسع عشر، مستغلة “إسرائيل” كمرجع للشعب اليهودي. وحققت فكرة “المهمة” المسيانية الخاصة باليهود نجاحاً هائلاً خلال الاجتماع السري للحاخامات في بيتسبرغ حيث أنشأوا ما أصبح معروفاً في ما بعد باسم اليهودية الإصلاحية الكلاسيكية.

“فكرة اليهودية التي تتمتع بالوعي الاجتماعي متأصلة في التاريخ الثري لليهود الأميركيين الذين يناضلون من أجل إضفاء الطابع الأميركي على ديانتهم”

وأعلنت منصة بيتسبرغ عام 1885 أن من واجب اليهود أن “يشاركوا في المهمة العظيمة في العصر الحديث، والتي تتمثل في حلِّ المشكلات التي تطرحها تناقضات التنظيم الحالي للمجتمع وشروره، على أساس من العدالة والاستقامة”. كما أعاد هؤلاء اليهود الأوائل أيضاً تعريف تاريخ الشتات الخاص بهم أو المنفى، إِذْ اعتبروا بشكل أقل تلك العقوبات بمثابة انتقام من الأعمال الشريرة التي ارتُكِبت في العصور القديمة واعتبروها أيضاً واجباً مقدساً للتفرقة وإعلاناً للعدالة ومثالاً يُحتذى به في عالم يحتاج إلى الإصلاح.

انتشرت هذه الفكرة في الوقت الحاضر إلى ما هو أبعد من اليهودية الإصلاحية. وأشار أرنولد أيزن، مستشار المعهد اللاهوتي اليهودي، المؤسسة المحافظة البارزة في الولايات المتحدة، إلى أن فكرة اليهود كـ”شعب مُختار” ترد كثيراً في الكتاب المقدس وأن اليهود تبنوا رسالة الأنبياء اللاحقين المتمثلة في أن اليهود هم “خدام البشرية” و”ضياء الأمم”.

بالنسبة إلى الكثير من اليهود الأميركيين، أصبح الدور النبوي والمسيحي للشعب اليهودي نفسه مركزياً لإيمانهم. وتوصل استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث عن اليهود الأميركيين عام 2013 إلى أنه من بين اليهود الأميركيين الذين يصل عددهم إلى خمسة ملايين، اعتبر معظمهم “العمل من أجل العدالة والمساواة” بمثابة الركيزة لهويتهم اليهودية.

ويصح القول إن عبارة  tikkun olam التي تعني إصلاح العالم تعد نوعاً من الاستحداث المعاصر، المشتقة من الروحانية اليهودية. لكن فكرة اليهودية التي تتمتع بالوعي الاجتماعي متأصلة في التاريخ الثري لليهود الأميركيين الذين يناضلون من أجل إضفاء الطابع الأميركي على ديانتهم، بينما ينظرون إلى وضعهم كـ “شعب مختار” على أنها فرصة لـ “إصلاح العالم”.

هذا الموضوع مترجم عن موقع صحيفة Nytimes.com ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً:
قضايا المرأة وحقوق المثليّين تقسم اليهود الأرثوذكس في إسرائيل
قانون الدولة الأمة اليهودية: كيف بات للتمييز العنصري جذورٌ قانونية
لماذا علينا ألا نقلد الاسرائيليين في نقاشاتهم؟
بية يهود أميركا لا يريدون القدس عاصمة اسرائيل وعدد من الحاخامات تظاهروا ضد ترامب

إقرأ أيضاً